|
أبو العالية رفيع بن مهران بقلم / إبراهيم على
في هذه الورقات البسيطة نتحدث عن علم من أعلام المسلمين.. ونادرة من نوادر القرن الأول .. وجهبذ من جهابذة زمانه .. سبح بقوة علمه بكتاب الله فى سماء مكانه .. حتى قيل فيه لم يكن هناك أحدا أعلم بالقرآن بعد الصحابة من أبى العالية ثم يليه سعيد بن جبير.
فمن هو يا ترى أبو العالية ؟
إنه رفيع بن مهران نابغة زمانه .. وأقدر الناس على فهم القرآن ,وأدراهم وأعمقهم في إدراك مراميه وأسراره . فهيا بنا نجول فى بستان سيرته وننهل من ثماره وأزهاره .. فإن لم يكن فيكفيك تنسم عبير أزهاره ورؤية جمال أشجاره .
ولد رفيع ونشأ وترعرع فى بلاد فارس ولما فتح المسلمون بلاد فارس جاء رفيع إلى ديار الإسلام رقيقاً .. وآل أمره إلى امرأة من بني تميم وكانت سيدة صالحة طيبة عاقلة وقورة.
ولما كان رفيع يتمتع بنباهة ورجاحة عقل فما لبث أن وضع يده على البون الشاسع بين عبادة الرحمن، وعبادة الأوثان.. ورفعة الإسلام، ودنو الجاهلية.. ونور الحق، وظلمة الباطل.
فسارع إلى الإسلام وأقبل على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكان ذا عزيمة جبارة .. وإرادة قوية.. فقسم وقته بين خدمة سيدته، وراحة جسده.. وتعلمه القراءة والكتابة وعلوم الدين.
فأعتقته سيدته ابتغاء وجه الله وطمعا ً في عفوه ورضاه سبحانه.. لما رأته منه من جد وعزم وقوة ومثابرة وتقوى وورع وحب للدين.
فانطلق رفيع فما لبث إلا أن هيأ نفسه لحضور مجالس العلم وانقطع عليها .. بل ودأب فى التردد على المدينة يأخذ عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوفقه الله بلقيا الصديق رضي الله عنه .. وجلس إلى عمر وقرأ عليه القرآن .. وروى عنهما .. وروى عن عبد الله بن مسعود وعلى بن أبى طالب وأبى بن كعب وأبو أيوب الأنصاري وأبى هريرة وعبد الله بن عباس وسهل بن حنظله وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين .
ولم يكتف رفيع بأخذ الحديث عن رواة المدينة .. بل طلبه في كل مكان .. فإذا وصف له رجل بالعلم ، ضرب إليه أكباد الإبل مهما كان بعيد الدار نائي المزار .. فإذا وصل إليه بادر فصلى خلفه فإذا وجده لا يتقن صلاته أحسن الإتقان .. ولا يوفيها حقها أكمل التوفيق .. أعرض عنه وقال فى نفسه أن الذي يتهاون فى صلاته يكون أشد تهاوناً فى غيرها .. ثم يحمل عصاه ويعود من حيث جاء .
ولما بلغ رفيع من العلم مبلغا ً أخذ يحث الناس على طلب العلم والإقبال على كتاب الله وسنة رسوله وفهمها كما فهمها السلف الصالح.. والبعد عن الهوى فهو أساس الاختلاف والفرقة .
فكان يقول ( تعلموا القرآن فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه وإياكم وهذه الأهواء فإنها توقع بينكم العداوة والبغضاء.. وعليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا.. فإنا قرأنا القرآن قبل أن يقتل صاحبهم يعنى عثمان بخمسة عشرة سنه ).
ولما أصبح له طلابا ً كان أول ما يحضهم عليه.. الإخلاص والتجرد لله وابتغاء ما عنده وترك الرياء والسمعة فكان يقول لهم : قال لي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعمل لغير الله فيكلك الله إلى من عملت له .
ثم يثير فيهم حفيظة طلب العلم والجد والعزم على ذلك فيقول: ( روضوا أنفسكم على تلقى العلم وأكثروا من السؤال عنه واعلموا أن العلم لا يخفض لمستح ومستكبر فالمستحى لا يسأل لحيائه والمستكبر لا يسأل لكبريائه ).
وكما رأينا فإن رفيعاً لم يكن معلماً فحسب بل كان مربيا ً وموجها ً يعمل على إحياء القلوب وتزكية النفوس فكما كان يغذى العقول اهتم أيضا بغذاء القلوب.
ومن ذلك أيضا أنه كان يقول لطلابه:-
إن الله قضى على نفسه أن من آمن به هداه .. ومصداق ذلك قوله عز وجل : (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) سورة التغابن وإن من توكل كفاه .. ومصداق ذلك قوله تبارك وتعالى (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) سورة الطلاق وإن من قرضه جازاه.. ومصداق قوله عز وجل (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً) البقرة 24 وإن من دعاه أجابه مصداقا ً لقوله تبارك وتعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) سورة البقرة.
وكان يقول لتلاميذه اعملوا بالطاعة واقبلوا على المطيعين لطاعتهم.. واجتنبوا المعصية وعادوا العصاة لمعصيتهم .. ثم وكلوا أمر العصاة إلى الله .. فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم .
ولم يكتف رفيع بأن يكون عالماً ومربياً .. بل كان مجاهدا ً فشارك في جميع الاتجاهات فجاهد الروم والفرس .. وقد كان مع الفاتحين لبلاد ما وراء النهر.. فنال شرف أول من رفع الأذان فى هذه البلاد .. ولما وقعت الفتنه بين على ومعاوية رضي الله عنهما كان لرفيع موقفاً معروفاً مشهوراً وهو موقف المؤمن التقى الورع الذي يعرف مدى حرمة دماء آخيه المسلم فما كان منه إلا أن اعتزل .
وكان مما عرف به أنه كان شغوفا ً بحب النبي صلى الله عليه وسلم حزينا ً أنه لم يدركه.. وكان يعوض ذلك بالتقرب إلى الصحابة رضوان الله عليهم.. فقد روى أن أنس رضي الله عنه أعطاه تفاحة فأخذها وجعل يقبلها ويقول: تفاحة مستها يد رسول الله.. تفاحة مستها يد خطيب يمس يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عرف رفيع ببشاشة وجهه .. ورحمته بالناس .. وشفقته عليهم.. إذا دخل عليه أحد من أصحابه رحب به أشد الترحاب وقرأ (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ).
وفى نهاية جولتنا فى هذا البستان الندى العطر الجميل نذكر موقفا ً يعجز فيه القلم عن الجريان .. واللسان عن البيان .. أمام عظمة هذا الرجل ولا نملك إلا أن نقول : صدق فيك قول الله عز وجل (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر.
وإليكم الموقف:
في ذات سنة .. عزم أبو العالية رفيع بن مهران على الجهاد فى سبيل الله .. فأعد للأمر عدته.. وحزم أمره على المضي مع المجاهدين .. فلما طلع عليه الصبح .. فوجئ بآلام مبرحة فى إحدى قدميه ثم ما زال الألم يشتد ساعة بعد ساعة .. فلما عاده الطبيب قال له : أنه مصاب بالأكلة أي (الغنغرينا) قال : وما الأكلة قيل له : داء يأكل العضو الذي يحل به .. ثم ينتقل إلى ما فوقه حتى يأكل الجسد كله .. ثم أستأذنه الطبيب بالمبادرة إلى بتر ساقه فأذن له على كره منه.. حتى لا يفوته شرف الجهاد.
أحضر الطبيب مباضعه أي ( مشارطه وأدواته ) لشق اللحم .. ومناشير لنشر العظم .. ثم قال له: أتريد أن نسقيك جرعة مخدر لكي لا تشعر بآلام الشق والبتر.. فقال : بل هناك ما هو خير من ذلك .. فقال الطبيب: وما هو؟؟ فقالوا أحضروا لى قارئا ًيتقن كتاب الله واجعلوه يقرأ على ّ ما تيسر من آيات الله البينات .. فإذا رأيتموني قد أحمر وجهي .. واتسعت حدقتاي.. وثبت نظري في السماء .. فافعلوا بى ما شئتم .. فنفذوا أمره وبترو عظمته فلما أفاق.. قال له الطبيب كأنك لم تشعر بآلام الشق والبتر .. فقال : لقد شغلني برد حب الله وحلاوة ما سمعته من كتاب الله عن حرارة المناشير .. ثم أخذ رجله بيده ونظر إليها وقال إذا لقيت ربى يوم القيامة وسألني هل مشيت بك منذ أربعين سنة إلى محرم ؟؟ ومسست بك غير مباح ؟؟ لأقولن لا ، وأنا صادق فيما أقول إن شاء الله .
وفى سنة تسعين من الهجرة لقي رفيع وجه ربه فرضي الله عنه ورحمته عليه.. وغفر الله له إلى يوم الدين اللهم آمين.
عودة الى الذين سبقونا
|