|
الشيخ الغزالي في مواجهة العلمانية: (من هنا نعلم) 
بقلم أ.هشام النجار..
هذه معركة جديدة من معارك الشيخ الغزالي الكثيرة, ولكنها أكثرها عنفا وحدة, خاضها شيخنا رحمه الله بشرف العالم وكبرياء الداعية إلى الله، واثقا ومتيقنا في نصر الله تبارك وتعالى له.
يقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه: (الغزالي كما عرفته):
"ولعل أبرز المعارك التي خاضها الشيخ وأطولها نفسا وأشرسها هجوما, هي معركته مع العلمانية اللادينية التي تعارض حاكمية الله لخلقه وسيادة الشريعة على الناس وتعزل الدين عن الحياة وعن المجتمع وتحارب الذين يدعون إلى الإسلام الشامل وتعدهم دعاة الرجعية وأعداء التطور".
وسوف نعرض لهذه المواجهة الشرسة بين الشيخ الغزالي ودعاة العلمانية على ثلاثة حلقات لأهميتها, وسوف نتتبع الشيخ في حواراته ومناظراته الشهيرة مع عتاة العلمانيين لنرى كيف كان ينازلهم, وكيف كان رحمه الله يرد ضرباتهم وطعناتهم المسمومة, وكيف وجه إليهم ضرباته القاتلة التي فضحتهم وعرتهم, وكشفت زيف دعوتهم أمام الجماهير الغفيرة التي كانت تتابع هذه المناظرات بشغف واهتمام بالغ.
والسؤال الآن: لماذا بدأ الشيخ النزال هادئا رفيقا ثم ما لبث أن تخلى عن هدوئه ورفقه وأخذ يعالج خصومه بكل ما لديه من قوة وبكل ما يمتلكه من أدوات وإمكانيات؟, لدرجة أنه قال في بعض من واجهوه منهم: " لماذا لا نسمي هؤلاء بأسمائهم الحقيقية؟ والاسم الحقيقي لهؤلاء: المرتدون!!, فهؤلاء قد مرقوا من الدين مروق السهم من الرمية, ولم يعد في قلوبهم توقير لله تعالى ولا تعظيم لكتابه ولا احترام لرسوله ولا انقياد لشريعته؟ ".
ويتساءل الشيخ:
" لماذا يحرصون على أن يحتفظوا باسم الإسلام وأن يظلوا محسوبين على المسلمين, والإسلام منهم براء, وهؤلاء الذين ينطبق عليهم قول المثقب العبدي:
فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني عدوا أتقيك وتتقيني
هكذا انتهى الشيخ مع بعض دعاة العلمانية الغلاة.
فلماذا بدأ المعركة هادئا رفيقا في كتابه الجميل (من هنا نعلم)؟, ولماذا لم يستخدم هذا الأسلوب الشديد القاسي الذي استخدمه فيما بعد مع رموز من نفس الفكر؟.
والإجابة عن هذا السؤال نجدها عند فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله؛ حيث قال:
"ولكن الشيخ كان رفيقا بالأستاذ خالد, وكان حسن الظن به, وقد صدقت الأيام ظنه وعاد خالد يدعو إلى الإسلام عقيدة وشريعة دينا ودولة ".
هذا هو ما حدث بالفعل, وما حدث دليل وبرهان عملي على عبقرية الإمام الغزالي, وقدرته على قراءة الأفكار والتمييز بين الخصوم, ومخاطبة كل فريق بما يستحق.
وهنا درس عظيم ينبغي أن نتعلمه من تاريخ علمائنا ودعاتنا الكبار.
فلابد وأن تكون لنا نظرة في الشخص الذي نحاوره, ولابد وأن نميز ونتعامل مع الخصوم بطرق وأساليب مختلفة ومتفاوتة من حيث الشدة والرفق بحسب قرب هذا الخصم أو بعده من أفكارنا وعقائدنا, وبقدر رفقه أو حدته وشدته في الهجوم على ثوابتنا.
وما سطره الشيخ الغزالي رحمه الله في كتابه (من هنا نعلم) ردا على كتاب الأستاذ خالد محمد خالد (من هنا نبدأ) يختلف تماما عن أسلوبه في مواجهة عتاة العلمانيين أمثال محمد سعيد العشماوي ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة وفؤاد زكريا ومحمد خلف الله وسلامة موسى وغيرهم.
فقد لمس الشيخ في هؤلاء العداوة الشديدة للإسلام وشريعته, ووجد أنهم أعلنوا بغضهم الشديد لحكم الله عز وجل وحرضوا المسلمين على النفور من الشريعة.
فكان الشيخ الغزالي رحمة الله عليهم - كما يقول العلامة القرضاوي -:
" كأنما هو شعلة من نار, نار تكوى وتحرق ولا يخبو لها لهيب ".
وفي هذه الحلقة الأولى من حلقات المواجهة بين الغزالي والعلمانيين سنقتطف من بستان كتابه القيم الذي رد به على الأستاذ خالد محمد خالد, وهو كتاب أعتبره مرجعا هاما للدعاة في كيفية الرد على شبهات العلمانيين بالعقل والمنطق قبل النص والدليل الشرعي من الكتاب والسنة.
وسنلاحظ فيه الأدب الجم والرفق الذي كان يتحدث به الشيخ وهو يخاطب صديقه وزميله أثناء الرد عليه على صفحات كتابه, وسنلاحظ أيضا الأسلوب العذب السلس والحجة الواضحة والبرهان الناصع والبيان القوي والجدل المنطقي المقنع الذي كان يتمتع به الشيخ الغزالي رحمه الله, وهو من ضمن مواهب شيخنا التي ميزته عن كثير من أبناء جيله.
إرساء وتمكين العلمانية في بلاد الإسلام هو جزء من العداوة التقليدية التي تكنها أوربا للإسلام وأهله, هذا هو ما قرره الغزالي في بداية كتابه يقول رحمه الله:
" إن حرمان الإسلام من حقه المقرر في الحكم واعتباره دينا معزولا عن الدولة هو جزء من العداوة التقليدية التي تكنها أوربا للإسلام وأهله, وهى ترمى من وراء ذلك إلى القضاء على الإسلام بعد أن تفلح في القضاء عليه نظاما مرعيا".
والنزعة الصليبية هي التي أوحت بإبقاء التشريع الوضعي وإحباط كل محاولة لإحياء التشريعات السماوية التي نص القرآن على ضرورة تطبيقها " ( من هنا نعلم صفحة 18 ).
ويرى الغزالي ذلك مخططا ومؤامرة لتجريد المسلمين من أعتى أسلحتهم وأهمها في مواجهة أعدائهم, يقول:
" يراد بالإسلام وحده أن يحرم من أسباب السلطان وأن يعيش فلسفة روحية مجردة, في الوقت الذي تتسلح فيه اليهودية وتتسلح فيه المسيحية وتسخران دول العالم ضدنا ".
أفهذا ما يريده الأستاذ خالد وغيره من دعاة فصل الدين عن الدولة؟.
ولاشك أن الاستعمار أفلح في خلق جيل من المسلمين يعينون على أنفسهم ويحاولون – مع أعداء الإسلام – أن يقضوا على دينهم.
ويوجد الآن للأسف الشديد جمهور من المثقفين يعتقدون أن الإسلام دين لا دولة " ( صفحة 19 ).
من يحمى الدين إذا لم تكن له دولة؟.
هذا سؤال وجهه الغزالي لخالد الذي أراد أن يحصر الإسلام في ميدان العبادات والروحانيات وفقط يقول رحمه الله:
"إن الحكم من الناحية العلمية إن لم يكن شطر الإسلام فهو شرط بقائه, ومن الناحية الواقعية نستطيع الجزم بأن الحكومات التي لا إسلام لها ليست إلا امتدادا لشهوات الاستعلاء والشبع واحتقار الأديان جملة وإهمال أوامرها تفصيلا".
فما يقوله الأستاذ خالد من أن الدين ليس إلا علامات تنصب أول الطريق لترشد المارة إلى اتجاهاته المختلفة وأنه – لذلك – لا علاقة له بالسلطات, هذا كلام خيالي يشبه الشعر الحالم؛ فالطريق مليئة بالقطاع, والدين إن لم يسر فيها قافلة منظمة مسلحة, يوشك أن تتخطفه الشياطين من هنا ومن هناك.. (من هنا نعلم صفحة 32)
ويقول في نفس المعنى - صفحة 47 من الكتاب - :
"أما أن الدين فقط كعلامات المرور, فلا حاجة به إلى الحكم, فكلام يفنده الواقع؛ فلو أن علامات المرور لم تساندها قوة تنفيذية لما أبه لها الكثيرون, ومن ثم وقف الجندي وهو شارة الحكم إلى جوارها, ومن ثم وضعت اللوائح والقوانين وأقيمت محاكم المرور لتتبع المخالفات المتوقعة من الطائشين والمتهورين" .
وهذه شبهة انتشرت وترددت كثيرا على ألسنة العلمانيين، لنر معا كيف رد عليها شيخنا رحمه الله: "ليس أدهى من هذا الكلام في فصل الدين عن الدولة إلا قول الأستاذ خالد بعدئذ : إن الدولة عرضة للنقد والتجريح وعرضه للسقوط والهزائم والاستعمار, فكيف نعرض الدين لهذه المهانة؟, أي أن تكاليف الحياة ثقيلة ومحرجاتها جمة, فخير لمن نحنو عليه أن نحكم عليه بالموت حتى لا يواجه هذه الآلام التي لا تخلو منها الحياة!".
فلنبعد الدين إذن عن الدولة حتى لا تهب عليه تلك الزعازع!.
إن الحكومة عرضة للنقد والتجريح، فهل كونها دينية يجعل التهجم عليها تهجما على الدين نفسه؟, من قال ذلك؟, ومن الذي يزعم أن تصرفات الحكام الدينيين جزء من دين الله يعتبر نقده أو رده امتهانا للدين وكفرانا به؟.
والدولة عرضة للانتصار والانحدار فإذا تأسست على الدين فأي ضير على الدين أن يكون في حال النصر زماما يمنع المنتصر من الطغيان, وفى حال الهزيمة حافزا يغرى بالمقاومة ويدفع الشعوب إلى رد العدوان؟, ولنفرض أن حكومة دينية محضا سقطت أمام أعدائها, فهل ينقلب الحق باطلا لأنه أنخذل في معركة ؟!.
أي عار على الدين إذا لحقته الهزيمة على يد الدولة التي تنافح عنه؟, وقديما هزم الدين وقتل في هزيمته صديقون وأنبياء: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ), (آل عمران 146), ( من هنا نعلم صفحة 49) .
وهذه شبهة أخرى مشهورة في الأوساط العلمانية أوردها خالد فى كتابه ورد عليها الغزالي بقوله: "والغريب عنده أن الإسلام يحمل أوزار المدجلين باسمه ويبوء بإثمها".
أما ما فعلته انجلترا بفلسطين، وايطاليا بطرابلس وفرنسا بسورية ولبنان, وروسيا بالمسلمين, وألمانيا باليهود, وأمريكا بالزنوج, فهذه كلها أمور لا تشين الحضارة الحديثة ولا تشوه وجهها الصبوح فأي منطق هذا ؟, ( صفحة 53).
وردا على العلمانيين الذي يقولون بتنزيه مقام النبوة على مباشرة أعمال الملوك والحكام يقول الغزالي ردا على صديقه خالد:
"وأما أن الحكم لا يليق بمقام النبوة وقيام الرسول صلى الله عليه وسلم بأعمال الحكام ما يمس منزلته, فهذا أمر يرجع إلى تصورنا للحكم وأسلوب الوصول إليه وطريقة التصرف فيه".
" فالرسول صلى الله عليه وسلم, بل من دون الرسول من عباد الله الصالحين منزهون عن السعي إلى الحكم يوم يكون الحكم سلما للمنافع الحرام, وذريعة للعلو في الأرض والفساد, ويظهر أن الأستاذ خالد لا يعرف الحكم إلا من طراز باشوات الشرق الذين يتولون الحكم مهزولين ثم يخرجون منه منتفخين " (صفحة 68).
وفى ختام هذه الحلقة, نقتطف من نهاية الكتاب هذا التقرير الجامع, حيث يقول رحمه الله ردا على ما أثاره الأستاذ خالد, وهو نفسه ما يثيره العلمانيون اليوم:
" إننا نحب وطننا، فتلك غريزة الحيوان قبل الإنسان, ولكننا لا نبيع ديننا بملك المشرق والمغرب, ديننا هذا الذي نفتديه بكل ما نحب له سياسة تشريعية معينة, وسياسة اقتصادية معينة وسياسة عالمية معينة, وله في البيت والأسرة والشارع سياسة اجتماعية معينة".
ومن السفالة أن يطالبنا مخلوق بتعطيل هذه التعليمات جميعا باسم القومية أو الشيوعية أو الديمقراطية أو أي اسم آخر لا نعرفه؛ لأن معنى ذلك أنه يطالبنا بالارتداد والكفر.
(والإسلامية) التي نؤمن بها ونعمل لها ترفع شأن الوطن وتضمن لكل فرد يعيش تحت سمائه حياة زاخرة بالبر والعدالة والمساواة, وان اختلفت الملل وتباينت النحل.
ثم إن حالة الشرق الآن, وحاجة العرب بالذات أكثر تطلبا لإقامة النهضة على أساس إسلامي، وبخاصة بعد الكوارث المتلاحقة التي أصابت البلاد والعباد في كل ميدان.
"ومادام الإسلام يعطى أبناء الديانات الأخرى ما لأبنائه من حقوق, ويفرض عليهم ما على أبنائه من واجبات, ولا يتعرض لعقائدهم التي آثروها برد ولا نقد, فان ما يسمى (مشكلة الأقليات) ليس إلا مكرا استعماريا خبيثا, يراد به الكيد للمسلمين خاصة وتسويغ الجور عليهم واحتلال بلادهم" ( من هنا نعلم صفحة 112 ) .
كتاب ( من هنا نعلم ) هو جولة الشيخ الغزالي الأولى في مواجهة العلمانية, وهو كتاب رائع لا غنى لأبناء الحركة الإسلامية عنه, فهو يفند شبهات العلمانيين المعروفة ويدحضها، ويرد عليها بالمنطق والعقل والحجة القوية والبرهان الناصع.
وفى الحلقات القادمة بإذن الله سنعرض لمناظرات الشيخ الغزالي مع أساطين العلمانية المعروفين في مصر، وسنتابع معا كيف واجههم الشيخ أمام الجماهير الغفيرة، وكيف دافع عن الإسلام ورد هجوم خصومه عليه, ثم كيف انتصر عليهم بلسانه وقلمه وبيانه.
عودة الى الذين سبقونا
|