الجمعة 23 ذو القعدة 1429     21 نوفمبر 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلمركز دراسات بريطانى يقول ان سلمان رشدى والكثير من زملائه المتحررين , يتعرضون لضغوط
خبر وتعليق

انهيار الحوار الفلسطينى فى القاهرة مسئولية
حركة حماس
حركة فتح
كل الاطراف
اقتراعات سابقة

كاتب الوحى و ترجمان رسول الله , زيد بن ثابت

بقلم الشيخ عبد العزيز محمود 

بعد أن إمتلئت المدينة برياح الإيمان , وعم فيها النور وتبدد الظلام , وأصبح الكل يستظل  تحت راية لا إله إلا الله، حتى استنشق الأطفال عبير الإيمان , وأصبح كالدم يجرى في عروقهم  ، فتملك من قلوبهم ،واستولى على كيانهم , وتوحد مصدر التلقى ، فالكل يتغذى من معين واحد وهو القرآن الكريم , ويتربى على يد مربى واحد وهو النبي الكريم , فتوحد هدفهم منذ الصغر وهو الدفاع عن الإسلام , وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فالأنس بجواره غاية كل غلام , ومراد كل عائلة .

ـ وفى السنة الثانية للهجرة , وفى يوم بدر أخذته أمه " النوار بنت مالك " ,  وذهبت به وهو فى الثالثة عشرة من عمره ,بعد أن حمل سيفه الذي يساويه في الطول , وأرسلته إلى حيث يستعد جيش المدينة للخروج , وبينما يلقى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم نظرته الأخيرة على الجيش ، أقبل عليه غلام صغير السن ودنا منه وقال: جُعلت فداك يا رسول الله,ائذن لي أن أكون معك وأجاهد أعداء الله تحت رايتك .

ـ فنظر إليه رسول الله  نظرة سرور وإعجاب وطيب خاطره ورده لصغر سنه.

ـ عاد الغلام الأنصاري زيد بن ثابت , الذي توفى أبوه يوم بعاث - وهو يوم من الأيام المشهورة في الجاهلية - حيث دارت واقعة عظيمة ومعركة طاحنة بين الأوس والخزرج، فقتل فيها كثير منهم، وكان ممن قتلوا فيها أبوه ثابت بن زيد، فربي زيد يتيماً.

ـ عاد الغلام يجرجر سيفه على الأرض شديد الأسى والحزن, لأنه لم يستطع أن يكون بين جند المسلمين ويحقق لأمه - النوار بنت مالك - ما كانت ترغب فيه وتتمناه  من أن يحتل المكانة التي كان من المنتظر أن يحظى بها أبوه لدى رسول اللهr  لو أنه ظل على قيد الحياة.

ـ لم ينتظر الغلام طويلاً حتى جاءت عزوة أحد وخرج زيد مع ستة من أترابه يحدوهم الأمل أن يجيزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ويقبلهم بين رجاله المجاهدين في سبيل الله , ألقى الرسول على الفرسان الصغار نظرة شاكرة، وبدا كأنه سيعتذر عن تجنيدهم في هذه الغزوة أيضا ,إلا أن رافع بن خديج  خرج بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسك بالحربة ويلعب بها ويستعرض قوته ومهارته وتمكنه بالمقاتلة بها , فأعجب به النبي صلى الله عليه وسلم وأجازه, فلما رأى سمرة بن جندب ذلك قال يا رسول الله أنا أقوى من رافع , أنا أصرعه ,فلما أخبر رسول الله بذلك أمرهما أن يتصارعا أمامه فتصارعا , فصرع سمرة رافعاً,فأجازه .

ـ ثم رد رسول الله الباقين وكان من بينهم زيد بن ثابت,وعبد الله بن عمر, وأسامة بن زيد, وغيرهم .

* وما إن عاد زيد بعد أن رده رسول الله صلى الله عليه وسلم  حتى وقف مع نفسه يفكر في مجال آخر يخدم به الإسلام , ويحقق لأمه حلمها بل حلم العائلة كلها .. ولما لا .. فهو غلام ذكى شديد الذكاء ، يتميز بالفطنة وسرعة البديهة ,  و قد امتن الله عليه بنعمة الحفظ والاستيعاب ومحبة العلم والقرآن .. ففكر في مجال العلم ,وذكر ذلك لأمه التي فرحت فرحاً شديداً وحدثت رجالاً من قومهم برغبة الغلام .. وذكرت لهم فكرته، ومضواً به إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم   وقالواً : يا نبي الله ، هذا أبننا زيد بن ثابت يحفظ سبعة عشرة سورة من كتاب الله ويتلوها صحيحة كما أنزلت علي قلبك .. وهو يجيد الكتابة والقراءة ويريد أن يتقرب بذلك إليك وأن يلزمك ، فاسمع منه .

* سمع الرسول الكريم من الغلام زيد بن ثابت بعضاً مما يحفظ ، فإذا هو بديع الإلقاء .. وضاء التلاوة  .. فصيح النطق .. تتلألأ كلامات القرآن علي شفتيه كما تتلألأ الكواكب علي صفحة السماء ، وهو مع ذلك يتأثر بما يتلو ، ووقفاته تدل علي علم ووعي وفهم لما يقرأ .

* سر به الرسول الكريم وفرح به .. إذ وجده أفضل مما وصفوه وزاد سروراً بإتقانه الكتابة ، فالتفت إليه النبي الكريم وقال : ( يا زيد ، تعلم لي كتابة اليهود ، فإني لا أمنهم علي ما أقول ) .. فقال سمعاً وطاعة وإجابة لأمرك يا رسول الله .

* ومنذ ذلك اليوم الذي تحقق فيه أمل زيد بن ثابت وحلم عائلته ، عكف من لحظته وتوه علي تعلم العبرية حتي أتقنها في وقت يسير وجعل يكتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يكتب لليهود ، ويقرأها إذا هم كتبوا له فكان بمثابة مترجم لرسول الله ، فلما رأي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم جهده ولمس فيه الجد والإخلاص وبراعته في هذا المجال أمره صلى الله عليه وسلم أن يتعلم السريانية كما تعلم العبرية .. وفي وقت وجيز استطاع أن يتقنها ويتعلمها جيداً وبذلك أصبح الفتي زيد بن ثابت ترجمان رسول الله  حقاً .

* ولما تأكد وأطمأن رسول الله  من رصانة زيد وأمانته ، ودقته وفهمه ائتمنه علي رسالة السماء إلي الأرض ، فجعله كاتباً للوحي فكان إذا نزل شئ من القرآن أرسل إليه يدعوه ويقول : ( أكتب يا زيد  ) فيكتب ، فأصبح زيد بن ثابت قريباً من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يتلقى القرآن منه شياً فشياً فينمو مع آياته ويأخذه رطباً طرياً من فمه  موصولا ً بأسباب نزوله ، فتشرق له نفسه ويستنير له عقله ، فيزداد هداية وتقي ، ورغم براعة زيد في هذا المجال وإتقانه له إلا أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها  بداية من غزوة الخندق ، وصار ملازما ً لرسول الله صلى الله عليه وسلم  حتي وفاته .

* استفاد زيد بن ثابت من ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابة الوحي ، فكان من فضل ذلك عليه أن أنار الله له سُبل الصواب في المواقف التي يحار فيها أصحاب العقول ، ففي يوم السقيفة وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم  أختلف المسلمون في من يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

* فقال المهاجرون : فينا خلافة رسول الله ونحن بها أولي .

* وقال بعض الأنصار : فلتكون الخلافة فينا ونحن بها أجدر .

وقال بعضهم : بل تكون الخلافة فينا وفيكم معاً .

وكادت أن تحدث الفتنة الكبرى ، ولم يمضي علي وفاة النبي الكريم إلا القليل بل ما زال جسده الطاهر مسجي بين ظهرانيهم لم يدفن بعد .

ـ هنا وقف زيد بن ثابت الذي يشهد له الجميع من المهاجرين والأنصار بالتقي والصلاح فانطلقت هذه الكلمات من فمه وهو ينظر إلي قومه ويقول : يا معشر الأنصار : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين ، فيكون خليفته مهاجرا مثله ، وإنا كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكون أنصاراً لخليفته من بعد .. وأعوان له علي الحق .. ثم مد يده إلي أبي بكر الصديق وقال : هذا خليفتكم فبايعوه .

كان هذا الموقف حاسم ، حازم ، وائد الفتنة في مهدها وأنار للحائرين الطريق المستقيم .

وكما كان زيد بن ثابت محل ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم   كان أيضاً محل ثقة خليفته أبو بكر الصديق.

وبالتحديد فى حرب اليمامة كان من بين شهداء المسلمين كثير من حفاظ القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر بمشورة عمر بن الخطاب بجمع القرآن .. حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال.

أسند الصديق هذا العمل العظيم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري  ، ولم يكن اختيار الصديق لزيد بن ثابت عبثاً أو هباء .. ولكن لما يتمتع به من صفات حميدة ,وخصال عدة .

* فهو شاب لم يتعدى عمره واحد وعشرون عاما .. نشيطاً ينجز ما يطلب منه أسرع من غيره, كونه أكثر تأهيلاً ، فيكون أوعى له؛ إذ من وهبه الله عقلاً راجحًا فقد يسر له سبيل الخير.. كونه ثقة فليس هو موضعًا للتهمة، فيكون عمله مقبولاً وتركن إليه النفس ويطمئن إليه القلب.

كونه كاتبا للوحي، فهو بذلك ذو خبرة سابقة في هذا الأمر وممارسة عملية له، فليس غريبا عن هذا العمل ولا دخيلاً عليه .

* هذه الصفات الجليلة جعلت الصديق يرشح زيدًا لجمع القرآن، فكان به جديرًا وبالقيام به خبيرًا , ويضاف لذلك أنه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي ، فعن قتادة قال : سألت أنس بن مالك : من جمع القرآن على عهد النبي ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد .

ـ يروي زيد بن ثابت فيقول: بعث إليَّ أبو بكر لمقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر , إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد كثر واشتد يوم اليمامة بقراء القرآن .. وإني أخشى أن يستكثر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب كثير من القرآن .. وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ؟! فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد : قال أبو بكر : وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ..  فتتبع القرآن فاجمعه.

قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي ّ مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من جريد النخل، وصفائح الحجارة، وصدور الرجال والرقاع ,والأكتاف قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )  حتى خاتمة براءة .

وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن ..  فكان لا يثبت شيئًا من القرآن إلا إذا كان مكتوبا بين يدي النبي .. ومحفوظًا من الصحابة، فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة خشية أن يكون في الحفظ خطأ أو وهم .. وأيضا لم يقبل من أحد شيئًا جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ..  وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن .

وعلى هذا المنهج استمر زيد في جمع القرآن حذرًا متثبتًا مبالغًا في الدقة والتحري.

ولقد استحوذ زيد بن ثابت علي ثقة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين ،          

وكان عمر بن الخطاب يستخلفه إذا حج على المدينة, وهو الذي تولى قسمة الغنائم يوم اليرموك.

بل نال إعجاب وثقة المؤمنين في عصره .. وكذلك كان عند حسن ظن وثقة ثالث الخلفاء عثمان بن عفان .

وكان زيد بن ثابت من طليعة من وحدوا المصحف في زمن عثمان .. وكما كان  له السبق في عهد أبي بكر.. كذلك كان له الشرف أيضاً في عهد عثمان بعد أن تعددت القراءات .. وأصبح هناك اختلاف بين المسلمين خاصة بعد دخول أفواج كثيرة في دين الله , فأشار جمع من الصحابة علي الخليفة عثمان بن عفان بتوحيد القراءات .. وجمعها في مصحف واحد وكان من بين هؤلاء الصحابة حذيفة بن اليمان .. فأرسل عثمان رضي الله عنه إلي زيد وبعض الصحابة للقيام بهذا الأمر العظيم وأمرهم إن اختلفوا  فى شئ  فليرجعوا إلي زيد بن ثابت .                     

تميز زيد بن ثابت بخصال عدة وميزات شتي .. فقد غدا زيدُ بنُ ثابتٍ بفضـلِ القرآنِ وتفقُّهِهِ فيه .. وطولِ ملازَمَتِهِ لرسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم  منارَةً للمسلمين : يستشيره خلفاؤهم في المُعْضِلات، ويَسْتَفْتِيهِ عامَّتُهم في المشْكِلات، ويرجعون إليه في المواريث خاصَّة ، إذْ لم يكن بينَ المسلمين – إذْ ذاك- من هو أعلمُ منه بأحكامها وأحْذَقُ منه في قِسْمَتِها؛

فقد خَطَبَ عمرُ رضوانً اللّهِ عليه في المسلمينَ يومَ الجابيةِ فقال :أيها الناس، من أراد أن يَسأْ لَ عن القرآن فَلْيَأتِ زيدَ بنَ ثابت .                                                                              

ـ ومن أراد أن يَسْألَ عن الفِقْهِ فَلْيَأتِ معاذَ بنَ جبل. . ومن أراد أن يسأل عن المالِ فليأتِ إليَّ، فإنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلني عليه والياً، وله قاسِما ً.

ـ ولقد عَرَفَ طلابُ العِلْم من الصحـابَةِ والتابعين لِزيْدِ بنِ ثابتٍ قَدْرَه، فاجَلُّوه، وعَظَّمُوه لما وَقَرَ في صَدْرِه من العلم.. فها هو بَحْرُ العِلْمِ عبدُ اللّه بنُ عَبَّاس يَرَى زيدَ بنَ ثابتٍ قد هَمَّ بركوب دابَّتِهِ .. فَيَقِفُ بينَ يديه، ويُمْسِكُ له بركابِهِ، ويأخذ بزِمامِ دابَّتِهِ.. فقال له زيدُ بنُ ثَابت : دَعْ عنك يا ابنَ عَمِّ رسولِ اللّهِ..فقال ابنُ عَبَّاس:  هكذا أمِرْنا أن نَفْعَلَ بعلمائِنا.. فقال له زيد: أرني يَدَك.. فأخرج ابنُ عباس يَدَه له، فمال عليها زيدٌ وقَبَّلها وقال:  هكذا أمِرْنا أن نَفْعَلَ بآل بَيْتِ نَبيِّنا...ولَمَّا لحق زيدُ بنُ ثابتٍ بجوارِ رِّبهِ ؛ بكَى المسلمون بمَوْتِه والعِلْمَ الذي وُورِيَ معه، فقال أبو هريرة: اليومَ ماتَ حَبْرُ هذه الأمَّةِ، وعسى أنْ يجعلَ اللّهُ في ابنِ عباس خَلَفَاً منه .. ورثاه شاعِرُ رسولِ اللّهِ حسانُ بنُ ثابتٍ وَرَثى نَفْسَهُ معه فقال:

فَمَنْ لِلقَوافي بَعْدَ حَسَّانَ وابنِهِ     ومَنْ للمعاني بَعْدَ زيدِ بنِ ثابتِ؟!

رحم الله زيد بن ثابت واسع الرحمة وأسكنه فسيح جناته .

تلك هي قصة زيد بن ثابت أردنا أن نستعرض قليل من كثير عن حياته ,لنضعها بين يدي الأجيال جمعيها لتتعلم منه ,وتقتدي به.



عودة الى الذين سبقونا

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._