الجمعة 23 ذو القعدة 1429     21 نوفمبر 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلمركز دراسات بريطانى يقول ان سلمان رشدى والكثير من زملائه المتحررين , يتعرضون لضغوط
خبر وتعليق

انهيار الحوار الفلسطينى فى القاهرة مسئولية
حركة حماس
حركة فتح
كل الاطراف
اقتراعات سابقة

حارة الغجر

بقلم: أبو بكر عثمان

بعد خمسة عشر عاما من الاعتقال أفرج عني، رأيت كل شيء تغير والمحزن المفجع لي هو تغير الناس أيضا، تآكلت كثير من القيم والمبادئ والأخلاق والأصول والثوابت وما كنا ننظر إليه في جيلنا على أنه من بديهيات المعاملة والمخالقة لم يعد كذلك وبات محل شك.

تبين لي أني أسبح في نهر خلاف الذي كنت أسبح فيها بالأمس البعيد، صديق العمر الذي ذهبت أسترشد به قال لي:

-  لقد مرت بالنهر في غيابك مياه كثيرة اجتمع على الناس الفقر والفساد، الفساد بشتى صنوفه، فضعفت القيم وتآكلت الأخلاق وغُيب الدعاة والمربون، هب أن الوباء غزى البلاد ومنع الأطباء من علاج الناس فكيف يكون المصير؟!، لم يترك لنا حيلة أو اختيار لنفع قومنا وإنقاذهم، صمت قليلا ثم قال:

-  أتعرف أبا أيوب، جاء من أحد الدول الشقيقة مجموعة من المهاجرين استوطنوا إحدى الحارات في حينا كانوا يعملون بالحدادة، تعب أحدهم من الضرب على الحديد واختار أن يضرب على الطبلة لزوجته الذي اختار لها أن تعمل راقصة، أتعرف ماذا فعل بقية سكان الحارة؟!.

-   بالطبع أنكروا عليه وقاطعوه وربما طردوه من الحارة.

-   كلا.. بل نسجوا على منواله وخطوا على خطاه فأمست الحارة بأكملها حارة الراقصات لا حارة الحدادين، وأطلق الناس عليها حارة الغجر.

أصابني الهم والحزن والفزع على بني وطني، كيف تتواطأ حارة بأكملها - وكانت بالأمس شريفة -  على الخزي والخبث تتحول من العمل الشريف إلى العمل الدنيء المشين.

عزمت أن أمكث شهورا أشاهد وأرصد وأراقب المحيط قبل أن أحدد منهج التعامل وأنسج شبكة من العلاقات، كان أول همي البحث عن أي عمل أقتات منه بعد أن أنفق والدي كل ما لديهم علي خلال سنين الاعتقال الطويلة، ظللت أشهرا ابحث عن عمل دون طائل، الشهادة الجامعية التي حصلت عليها من قبل هي الآن لا تساوي جناح بعوضة فلم يعد العصر عصر الشهادات الجامعية مهما بلغت قيمتها، هيمنت اليوم قيمة المال والنفوذ ليتقدم بها من يتقدم ويتأخر بدونها من يتأخر، خرجت من الاعتقال طويل لا أملك أي خبرة في الحياة أو حرفة وأكلت سنوات الاعتقال شبابي وصحتي، كما أن غول البطالة جثم بكلكله على عموم الوطن، فضلا عن كل ذلك أنه كلما تقدمت للعمل عند أحدهم وعلم أني كنت معتقلا سياسيا دارت عيناه من الفزع ونظر إلي كالذي يغشاه الموت.

وجاء الفرج من حيث لا أحتسب أرسل إلي صديق الدراسة للعمل عنده في مجمعه للسلع الغذائية، عزمت على أن أعطي غاية جهدي وكامل وسعي للعمل.. فأنا دائما أضع حدودا واضحة بين الصداقة وبين العمل، لكن ما عكر صفوي لوحة صدئة قديمة يملأها الغبار معلقة على الحارة المقابلة لمكان عملي كتب عليها: (حارة الغجر).

إذا فهذه هي حارة الغجر!!

آه لو كان بي القوة لأحمي هذا الوطن من شر هذه الحارة، فالعضو الفاسد إن لم يُطبب أو يبتر سرى فساده إلى عموم الوطن، فجمد في مكانه لا يتقدم، وكيف يشفى العليل والطبيب ممنوع والدواء محظور؟!، لك الله يا وطني.

رأيت صديقي الذي أعمل عنده يتردد كثيرا على الحارة، فاستحييت أن أكلمه ثم جاءت الطامة، لما علمت أن أخته متزوجة من أحد شباب الحارة، تعسر على عقلي أن يهضم الأمر، كيف ولماذا؟!، هذا البيت الصالح يزوجون ابنتهم في حارة الغجر، وهل يا ترى ابنتهم تعمل راقصة، إنه شيء يذهب العقل.

عزمت أن تكون صلتي بصديقي القديم صاحب العمل محدودة إلى أن أعثر على عمل آخر فاقطع ما بيني وبينه، وكنت أتعامل مع زبائن المحل من هذه الحارة بضيق وجفاء، والغريب في الأمر أنهم كانوا من أحسن الناس خلقا ومعاملة، بل أن أكثرهم يطلق لحيته وتجد نسائهم ما بين منتقبات أو ترتدي الحجاب، ونادرا ما تجد فيهم التبرج، يحافظ رجالهم وصبيانهم على الصلاة بالمسجد، ولكن إذا تقدم أحدهم لإمامة الصلاة كنت لا أصلي خلفه، بل أذهب إلى المسجد البعيد، وللعجب العجاب كانوا يجتمعون على صيام الاثنين والخميس ويفطرون بالمسجد.

ظللت مؤرقا في نومي حائرا مشتت الفكر، كيف يستقيم الظل والعود أعوج، كيف لحارة الغجر أن تكون نسائهم منتقبات ويحافظن على الصلاة بالمسجد وأخلاق صبيانهم على أحسن ما يكون لابد أن في الأمر خطأ ما، استحييت أن أسأل صديق الطفولة وخاصة أن أخته تسكن الحارة.

في صباح اليوم التالي سمعت ضجة بالحارة قيل لي أنه يوم النظافة عجبت أي نظافة؟!، قالوا: إن الحارة تحدد يوما كل شهر لنظافة الحارة يشارك في ذلك الرجال والصبيان.

تبسمت في سخرية، حارة الراقصات تهتم للنظافة ألا يبادرون بالأولى إلى تنظيف أنفسهم من الخبث والدناءة مالهؤلاء يجمعون المتناقضات.

احتشد الصبيان ينظفون مدخل حارتهم في مرح ونشاط، وطفق احدهم يغسل اللوحة المعدنية المعلقة على باب الحارة والتي غطاها التراب، وما أن تم غسلها حتى هببت على الفور من مقعدي ومشيت نحو اللوحة أعيد قرأتها من جديد.

وياللمفاجأة المزلزلة لقد أخطأت من قبل في قراءة اسم الحارة فقد كان الغبار يغطي جزء من حرف الفاء فقرأتها حارة الغجر بدلا من حارة الفجر، إذا فهي حارة الفجر، امتلأت بالسعادة والبهجة وسألت الصبي:

-   هل هذه حارة الفجر؟.

-   نعم هي.. ألا تقرأ اللوحة أمامك؟.

غمرني الخجل والندم على العجلة وتفريطي في تبين الأمر، اشتريت علبة من الحلوى وشرعت اعطي كل من يقابلني من سكان الحارة المنشغلين بالنظافة وهم ينظرون إلي في مودة ودهشة ثم انتزعت مكنسة من أحدهم وجعلت أشاركهم في تنظيف الحارة.

سألت أحدهم:

-   أين تكون حارة الغجر؟.

-   نظر إلي مبتسما في خجل وقال:

-   أعاذنا الله وعافانا فهي هناك في آخر الشارع الموازي.


الإسمعصام عز
عنوان التعليقرائع
أسلوب رائع وشيق وجميل يتحفنا به الشيخ أبوبكر في كل قصة من قصصه؛ يبث من خلاله معان تربوية في غاية الأهمية بلا تكلف ولا تعقيد .. وفي انتظار المزيد من هذه الدرر يا مولانا

الإسمأبو عبد الرحمن
عنوان التعليقأرجو قراءة قصة قراصنة البحر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو من الشيخ أبو بكر عثمان أن يعيد كتابة قصة قراصنة البحر والتي تتكلم عن موت زوج وسط أهله . وجزاكم الله خيراً


عودة الى قصة قصيرة

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._