English الأحد 12 رجب 1430     5 يوليو 2009
البحث التفصيلي
التفاصيل" مسلسل هروب الأزواج من زوجاتهم "
خبر وتعليق
    مئات المسلمين فى دريسدن الألمانية يحتجون على مقتل سيدة مصرية محجبة واصابة زوجها بعيار نارى         الاتحاد الافريقى يقرر وقف التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية بشأن مذكرة اعتقال الرئيس السودانى         محكمة فيدرالية امريكية , توجه اتهامها لمدير محطة CIA فى الجزائر فى قضية اعتداء جنسى         منظمة العفو الدولية تقول فى تقرير لها ان اسرائيل دمرت قطاع غزة عن عمد         الجيش الامريكى يبدأ اليوم عملية عسكرية واسعة ضد طالبان فى اقليم هلمند الى الجنوب من افغانستان    

حوار وتوافق حماس و فتح في ظل الظروف الحالية
ممكن
غير ممكن
ممكن ولكن لن يدوم
اقتراعات سابقة

قصة واقعية.. الوداع الأخير

بقلم أ.هشام فتحي

بعد تناول العشاء في غرفة بالمدينة الجامعية.. وفي لحظة ود خرج إسماعيل مع أيمن إلى ضفة من ضفاف الإبراهيمية.

ودار الحديث الجميل تارة في الدين.. وتارة في شتى أمور الحياة.. كان يطمح أن يسود الخير هذه الدنيا.. نظر إلى الأفق البعيد.. ربما أحاطت نظرته بكل أحلام الفتى.. كأنه يقرأ فنجان الحياة.. يمشي قليلا ثم يعبث بشجرة (الصفصاف) ورقة بيده.. وأخرى تناثرت حوله.. نظرة هنا وأخرى هناك.

لم يفت أيمن أن يقاطع صمته أو يسارع مد بصره.. لأنه يعلم عن إسماعيل ما تقر به عينه.. وفي لحظة استدار الفتى إسماعيل.. تلعثمت كلماته بلسانه.. و علقت بذهنه طموحات كثيرة.. وهواجس أحاطت بخاطره.

كان يراعي حداثة عهد التزام أيمن بطريق الله.. فهو حائر بين أفكار تتدافع داخله.. وحرصه الجميل على صديقه أيمن.

صفارة قطار الصعيد مع جلبة أصوات السيارات تعبر الطريق.. وإشارة خضراء تؤذن بالعبور للمارة.. كل ذلك شغلنا عن العبور.. وكنت أنا وهو في عجلة لكي نلحق بالإشارة الخضراء.. هو لم يكد يراها إلا بعد أن عبر.

قال لأيمن إن الطريق إلى الله أشبه بهذا الطريق.. تارة تمضي إذا كانت إشارة الطريق خضراء.. وتقف طواعية لله إذا تراءت لك الإشارة الحمراء.  

لقد كان امتحان مادة البلاغة هذا العام غامض.. لكن الجميل في الأمر أن يجد الإنسان صعوبة ويقطعها في تحد جميل.

مشرف الدور بالمدينة الجامعية يعلن عن انتهاء مدة السكن هذا العام.. فعلى جميع الطلاب تسليم الأمانات عند الموظف المختص.

يمسك إسماعيل بأجندة أيمن يسطر له فيها ذكرى.. وأيمن مشغول في أخذ عناوين الزملاء ورفقاء الطريق.

ودموع هاني طالب الهندسة رقراقة في عينه.. وهو يودع أصحابه.. وأخر يعلن عن قرب وصول قطار الثالثة المتجه إلي القاهرة.. وأيمن يترقب الأجواء خلسة.. وعلى جدار الغرفة يكتب (وعسى قريبا أن يكون لقاؤنا 1994).

مرت الأيام وانقلب الحال وتباعدت مسافات الغياب.. وتناثر العقد الفريد على شفا قارعة الأيام.. ومرت الأيام ولم يجمع بين الخليلين بريد.. ولكن ترقب من أيمن لتلك الأحداث المتصارعة حيث يعلم أن إسماعيل على القائمة المطلوبة.. لذا كان يقرأ الصحف لعله يجد خبرا عنه.

وبينما أيمن عائد إلى بيته ذات ليلة تبادره أمه بقولها أن شخصا اسمه إسماعيل سأل عنك.. وهو ينتظرك في مسجد القرية.

هرع أيمن يسابق الخطى إلى المسجد.. وخلف سارية فيه إذا بإسماعيل والمصحف بين يديه.. تعانقا.. تدفق الدمع مدرارا.. وسؤال نوبات الشجي: هل سوف يرجع حلمنا وتعود أبراج الحمام تطال ذاكرة الصحاب.. صرخ أيمن صائحا في دهشة وسرور: إسماعييييييييييييييييييييييل.. حتى ملأت أجواء المسجد.

ليلة جميلة تلك التي مرت عليهما.. وليست صدفة أن تنقطع الكهرباء بالقرية فيسود الظلام.. إلا شمعة في زاوية غرفة ببيت أيمن تسامرا عليها.. وما أحلى السهر وذكريات الأشهر الخوالي.. ولكن نظرة للمجهول المرتقب وأسئلة تزاحمت في خلد أيمن عكرت صفو هذه الليلة.

نظرات الفتي لم تفارق جبين إسماعيل.. يبدو أنه لم ينم منذ أيام.. لكنه تجاهل سلطان النوم مقابل تلك الساعات الجميلة التي جمعته برفيق الدرب.

لم يكن حظهما من الثلث الأخير إلا ركعتين ودمعتين في ثنايا عيونهما يخفيهما الظلام.. ويكشف سترها ما تبقى من نور الشمعة الثكلى.. هي الأخرى تشهد وتسمع وتودع نفسها قبل أن تودع رفيقين.

وفي الصباح انتهى الوقت المحدد للزيارة.. وسيبدأ بينهما فراق طويل.. لم يصدق أيمن أن الليلة مرت وأن الشمعة انطفأت.. وأن الصبح أقبل والليل قد أدبر وحلت لسعات الغياب.

ها هو إسماعيل يخرج من بين طيات ملابسه لفافة صغيرة.. يطلب من أيمن أن لا يقرأها إلا بعد أن يغادر القرية.. وتعانقا سويا عناقا بائنا على ما يبدو هذه المرة.

رجع أيمن مسرعا إلى اللفافة..  فإذا هي ورقة بها رسالة مودع ورجاءات راحل.

(أخي أيمن  لعلك تذكر لقاءنا الأول في تظاهرة بالجامعة.. ما كنا ساعتها نتمتم بالفراق.. وولادة الإخاء لم تزل في أيامها الأولى.. لكننا الآن نمضي طوعا أو كرها إلي المجهول والمدى البعيد الرحب والخلد الطيبة وأهلها الصالحين بإذن الله.. ليست القضية من يرحل أولا.. لكن الأهم أن نلتقي هناك ثانية.. والله قادر على أن يجمع بيننا يوم القيامة.. لكني أقولها لك أخيرا فأحفظ عني:- اعلم أنه كما أنك لن تشم رائحة الطعام حتى تلسع بالنار.. فإنها الجنة لن تشم رائحتها حتى تتعب.. وإلى لقاء الخلد  يا..........)

لم تمض أيام وبعدها رحل إسماعيل عن دنيا الناس.. وهو يمثل فانتازيا من نوع خاص.. وتاركا خلفه لفافة عمر قصير ومطوية ذكريات في كتاب الحياة القديم.. مودعا كل أوراق شجر الصفصاف.. ومسارات الطرق كلها خلفه بلا إشارات للمارة.. وقيد أنملة من رحيق الإخاء مختوم بمسك الصدق.. يمخر إلي الركن البعيد.. ولوحة خالية حتى من صفارات إنذار القطار التي باتت صامتة.. صمت العيون أمام صخب الأسى.. وماثل فيها من كل ألوان الشجي.. تصل إليه الحقيقة بشق الأنفس مشطورة على شط اليم.. تنتظر تابوت الوليد يعبر إلى حنان آسيا وحنين الماشطة.. وانتظار مرضعة الأمان في أقصى الأرض وفي خير الأرض ويوم العرض.. ولتمض الدنيا غير مأسوف عليها.

- بابا ...... بابا عايز لعبة طيارة

- لما نخرج يا خلاد

- أنت حبيبي يا بابا

وفي نفس الحجرة التي التقى فيها إسماعيل.. احتضن ولده وبقايا الشمعة الثكلى التي أضحت رمادا بطول الجدران وركعتي السحر هي الموعد.  

(وعسى قريبا أن يكون لقاؤنا 2008).


الإسمعصام خيري
عنوان التعليقابكيتني أخي
أبكيتني أخي بما تحمله هذه الكلمة من معان ولا أدري ماسبب البكاء ؟ لعلك أخي هشام تعلمه


عودة الى قصة قصيرة

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._