وجـــــــــوه في المحنة.. منتخب الجماعة الإسلامية بقلم / إسماعيل أحمد
قدّر الله لي أن أجوب معظم المعتقلات.. وأن أتحمل قدراً من المسئولية التي تتيح لي التعرف عن قرب بالكثيرين من إخواني.. فكنت أنبهر بما أرى من كفاءات علمية وإدارية وفنية وإعلامية وأدبية.. وسرحت بخاطري لما بعد انتهاء المحنة لو استطعت أن أجمع كل هؤلاء في فريق عمل واحد !!
وجوه وأماكن
في سنوات المحنة كانت بعض الزنازين أشبه بواحة رحمة في عذابٍ محيط لا أزال أذكرها.. وأترحم على أيامها وصحبة أهليها التي لا تقدر بثمن.
غرفة2 ب/عنبر9/ معتقل الوادي الجديد:
كانت كوكبة رائعة من الشباب: ثمانية منهم كانوا أقل من 21 سنة.. كلهم مجتهد في طلب العلم وحفظ القرآن.. واعتادوا المنافسة في كل مسابقات العنبر العلمية.
وكلهم موهوب إما بالشعر أو التمثيل أو الإخراج الإذاعي أو الإعداد والتقديم.
أتحدث عن سجن الوادي الجديد وليس عن ماسبيرو ولا عن إذاعة مدرسية.. كان المفترض أنني ذاهب إليهم للتعليم والتربية.. لكني أشهد الجميع أنني تعلمت منهم وتربيت أكثر مما أعطيتهم.
لقد علموني كيف يكون الإبداع في معطيات معدومة.. وكيف تكون الأخوة عملية محسوسة.. تعلمت معنى أن يبكي كريم في سره لأنه عجز عن إكرامك في زنزانته.
تعلمت معنى أن تقبل من الضعيف على قدر جهده دون أن تتبرم به.
لقد استخرجوا مني بذكائهم ما لم أحسب أنه عندي.
وجه أول:
حينما التقيته لأول مرة كان هادئاً ساكناً بين جمهرةٍ من الصاخبين.. فالغرفة كلها تقريباً من الشباب.. وقدمت إليهم من غرفة العزل بعد حيرة ومفاضلة تشبه المزاد العلني بين غرفة7ب وغرفة2ب.. كلتا الغرفتين تحوي عدداً من الشباب.. ويقوم على عاتقها قدر كبير من"العمل" في العنبر.
وأعمال العنابر هي الإدارة بمفهومها العام.. نعم لقد كانت إدارة حياتنا تتم بمعرفة المسئولين منا.. الرعاية التعليمية والإعلامية والتربوية والصحية والمعيشية هي مهمة المسئول عن الغرفة وكذلك حل المشكلات..... الخ.
ثم وقع الاختيار على غرفته.. وكنت أسعد بمراسلات أكثر من أخ في الغرفة.. فارتحت لمن فيها.. وفي أول يومٍ لي هناك بدأت أربط الصوت بالصورة.. ذاك الأجش الصوت الذي يشارك في الإذاعة بحظٍ وافر.. وهذا الذي كان يحدثني كثيراً.
وحين انفض سامر إخوانه.. جاء يجلس إلى جواري في هدوء.. وقال ما لفت نظري إليه أكثر وأكثر بأنه صبر على إخوانه حتى ينال حقه وافياً من الحديث.. واتفق معي أن نفتح موضوعاً للحديث يستمر أياماً كلما أتيحت لنا فرصة.. ثم ننتقل إلى غيره.
وكان يحدثني مثلاً عن الإشاعات وتأثيرها الضار والأثر التربوي للجماعة على أخلاق المنتمين إليها.. وأن التربية الأولية هي الغالبة.. فاكتشفت فيه محاوراً ذكياً لبقاً له قدرة على الحدس والتخمين.. مبتكراً يصنع من علب الجبنة النستو مجلة.. عاقلاً إلى أبعد الحدود حتى يتراضى إخوانه الأكبر منه سناً على توليته المسئولية عنهم.
وكان له صبر عجيب على ذلك.. لكنه يتمتع ببراءة غريبة تجعل أحد أقرانه يهتف كلما أبدى شيئاً من براءته "الصعايدة بخيرهم" ووجدت أنه حيث يوضع يتفوق: في التعليم أو الإذاعة أو مسئولية الغرفة.. ويبرع في ذلك كله رغم صغر سنه حينئذٍ وضآلة جسمه.
وجه ثان:
كأنه ارتمى بين يديّ وقال لي: "تبناني" ببراءة تعبيراته وأسئلته التي جعلتني أتصوره طفلاً – خصوصاً حين يصحو من نومه الثقيل.. ويشير إلى الماء.. فأقول له تريد الماء فيومئ برأسه أن نعم.
ويوماً بعد يوم رأيته يبدع في كتابة الشعر والإخراج وغيره من أعمال الإذاعة.. و حين التقيت به بعد سنين أحسست كأنه انطفأ.. وعرفت أنه ابتلي ببعض من يقوقعون الصغير في مهده ولا يؤمنون بظاهرة النمو.
وجه ثالث:
أحببت أسلوبه في الكتابة.. وأعجبتني أفكاره وجرأته.. لكنني حين صرت معه في غرفة واحدة حبسه عني حياؤه.. لست أشك أنه يصلح لأعلى مستويات الكتابة والإعلام.. لكن من يبحث عنه ويحرره من حيائه.
غرفة 15 عنبر2 معتقل وادي النطرون
وجه رابع:
كان في النطرون والتقيته بعد عام من رؤيتي للأول من الغرفة السابقة.. لكنني ما إن جالسته حتى أدركت أنه يكمل الأول.. فهو سريع الحفظ واسع الدراية بالعلوم الشرعية.. وكان في غرفته نشيطاً مرحاً يتحمل كصاحبه المسئوليات فيجيدها.. ويبز من هم أكبر منه سناً.. ويصبر على الأذى ويعين على الخير رغم معاناته الصحية.
وكنت أقول لنفسي كيف لي بأن أجمعه بالآخر ليكون بينهما تعارف.. أرجو أن يعود علينا بالخير.. وقدّر الله أن يجتمعا معي بعد سنين في الوادي الجديد.. وقد فتحت علينا العنابر فتعارفا وتصادقا.. وأتمنى أن يكون ودهما موصولاً إلى اليوم.
فالتفاعل بين البشر خصوصاً ذوي المواصفات الخاصة.. إذا كان إيجابياً لابد أن يرجع على الناس جميعاً بفائدة.
وكثيرون يمضون أعمارهم بحثاً عن اكتشاف ذواتهم.. فيعجزون عن كشف مواطن الخير فيهم.
غرفة13 عنبر6معتقل الفيوم
وجه خامس:
عرفته في الفيوم.. وكانت الأحوال قد تحسنت كثيراً في مطلع هذا القرن.. وكان صوته يعطيك إيحاءً بأنه الشاب الوسيم "ابن بحري".. فكانت الصدمة المضحكة حين رأيته بملامحه الأفريقية (وكم خدعتنا الأصوات حتى أننا أقمنا مسابقةً في وصف الناس بحسب أصواتهم).
وكان مسئولاً بارعاً عن عملية التعليم.. يجدد المناهج، يبتكر في أساليب العرض، يقيم المسابقات المتنوعة، يحرر ملخصات لطلاب المستوى الرفيع من قصاصات الورق التي نستطيع توفيرها.. فيصنع منها كراسات بحجم اليد ليسهل نقلها وتأمينها.
وكل هذا بمعطيات عديمة القيمة وفي ظروف تعجيزية، وكان لا يهدأ مهما امتد به الليل حتى يطمئن على تنفيذ ما أعد.
وسبحان مقسم الأرزاق كان ضعيفاً في الأمنيّات يمكن لأي معلومة مهما كانت دقيقة أن تتسرب منه.. وكنت أداعبه بقولي: لما نخرج لو عملت تنظيم لن أشركك معي.
آخر العنقود وصاحبه:
عرفته بعدما انفتحت السجون وغازلتنا الدنيا بمباهجها.. ولو أدركته قبل ذلك ربما تغيرت نواياه.. كانت مشكلة قد وقعت معه وشعر بأنه مظلوم.. ولست أدري ما الذي أغراه بي.. لكن المسئولين حسبوا أنني كتبت له شكواه وأدخلني رغماً عني في مشكلته.. وأنا بهذا سعيد لأنني عرفت فيه ثروة إبداعية وكفاءة عقلية تفوق سنه بكثير.
أما صاحبه فليس بموهبة خفية.. لكنها كشفت منذ أمدٍ بعيد عن ساقها.. ولا ينقصه سوى زيادة معدلات الطموح.
ولست أزعم أنني محظوظ.. وقعت بين يدي وفي 3 غرف كل هذه الكفاءات (وغيرهم كثير، لست أنساهم ولكنه مقال موجز وليس للتأريخ).
وكل إخواني الآخرين – بل كل المصريين – بحاجة إلى من يحرك كوامنهم ويستخرج كنوزهم لأن عقليات كثيرة في بلادنا تهوى تحجيم الآخرين.
حتى شكا لي أحد الأخوة أن شيخه يسكن معه نفس الغرفة.. ويصر على أن يعامله بإسقاط عشر سنوات من عمره.. وكأنه لم يزل الفتى الذي رآه في المسجد قبل عقدٍ من الزمان.. مع أنه كان في الثلاثين من عمره يوم حدثني!! وقد كانت عيناي تفيضان حين أدرك ما فعلته السجون بأعمارهم.
وتخيلت لو جمعنا كل هذه الكفاءات.. ويسرنا لهم أسباب البوح بمكنون صدورهم.. ومنحناهم الثقة التي يحتاجها كل مبتدئ.. حين تؤكد لذي الموهبة أنه مطلق السراح في ما يبدع تجده مرةً بعد مرة.. يريك ويري نفسه ما لم يتوقعه أحد..
وتخيلت فريقاً علمياً ينمو تحت أعين العلماء.. وآخر تربوياً يشرف عليهم شيخ خبير.. وفريقاً ثالثا في الإعلام وآخر في الإنشاد.
نسيت الزعبلاوي ذاك الصوت الذي كان يجبرني على التعلق بالنافذة والإنصات إليه.. وغيرهم كثيرون يحتاج الحكي عنهم لمجلدات.. أولم يقل النبي صلّى الله عليه وسلم:"الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة".
مقترحات ومعوقات:
لو انتخبنا من كل قرية شيخاً يحدثنا عما آلت إليه أخبار إخوانه.. لاستعدنا هذه المواهب وانتفعنا بها.
ولو حكي مثلي كل شاهد لعرفنا الكثيرين.. وقد كنت حريصاً في سجني أن أسأل كل شيخ: من كان معه من بلدي؟ ثم أطلب منه أن يحكي لي عن أخباره وأخلاقه وماذا حفظ وتعلّم.
ويعرقلنا أولاً أن نية الكثيرين منهم - ممن طحنتهم المحنة - أن ينشغلوا بأنفسهم ويتنكبوا الطريق؟.. فلعل تذكيرهم بما كانوا عليه يبعث هممهم ويعيدهم لدعوتهم.. ومثلما قال النبي صلّى الله عليه وسلم: "إن يكن فيه خير يأت به الله".
ويقعدنا ثانياً أن الوقت لم يعد في صالحنا.. وكل من أحكي عنهم اليوم يتجاوزون الثلاثين.. وهموم دنياهم تأخذهم كل مأخذ بين عملٍ أو دراسة أو زوجة.. فتلك إذا مشكلة لا أعرف لها حلاً سوى: لا حول ولا قوة إلا بالله.
| الإسم | رجب حسن |
| عنوان التعليق | ومنا من مضى او ذهب وبقيت ذكراه |
| لست انسى فارسابكاه قلبى حين قضى نحبه والالم والمرض يمزقانه فى عنبر 9 ذاك الشيخ احمد مؤنس كم علمنى باخلاقه وتواضعه وما رايت احدا فى جلده والموت يصرعه فلا ينال من ايمانه وعزيمته فلا تذرفوا على رفاته الدمع ولكن احيوا فى قلوبكم روح صموده وتواضعه واذكروه دائما فى الدعاء |
| الإسم | برجاء ان يصل التعليق خاص فقط للشيخ اسماعيل عبركم لاننى لا اعرف بريده الاليكترونى |
| عنوان التعليق | خاص بالشيخ ابى يحيى : تظل دائماً ابا يحيى ذا قلب البكر الحنون التلقائى |
| الحبيب صاحب الاثر العميق
تظل دايما كلماتك حية من وجهة نظرى ومن خلال معايشتى معكم فترة أحسبها من فترات حياتى المؤثرة الثرية ذلك لانك تملك التلقائية الحنونة التى تسع كل من تقابله لاول مرة والتى بدورها تتحول بعد ذلك الى صداقة يحس صاحبك انك تؤثره دون غيره بشىء خاص له وحده والعجيب ان ذلك مع الكل وان له عندك منزلة لا تعطيها لغيره وهذه المنازل يوزعها فيض صداقتك بحسب الشخص نفسه واخلاقه وميوله وشخصيته حتر رأيناك تتعايش مع الكل ، كل حسب ثقافته وميوله واهتماماته
عزيزى أنه أنا الثالث صاحب البطانية ، أتذكره لقد تخلص أخيرا من البطانية والفضل يعود لكم ، أخى واسمح لى بها وهذا لا يمنع كونك أستاذاً ومربياً كنت سبباً فى ثباتى يوماً لان الأخوة تحمل كل المعانى تهفو النفوس ولو حتى ان تعيش فى طيف ذكراها وحسبك ايها الشيخ الكريم ان من بين أخوانك من أذا ذكرته أحسست بالحياء من نفسك لانك لا تسير على نفس خطاه ، وحسبك من اخوانك من أذا ذكرته تمنيت له عن طيب نفس أن يسبقك وما لم تحققه انت وددت بل عملت على ان يحققه هو بقى ان تعرف ابا يحيى أنه تم نشر عده مقالات (4) لى عبر مطبوعة تكاد تتربع الآن على رأس المطبوعات الثقافية العربية متى وصلنى بريدك الاليكترونى والذى أرجو أن يلحق بمقالكم وتأتى منى هذه الرسالة من بل عربى شقيق هاجرت للعمل فقط اتح عنوان بريدك الاليكترونى |
| الإسم | إسماعيل أحمد محمد |
| عنوان التعليق | وجدته |
| ها أنت تظهر من جديد إن لم يسطع قلمك هاهنا في موقعك فمن يكتب إنني أهيب بك أن تتقدم للمشاركة في هذا الموقع أياً كان ما تكتبه وأنا أنتظر أن أرى اسمك، لقد عرفتك يا مهند من أول كلمتين وقبل أن تفصح وإليك عنواني-بعد دقائق قليلة سأكون مع أحد صاحبيك وليتني أعثر بالآخر-
is_almohager@yahoo.com |
| الإسم | حمادة نصار أحمد |
| عنوان التعليق | المنتخب |
| فكرة المنتخب فكرة ليست جديدة على مولانا العارف بالله أبى يحى لأن هذه الخاطرة كانت دائما تلح عليه وهو معنا فى الأيام العصيبةوكنت أعجب من عزيمة هذا الرجل الذى يفكر فى منتخب يلعب به مرة أخرى فكنا نمازحه قائلين يامولانا نحن كنا نلعب على الكاس ولسنا فى الدورى أى أن هزيمتنا هى خروجنا من الملعب نهائيا |
| الإسم | ابو خلاد هشام فتحي |
| عنوان التعليق | وجه اخر |
| كنا خمسة من اسيوط والمنيا وسوهاج لم ير احدنا الاخر لكن تعارفنا عبر الرسائل لمدة سنة لم تكن رسائلنا في صداقة او فراق لكن كنا نفتح موضوع ونناقشه علي الورق بين (ابو عاصم وابو خلاد وابو محمود وابو الحسن وابو اسراء وابو ضياء سادسنا)ورغم اختلافنا في موضوعات كثيرة الا ان كل اثنين متفقان في الراي يتراسلان سويا وكان اول موضوع نقاش هو خالد البري وكتابه الدنيا اجمل من الجنة ثم كانت ارهاصات المبادرة فاختلفنا واتفقنا وهكذا حتى فتح السجن وكنت في اول زنزانة وسألني اخ من عنبر اخر هل تعرف زنزانة ابو خلاد من المنيا ثم عانقته بعد ان عرفت انه ابو محمود السلاموني
كانت ايام جميلة كتبتها في مذكرات تحت عنوان (من نفحات البلاء ) لعلنا نذكرها لاحقا
ابو خلاد |
| الإسم | |
| عنوان التعليق | سلاما 00 وتحية |
| سلاما 00 وتحيةللشيخ اسماعيل على كتاباته |
| الإسم | ابو عبد الرحمن منصور الاسواني |
| عنوان التعليق | سلام وتحية من ارض الحرم |
| كم نشتاق الي تلك النمازج وغيرها كثير وأسأل الله ان يكون جميع من ذكرت ومن عرفنا في خير حال واتمني التواصل مع من افتقدنا حبهم ولقياهم ولا نعرف كيف السبيل اليهم غير ان القلب مازال يذكرهم ويدعو لهم ونشهد الله علي حبهم 00 وتحية خاصة الي اخواننا القائمين علي الموقع ونتمني ان يكون هناك بابا للتواصل مع اخوانكم في الغربة 00 |
| الإسم | ابو احمد هلال بركات |
| عنوان التعليق | فرحة |
| شيخنا الحبيب ابو يحيى السلام عليكم وجزاك الله خيرا على كلملتك الجميلة التى قرتها عن اخوان لنا لعلى لا اعرفهم ولكن اضيف اقتراح الى اقتراحكم وهو ان يكون فى موقعنا هذا هامشا للمناسبات مثلما كان فى العنابر حتى نعرف اخبار اخواننافمثلا كان امس فرح الاخ الحبيب عزت عبد المنعم ديروط وحضرة من كنا نشتاق الى سماع حتى ولو خبر بسيط عنهم وعلى راسهم حبيبنا وشيخنا الشيخ عاصم والشيخ رجب حسن والشيخ حسين عبد العال وفرحت بلقائهم فهل لنا ان نضع هذا الاقتراح بين الاقتراحات وجزاكم واخواننا الله عنا خير اخوكم ابو احمد |
| الإسم | أبو يحيى |
| عنوان التعليق | على شمالك |
| أخي الحبيب /هلال
السلام عليكم،
اقتراحك شغال من شهر بس انت مش واخد بالك بص على شمالك وانت داخل تلاقيه جنب صورتي بالظبط والسلام |
عودة الى دروس في الدعوة
|