ويلك آمن بقلم /هشام النجار
لم أكن أدري ما الذي يخبئه لي القدر عندما دعتني صديقتي ورفيقة عمري لزيارتها بعد زواجها.. كانت الزيارة الأولى والأخيرة.. اختفيت بعدها عن الأنظار.. وغيرت رقم هاتفي المحمول وطلبت من والدتي إعفائي من أي رد على التليفون الأرضي.
حنان هي أقرب صديقاتي إلى قلبي.. ولا أكون مبالغة إذا قلت: إنها أروع من قابلت من البشر.. لم نكن نفترق أيام الدراسة، وحتى بعد أن فرقنا التنسيق وأسكن كل واحدة منا جامعة مختلفة.. كان لا ينقضي نهار دون أن أراها.. كانت تشفق على من عناء المشوار وكنت أشفق عليها.. ولكن كان لقاؤنا ضروريا.. كان استجابة لأوامر عليا.. وتحقيقا لرغبات خفية لاإرادية محلها القلب.. وكانت لنا جملة دائما نرددها إذا سألت إحدانا الأخرى: لماذا أتيت اليوم.. لماذا لم تؤجلي الزيارة إلى الغد.. وكانت الإجابة المعدة الجاهزة هي: ومن يستطيع الاستغناء عن خبزه اليومي؟
حنان جميلة.. أنظر إليها وأسبح الخالق.. تمتلك روحا نادرة الوجود.. فهي ودودة متسامحة قنوعة لأبعد الحدود.. وكنت أصارحها بغيرتي منها، فكانت تغالط نفسها لتطمأننى ولتعيد إلى ثقتي بنفسي التي غالبا ما كانت تهتز أمام إمكانياتها.. فأنا جميلة.. ولكن حنان أجمل.. أنا لطيفة.. ولكن حنان أوتيت قبولا فطريا لا تكلف فيه ولا تصنع.. أنا ذكية.. ولكن ذكاء حنان ليس عاديا.. انه يضعها في مصاف العباقرة..
كانت علاقتي بها قبل زواجها تطير بجناحي الحب الجارف والصداقة الحميمة.. ولكنها كانت أحيانا تتعثر في سحب الغيرة.. ولكن غيرتي وقتها لم تخرج عن حدودها ولم تنقلب يوما حقدا أو حسدا إنما كانت غيرة طبيعية ايجابية وكثيرا ما كنا نستخدمها مادة للضحك والتنكيت..
كثيرا ما تحدثنا في خلواتنا عن فارس الأحلام.. كانت هي تراه شابا بسيطا مؤدبا رقيقا يقدرها كأنثى ويحترم كيانها ويراعى مشاعرها.. أما أنا فكنت أحلم برجل أعمال أو مليونير ينقلني بخطوة واحدة من عالم إلى عالم آخر.
كنت أحلم بزوج وسيارة وقصر وشاليه وحساب بالبنك ونزهات وسفريات.. وكانت حنان تسألني: وإذا تقدم إليك شاب خلوق متدين وليس مليونير ولا يمتلك سيارة ولا فيلا وليس عنده حساب بالبنك.. بماذا تردين؟ وإجابتي كانت: الثراء.. الثراء هو الشرط الأول وبعد ذلك أنظر إلى الأشياء الأخرى.. عندها كانت حنان تقترب من قلبي بوجهها الملائكي وتدق عليه بيدها دقات.. وتقول بصوت خفيض كأنها توشوشه: ويلك آمن.. ويلك آمن..
فأسألها: ماذا تقولين لقلبي؟ فتقول: لا شيء.. كنت أوصيه بأن يؤمن بنصيبه وبما قدره الله له.
زواجها كان سريعا.. حتى أنني فوجئت بها بعد التخرج مباشرة تتصل بي وتدعوني لحفلة الزفاف.. ولما أبديت غضبى منها: كيف لا تخبرني بأن هناك عريسا تقدم لها.. كيف تخفي عن أعز صديقاتها أمرا كهذا.. وكيف لا أعلم إلا قبيل موعد الزفاف كأن معرفتي بها طوال السنوات الماضية كانت عادية.. كأنني بالنسبة لها كأي شخص آخر توجه إليه الدعوة لحضور حفل الزفاف.. وعدتها بالحضور إلا أنني كنت قد عزمت على شيء آخر..
جاءني صوتها بعد شهر باكية تعاتبني بشدة على عدم حضور زفافها.. حددنا موعد الزيارة وذهبت.. وفي العنوان الذي أملته لي سألت عن المكان.. دلوني على فيلا فاخرة بحديقة غناء على مساحة ضخمة من الأرض.. دخلت مذهولة إلى عالم لم أعشه قبل ذلك إلا بخيالي وأحلامي..
أقبلت على بسمتها المبهر ووجهها الودود.. أمرت الخادمات بالانصراف.. أخذتني من يدي وصعدت بي إلى حجرتها.. أخبرتني بأن كل شيء تم بسرعة مذهلة لارتباط زوجها بأعمال بالخارج.. وأن الخطبة والزفاف لم يستغرقا أسبوعا.. بعدها سافرا ولم يعودا إلى مصر إلا أمس..
سامحتها عندما أخبرتني بما حدث.. ولكن شيئا ما وقر في قلبي جعلني أندم على هذه الزيارة.. جعلني أقول في نفسي: ليتنى ما أتيت لرؤية صديقتي ورفيقة عمري بعد زواجها.. فقد انقلبت غيرتي القديمة منها إلى شيء آخر بغيض لم تعتده نفسي.
ارتبكت عندما رأيتها في المدرسة تتلفت حولها.. وتسأل المدرسين والمدرسات كأنها تبحث عن شخص ما.. دمعت عيناي وأنا أتذكر أيامنا معا.. أشفقت عليها وعلى نفسي وأنا أحاول الهرب منها والابتعاد عنها..
توقفت بدون أن أدرى.. استدرت وجريت نحوها واحتويتها في حضني.. امتزجت دموعنا وانحدرت تغسل أدران الوحشة.
لم أستطع الإجابة عن أسئلتها.. فلو ذكرت لها حقيقة ما جرى لقلبي لأعادت النظر في استمرار علاقتنا.. ولقررت هي الهروب منى والابتعاد عنى..
ذهبنا إلى البيت.. أعدت لنا والدتي الشاي الذي نحبه.. فوجئت بها تقترب منى.. وتسألني عن حال قلبي!
حاولت الهرب من الإجابة وتغيير الموضوع إلا أنها أصرت.. هممت بالحديث.. ولكنها وضعت يدها على فمي برفق واحتوتني في حضنها.. وقالت: أنا أحس بك كأنك طفلتي الصغيرة.. وما أحمله لك في قلبي ليس فقط مشاعر صديقة لصديقتها.. ولكنه مشاعر وأحاسيس أم بابنتها..
سألتني: نحن ممن؟ قلت: من الله.. سألتني: ولمن؟ قلت: لله..
قالت: فمادمنا من الله ولله فليكن مسيرنا على مراده.. ولنؤدب قلوبنا إذا وجدنا فيها تبرما من قضائه..
حاولت الكلام.. ولكنها عاجلتني بالسؤال: هل تعلمين لماذا جئت إليك اليوم رغم محاولاتك للهروب منى والابتعاد عنى؟ قلت: لا.. قالت: لو علمت لما حاولت الهروب.. عندما جئت لزيارتي بعد الزواج رآك شقيق زوجي، وسألني عنك.. فأخبرته، أبدى رغبته في الارتباط بك وشجعته.. فماذا تقولين؟
تحركت يدي ودقت على قلبي دقات.. واقتربت منه أوشوشه: ويلك آمن.. ويلك آمن.
- تمت -
عودة الى قصة قصيرة
|