كابوس..
بقلم/حسين بسطاوي
أخيرا أغلق الباب.. انتهت جلبة النداءات و التمام و صيحات أفندم المرتعشة.. بين ألفاظ السباب المستحقة على السرعة.. أوشك القيد (الكلابش) أن يمزق يدي.. لم أجد إلا مكان وقوفي لأجلس فيه.
بالكاد حشرت نفسي بين كتل اللحم المحيطة بالشبرين اللذين ظفرت بهما.. فقدت الأمل في تنفس الهواء.
الجو خانق مشوب برائحة العرق المتعددة النكهات.. تتابعت الأصوات منبهة على عدم الوقوف أثناء سير السيارات حتى يفتح مجالا للهواء المتسلل عبر النوافذ الضيقة مزدوجة الأسلاك.. مرضى الصدر قد يموت احدهم مختنقا.
ترامت إلى مسامعنا أصوات غلق أبواب كابينة السيارة انطلقت (سارينة) سيارات الحراسة المكدسة بجنود مدججين بالسلاح تحركت السيارة (المترين في أربع أمتار).. استلقت رؤوس بعضنا إيحاءً بأن أصحابها سيستغرقون في النوم.. وسوس إليَّ شيطان خبيث حثني على حسدهم تعجبت من إخلاصه وعبثا حاولت ألا أحسدهم.
مسحت عيني أركان السيارة التي حال لونها الأزرق و تساقط طلائها تحت أيدي هواة الذكريات (حسن بشلة – سيد الموس – علي الربع).. انتزعت مني الأسماء ابتسامة مريضة زادت علتها.. و أنا انظر إلى الوجوه الشاحبة و العيون الذابلة و الأجساد الهزيلة المكبوسة في بذلات التيل الميري الخشنة المحشورة في ذلك الصندوق المظلم بنوافذه الساخرة من عقولنا التي تحاول أن تجد تبريرا لما يحدث.. المتحدية لحواسنا أن ترى من خلال قضبانها المتقاطعة شيئا أو تشم رائحة.
أربعون رجلا نسير إلى حيث لا ندري.. "ترى في أي صحراء يقبع السجن القادم".. "و بأي شيء سيختلف عن الفائت".. ما ظننت يوما أن اعتناق فكر يعد تهمة.
انبعثت أصوات مزعجة من جاري المستغرق في النوم.. تملكني خوف عليه هززته مرات.. أستيقظ و هو يلهث.. كما لو كان عائدا من سباق عدو.
- مالك؟؟؟
- رأيت حلما جميلا تحول إلى كابوس عجيب.
انبعث من أقصى السيارة صوت متهالك يطلب سماع الكابوس.
- رأيتني متزوجا من حسناء.. أسكن في بيت رائع فسيح حوله حديقة غناء أزهارها بهجة للناظرين.. ثمارها غذاء للجائعين.. أولادي حصلوا على تعليم راق.. توظفوا دون عناء.. لم أجد مشقة في علاجهم بأحدث المستشفيات دون مبالغ تذكر.. فجأة تحول البيت إلى دخان كثيف.. بدأ ينهار تتسرب سحائبه إلى صدري اختنقت.. حاولت طرد الدخان فشلت.
انبعث صوت يحمله تثاؤب.
- لقد رأيت هذا الكابوس مرات.. أكد المستيقظون أنهم كذلك رأوه أو جزء منه.
تحسست رأسي تمنيت فتحها و إفراغ ما فيها.. و سائق السيارة لا يرحمنا لا يعبأ بإنسانيتنا ولا بأعصابنا.. يميل بنا يمينا و فجأة ينحرف يسارا.. علت بنا السيارة.. هبطت بغتة كادت أن تندق أعناقنا.. أستيقظ النائمون مذعورين حدقوا في وجوهنا مستفهمين من صمتنا.. أدركوا انه (مطب صناعي) استاءوا.
همس في أذني صاحب الكابوس:
- متى يدرك هذا الرجل انه يحمل آدميين.
عاود الهمس ليذهب السائق إلى الجحيم.
عادت يدي تتحسس رأسي و صاحب الكابوس يغمض عينيه شارعا في النوم.. و صوته يزداد خفوتا.
كل سائق لا يحسن القيادة لا يستحق الحياة.
رجع الشيطان ينفث في صدري أن أحسده.. أهملته.. نظرت إلى رجلي الموشكتين على الانفصال عن جسدي من شدة الألم.. تمنيت مكانا امددهما فيه.. ماذا لو لم تكن لي رجلان ..أما كنت الآن مستريحا من هذا العناء.
هدأت سرعة السيارة.. تبادلنا نظرات حيرى تمل استفسارات شتى.. كلنا لا يملك إجابة عنها.
توقفت السيارة.. راودني أمل هزيل في انتهاء المأزق.. عبثت أيدي الحارث بالقفل.. فتح الباب.. نهضت متثاقلا.. عضلات جسمي كانت متيبسة.. أرسلت نظري في الصحراء الممتدة.
| الإسم | خالد مرعي |
| عنوان التعليق | أين بقية الكابوس |
| فين يا عم بقية الكابوس .. وبعدين يا اخواننا ابحثوا عن قصص تنسينا الكوابيس مش ترجعنا للكوابيس تاني الله يحفظنا وإياكم منها. |
| الإسم | صديق |
| عنوان التعليق | رائع |
| رغم ان الكوابيس مفزعة الا ان هذا الكابوس رائع ومعبر |
عودة الى قصة قصيرة
|