English الأحد 12 رجب 1430     5 يوليو 2009
البحث التفصيلي
التفاصيل" مسلسل هروب الأزواج من زوجاتهم "
خبر وتعليق
    مئات المسلمين فى دريسدن الألمانية يحتجون على مقتل سيدة مصرية محجبة واصابة زوجها بعيار نارى         الاتحاد الافريقى يقرر وقف التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية بشأن مذكرة اعتقال الرئيس السودانى         محكمة فيدرالية امريكية , توجه اتهامها لمدير محطة CIA فى الجزائر فى قضية اعتداء جنسى         منظمة العفو الدولية تقول فى تقرير لها ان اسرائيل دمرت قطاع غزة عن عمد         الجيش الامريكى يبدأ اليوم عملية عسكرية واسعة ضد طالبان فى اقليم هلمند الى الجنوب من افغانستان    

حوار وتوافق حماس و فتح في ظل الظروف الحالية
ممكن
غير ممكن
ممكن ولكن لن يدوم
اقتراعات سابقة

الإمام مالك ابن أنس نموذج للعلاقة بين العالم والحاكم

بقلم / هشام النجار

- أما هو فإمام دار الهجرة ، وأحد أعلام هذه الأمة المشهورين ، بذل رحمه الله كل شيء في سبيل طلب العلم ؛ قال ابن القاسم : " أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته ، فباع خشبه ثم مالت عليه الدنيا بعد " .

- يصفه الإمام أبو حنيفة قائلا : " انه أشقر أزرق " ، وكان رحمه الله حسن الصورة ، طويلا جسيما ، شديد الهيبة ، عاقلا حكيما ، أنعم الله عليه بالذكاء الحاد وبعد النظر والفطنة ، يقول عنه ابن مهدي : " ما رأت عيناي أحدا أهيب من هيبة مالك ولا أتم عقلا ولا أشد تقوى ولا أوفر دماغا من مالك "

- أما عن مكانته العلمية ؛ فقد أجمع العلماء وأئمة الدين على أنه يأتي في المقدمة ، وعلى أنه قدم خدمات جليلة في حفظ العلم من الضياع ؛ يقول ابن حجر عن كتابه الموطأ : " ويستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي ، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ " ، ويقول عنه الشافعي : " ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابا من كتاب مالك " ، ويقول الشافعي أيضا – وهو أحد تلامذته - : " لولا مالك وسفيان ابن عيينة لذهب علم الحجاز " .

- وعن حفظه وروايته ورسوخ قدمه في العلم قال الشافعي رحمه الله : " إذا ذكر العلماء فمالك النجم " ، وقال أيضا : " جعلت مالكا حجة فيما بيني وبين الله " ، وقال يحيى بن سعيد القطان : كان مالك إماماً في الحديث " ، وقال عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : " مالك سيد من سادات أهل العلم ، وهو إمام في الحديث والفقه ، ومن مثل مالك متبع لآثار من مضى مع عقل وأدب ؟ " ، وقال عبد الله ابن المبارك : " لو قيل لي اختر للأمة إماما ً لاخترت لها مالكا " .

- وعن حرصه وأمانته وورعه وتحريه ودقته ، يقول ابن عيينة : " رحم الله مالكا ما كان أشد انتقاده للرجال والعلماء " ، وقال الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله : " قال مالك : ما جالست سفيها قط " .

- وللإمام مالك ابن أنس تجربة ثرية مع السلطة الحاكمة في عصره ، أرى من الأهمية أن نتعرف عليها ونتعلم منها ؛ فلقد آثر إمامنا الفاضل رحمه الله قبل كل شيء مصلحة وطنه وأمته ، مع رؤية حكيمة وعميقة للواقع وللظروف التي كانت تمر بها الأمة في عصره ، مستفيدا من تجارب السابقين ، مستخدما ما آتاه الله من حكمة وما وهبه من عقل .

- لم يكن الإمام مالك مداهنا يوما لحاكم أو أمير ، بل كان رحمه الله يبلغ علمه ولا يكتمه ، وان كان ذلك على غير هوى السلطة الحاكمة ، وان خالفت رؤيته وفتاواه سياسة الدولة ؛ ومثال على ذلك أنه كان غير راض عن ظلم الخلفاء العباسيين واغتصابهم السلطة وأخذهم البيعة بالإكراه ، فقد سأل مالك رجلا أندلسيا ذات مرة عن سيرة عبد الرحمن الداخل ، فأجاب الأندلسي : انه يأكل خبز الشعير ويلبس الصوف ، ويجاهد في سبيل الله ، فقال مالك : ليت أن الله زين حرمنا بمثله ، فنقم العباسيون عليه .

- وقال ابن عبد البر : ذكر الإمام أحمد بن حنبل أن مالكا كان لا يجيز طلاق المكره ، فضرب في ذلك ، يقول ابن خلدون في المقدمة : " .. ولهذا لما أفتى مالك بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاة عليه ، ورأوها قادحة في يمين البيعة ، ووقع في محنة الإمام " .

- وعن هذه المحنة يقول ابن عبد البر : " لما دعي مالك وسمع منه وقبل قوله شنف الناس له وحسدوه ونعتوه بكل شئ ، فلما ولى جعفر بن سليمان على المدينة ، سعوا به إليه ، وكثروا عليه عنده ، وقالوا : لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشئ ، وهو يأخذ بحديث في طلاق المكره أنه لا يجوز ، ويحدث بحديث ( وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ، فغضب والى المدينة ، وقد كان ذلك في عهد الخليفة أبى جعفر المنصور ، فدعي مالك وحده وضربه بالسياط ومدت يداه حتى انخلع كتفاه وارتكب منه أمرا عظيما " .

- يقول ابن خلكان عن واقعة ضرب الإمام مالك : " فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة ، وكأنما كانت السياط حليا حلى به " ، ويقول ابن الجوزى – كما في شذور العقود - : " وفيها – أي في سنة سبع وأربعين ومائة – ضرب مالك بن أنس سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان " .

- رغم هذه السابقة ، ورغم الإيذاء البدني الذي وصل إلى سبعين ضربة بالسوط على جسد الإمام ، إلا أن ذلك لم يدعه إلى التحريض على السلطة الحاكمة والخروج عليها ، فكانت رؤية الإمام مالك هي عدم الخروج على من تغلب من الأئمة ، وكان يرى أن المفسدة في ظلم أولى الأمر إذا رافقه استقرار سياسي واستتباب للأمن أخف وأهون من المفسدة التي تقترن بالعنف والخروج والثورة ، وما يصاحب ذلك وما يعقبه من قتل ودماء ومطاردات وصراعات وتضييق وفوضى وعدم استقرار .

- والإمام مالك لم يؤيد خروج محمد النفس الزكية في المدينة المنورة على أبى جعفر المنصور سنة مائة وخمس وأربعين ، ولزم بيته ولم يؤيد الخارجين ولم يدعمهم برأيه ، كذلك لم يؤيد خروج إبراهيم أخو محمد النفس الزكية في البصرة في نفس السنة ، وكان مستند الإمام مالك في عدم الخروج على الحاكم المتغلب بالقوة هو رجحان المفسدة في الخروج ، وأن الثورة والخروج على الحكام - وان ظلموا وأجبروا الناس على البيعة وأكرهوهم على الطاعة – يفرق شمل الأمة وينشر الفوضى .

- ولقد حدث بالفعل ما حذر منه الإمام مالك ؛ فبعد خروج محمد النفس الزكية حاصر عيسى بن موسى – وهو قائد جيش أبى جعفر المنصور – المدينة ، واستبيحت مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقتل العباسيون أبناء المهاجرين والأنصار ، واضطهد آل على بن أبى طالب – رضي الله عنه – وقيدوا وجلبوا إلى العراق ، وقضى على الخارجين والثائرين ، وقتل محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم رحمهما الله تعالى .

- والإمام مالك لا يرى بأسا من قتال العدو تحت راية الحاكم الظالم والمتغلب بالقوة ؛ يقول في المدونة الكبرى : " لو ترك هذا لكان ضررا على أهل الإسلام " .

- لم يقف الإمام مالك رحمه الله موقف الخصيم المعادى للسلطة الحاكمة ؛ فهو رغم كل ما حدث معه من قبل والى المدينة ، ورغم ما قد يشاع بين الناس أنه يغشى السلاطين ويجالسهم ويكثر من الدخول عليهم ، إلا أنه ألغى مصلحته الشخصية وآثر مصلحة أمته في مناصحة الأمراء وبذل المشورة لهم ؛ قال له أحد تلامذته يوما : " إن الناس يستكثرون أنك تدخل على الأمراء ، فقال : إن ذلك بالحمل على نفسي وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغي "  .

- إذن الإمام لا يريد ترك المجال وتهيئة المناخ للجهال والفساق ، ويعمل على عدم احتكار أهل الفساد للشورى لدى الأمراء .

- ومن أمثلة نصحه للحكام وحثه إياهم على مصالح المسلمين ما قاله عتيق بن يعقوب : " كان مالك إذا دخل على الوالي وعظه وحثه على مصالح المسلمين ، ولقد دخل يوما على هارون الرشيد فحثه على مصالح المسلمين وقال له : لقد بلغني أن عمر بن الخطاب كان في فضله وقدمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور ، يخرج الدخان من لحيته وقد رضي الناس منكم بدون هذا ، ودخل عليه مرة وبين يديه شطرنج منصوب وهو ينظر فيه ، فوقف مالك ولم يجلس ، وقال : أحق هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، قال : فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ فرفع هارون رجله وقال: لا ينصب بين يدي بعد " .

- وقال الحنينى : " سمعت مالكا يحلف بالله : ما دخلت على أحد من السلاطين إلا أذهب الله هيبته من قلبي حتى أقول له الحق " .

- وفى إطار هذه العلاقة المتوازنة التي أقامها الإمام مالك مع السلطة الحاكمة ، والتي كان يسعى من خلالها لتحقيق مصالح الأمة ، شارك الإمام في هذه السلطة ، وقبل تولى منصب الإفتاء فيها ، فأمر أبو جعفر أن ينادى : " ألا يفتى في المدينة إلا مالك ابن أنس وابن أبى ذئب " .

- بل استحدث له أبو جعفر المنصور – بعد اعتذاره له عما حدث في المحنة وبعد أن أخبره أن من فعل ذلك نال أشد العقاب – استحدث له منصبا جديدا ، يكون مالك  بمقتضاه الرجل الثاني في الخلافة ؛ فهذا المنصب الهام يخوله محاسبة جميع ولاة الحجاز وقضاتها .

- هكذا حظي هذا العالم الجليل بمنصبين في غاية الأهمية في الدولة ، وحظي قبل ذلك باحترام الجميع وعلى رأسهم الخليفة – وهو رأس السلطة الحاكمة – الذي كان يبالغ في توقير واحترام ذلك العالم الجليل المهيب ؛ فلا يكاد يراه حتى يناديه : " إلى هاهنا يا أبا عبد الله ، أنت حقيق بكل خير وإكرام " .

- من المواقف الرائعة لهذا الإمام الجليل ، والتي تدل على عظيم قدره وعلو شأنه وترفعه على هوى نفسه ؛ عندما جاء الناس يبشرونه بأن أبا جعفر المنصور قد نال من جعفر بن سليمان والى المدينة ، الذي ضربه وآذاه في محنته ، فقال مالك : " سبحان الله أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به ، فانا نخشى من عقوبة الله أكثر من هذا ونرجو من عفو الله أكثر من هذا ، وقد ضرب فيه محمد بن المنكدر وربيعة وابن المسيب ، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر ، وإني والله تخوفت أن أموت يوم المحنة فألقى النبي – صلى الله عليه وسلم – فاستحى منه أن يدخل بعض آله النار بسببي ، وقد أشهدت الناس بعد إفاقتي أنى جعلت ضاربي في حل " .

- وهذا موقف آخر يدل على تجرد الإمام مالك رحمه الله وإخلاصه وصدقه وتقديمه مصلحة دينه وأمته على أي مصلحة أخرى ؛ فقد طلب منه الخليفة أبو جعفر المنصور أن يجمع الناس على علم واحد ، فقال الإمام مالك : " يا أمير المؤمنين ، إن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تفرقوا في البلاد ، فأفتى كل في مصره بما رآه ،إن لأهل هذه البلاد قولا ولأهل المدينة قولا " ، فقال أبو جعفر : " يضرب عليه عامتهم بالسيف ، وتقطع عليه ظهورهم بالسياط " ، فقال مالك : " يا أمير المؤمنين لا تفعل ؛ فان الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث وروايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودالوا له من اختلاف أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وغيرهم ، وان ردهم عما اعتقدوا شديد ، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم " .

- رحم الله مالكا ؛ فقد كان فقيها مجتهدا تقيا ورعا مخلصا لدينه ودعوته ، مقدما مصلحة أمته على غيرها وان كانت مصلحته الشخصية .

- وفى وفاته يقول بكر بن سليمان الصواف : " دخلنا على مالك ابن أنس في العشية التي قبض فيها ، فقلنا له : يا أبا عبد الله كيف تجدك ؟ قال : ما أدرى كيف أقول لكم ، إلا أنكم ستعاينون غدا من عفو الله ما لم يكن في حساب ، ثم ما برحنا حتى أغمضناه رحمه الله "

 -وقيل : انه تشهد ثم قال : لله الأمر من قبل ومن بعد .

 

المصادر

- تزيين الممالك بمناقب الإمام مالك                             جلال الدين السيوطي

- تذكرة الحفاظ                                                        الذهبي

- صفة الصفوة                                                       ابن الجوزى

- حلية الأولياء                                                      أبو نعيم الأصبهانى

- مالك.. حياته، عصره، آراؤه وفقهه                        محمد أبو زهرة

- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب           إبراهيم بن فرحون

 

بقلم/ هشام النجار

 



عودة الى الذين سبقونا

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._