مرة أخرى مع رائعة شتاينبك عناقيد الغضب بقلم / هشام النجار
على طريق ملئ بالتلال والجبال العالية.. كانت سيارة عائلة جوود تمضى ببطء بحمولتها الثقيلة في اتجاه الغرب؛ نحو تحقيق حلم الوصول إلى كاليفورنيا.. تلك الجنة الموعودة التي سيعوضهم العيش فيها ما لاقوه من فقر وجوع وإذلال.
ومن الفصل الخامس من رائعة (جون شتاينبك) عناقيد الغضب، نقتطف هذا المشهد الذي يتضمن حوارا قصيرا معبرا بين الأم وابنها (آل) الذي كان يتولى قيادة السيارة، يقول شتاينبك: "سألها آل: هل أنت خائفة يا أمي من الذهاب إلى مكان جديد ؟ هل تخشين ألا يكون بنفس الصورة التي تخيلناها ؟
اتسعت عينا الأم وأخذت تفكر في هدوء، وقالت: أنا لست خائفة إلى حد كبير، فأمامنا فرص عديدة للحياة من الممكن أن نحياها.. لكن في اللحظة الراهنة ليس أمامنا سوى الطريق والرحلة.. وسرعان ما يطلب الجميع الطعام.. هذا كل ما أفكر فيه".
ولكن هل تملك العائلة أي اختيار ؟ فليس أمامهم إلا المسير إلى مكان يجدون فيه مقومات الحياة ويوفر لهم عملا وسكنا.. ومهما سمعوا على طول الطريق من كلمات تثبط هممهم وتشوه في خيالهم صورة كاليفورنيا ( الحلم ) ، فسيواصلون السير حتما ، لسبب بسيط : وهو الذكرى السيئة التي خلفتها سنوات العيش في أوكلاهوما ؛ تلك الذكرى التي تجعل العودة إلى الوراء من المستحيلات .
يقول شتاينبك – ولازلنا في الفصل الخامس من الرواية - : " اقتربوا من أحد الأكواخ على جانب الطريق أمامه مضختان للبترول ، وصنبور مياه وخرطوم.. عندما توقف آل بجوار الخرطوم خرج رجل سمين غاضب من الكوخ .
سألهم : " هل تنوون شراء أي شيء ؟ أمعكم نقود ؟
بالتأكيد معنا نقود ، نحن في حاجة إلى وقود .
قال الرجل : لا بأس إذن ، يمكنكم استخدام صنبور المياه.. الطريق ملئ بالبشر ، وعلى المرء أن يكون حريصا ، يتوقفون هنا فقط لأخذ الماء أو السرقة ، ولا يشترون شيئا .
أمسك وينفيلد الخرطوم وشرب منه وصب ماء على رأسه ووجهه .
واصل الرجل السمين كلامه : لا أدرى ماذا جرى ؟ كل يوم تمر بي خمسون أو ستون سيارة ، الناس جميعا ينزحون إلى الغرب ، يحملون معهم كل متعلقاتهم ، إلى أين هم ذاهبون ؟ وما الذي يفعلونه ؟
قال توم : يفعلون نفس ما نفعله نحن.. يبحثون عن مكان يعيشون فيه.. يحاولون الحصول على عمل.. هذا كل ما في الأمر ، وربما تصبح أنت نفسك على الطريق ذات يوم "
وينتهي الفصل الخامس باستراحة على الطريق ، عندما " أبطأ آل سرعة السيارة ، وتوقف على جانب الطريق.. كانت هناك سيارة قديمة تقف جانبا خارج الطريق السريع بجوارها خيمة صغيرة، ويتصاعد الدخان من مدخنة موقد بجوار الخيمة، كان غطاء محرك السيارة مفتوحا، وهناك رجل في منتصف العمر يفحص المحرك.
أطل توم من نافذة السيارة وقال : أهناك ما يمنع من التوقف هنا أثناء الليل ، ولك كل الحق في أن ترفض وجود جيران لك أو تقبل ؟
ابتسم الرجل قائلا: لا شيء يمنع بالتأكيد أخرج عن الطريق وأنا فخور بوجودكم.. ثم نادى : سارى ، هاك بعض زملاء الطريق ، تعالي لتقابليهم .
خرجت امرأة ببطء من الخيمة بشرتها جافة وعيناها معتمتان من الألم ، كانت صغيرة ونحيفة.. لكن عندما تكلمت كان لها صوت جميل ، قالت : أهلا بكم ، مرحبا بكم أيها الناس الطيبون " .
ومع الفصل السادس نعيش مع شتاينبك حالة من المشاركة في الألم والأمل معا لدى العائلتين التين تعارفتا على الطريق إلى كاليفورنيا.. فرغم ما يلاقيانه من متاعب ومصاعب إلا أن أفراد العائلتين يجلسون معا، يمنون أنفسهم بغد أكثر أمنا ورغدا.
يقول شتاينبك في وصفه لواحد من آلام عائلة جوود على الطريق إلى كاليفورنيا : " ودون سابق إنذار بدأ الجد يبكى ، اندفعت إليه الأم وأحاطته بذراعيها ، قالت ساري : أدخلوه إلى خيمتنا ، بإمكانه أن يستريح قليلا .. ساعدت الأم الجد في الدخول إلى الخيمة.. ثم خرجت ونظرت إلى كاسي ( الواعظ ) ، قالت : الجد مريض ، تعال وألق عليه نظرة .
كان الجد راقدا على ظهره، عيناه مفتوحتان ويحملق إلى أعلى ووجهه أحمر ويتنفس بصعوبة.
وضع كاسي يده على جبهة الجد، وبينما كان يتطلع إلى وجهه المربد اللون، دخلت الأم.. قالت : ماذا به ؟
أعتقد أنه سيصاب بنزيف في المخ.
صاحت الجدة خارج الخيمة: أريد أن أراه، انه ليس مريضا، لكنه متضايق بعض الشيء.
خرج كاسي من الخيمة، وقال: إنه ليس متضايقا يا جدة، لكنه مريض، مريض فعلا.
قالت الجدة: لماذا لا تصلي من أجله إذن ؟ ألست واعظا ؟ .
بدأ الجد يصارع الموت ، وفجأة انتفض جسده ورقد ساكنا . "
ثم يختم شتاينبك حادثة وفاة الجد بمأساة ؛ حيث احتارت العائلة كيف ستدفن الجثة خارج وطنه وبأي طريقة : " قال الأب: يجب أن نفكر فيما سنفعله بالجثة ؛ فليس معنا سوى مائة وخمسين دولارا ، وإذا بلغنا بوفاته سوف يأخذون أربعين دولارا لدفنه !
سأل آل: وماذا سوف نفعل ؟
قال الأب بهدوء: سوف ندفن الجد هنا.. ونكتب بياناته في ورقة نضعها في زجاجة ندفنها معه؛ بيانات تفصح عنه، ولماذا دفن هنا.
أحضر الرجال الأدوات للحفر.. وقام الأب بوضع علامة على الأرض وقامت الأم بغسل الجثة.. وكتب توم بياناته بعناية على قطعة من الورق.. وعندما أصبح كل شيء جاهزا، وقفت العائلتان حول القبر، وألقى كاسي موعظة قصيرة، وردد الجميع: آمين ".
وبعد الانتهاء من دفن الجد تجلس العائلتان للعشاء ، ولندع شتاينبك يصف حال العائلتين وقد جلستا تتناولان البطاطس واللحم وتسردان الأمنيات والأحلام : " عادت النساء إلى الخلف ناحية النار لإعداد العشاء .. في حين قام الرجال بردم الحفرة بسرعة .
ركعت روزا شارون بجوار النار وتطلعت إلى أمها :
أنا مرتعبة يا أمي ، هل سيؤذى ذلك الجنين ؟ قالت الأم : مرتعبة ؟ لابد أن تتماسكي خلال الأشهر القادمة ، انسي نفسك والجنين لفترة .
عندما انتهى طهي اللحم والبطاطس.. جلست العائلتان على الأرض لتناول الطعام ، يخيم عليهم الصمت ويحملقون في النار.
سألت الأم عائلة ويلسون : كم مضى من الوقت وأنت وعائلتك على الطريق ؟
قال ويلسون : الحظ لم يكن حليفنا ، لقد مضى علينا ثلاثة أسابيع ونحن على الطريق ، السيارة أخرتنا .
قال آل : أعتقد أنه بإمكاني إصلاحها .
قال الأب: آل يتعامل جيدا مع السيارات.
قال ويلسون: بالتأكيد، أنا ممتن جدا، صحيح أننا نلاقى كثيرا من المتاعب في ذهابنا إلى كاليفورنيا، لكنها تستحق، رأيت إعلانات عن احتياجهم لأناس لجمع الفاكهة بأجور عالية، خلال عامين يمكن للإنسان أن يشترى قطعة أرض، ويصبح لديه مكان يملكه .
قال الأب: لقد رأينا هذه الإعلانات ، معي واحد منها : مطلوب عمال في كاليفورنيا لجمع البازلاء ، أجور جيدة طوال الموسم ، مطلوب 800 عامل .
تطلع ويلسون في الإعلان وقال : لم أقرأ هذا الإعلان .. لكن ألا تعتقد أنهم ربما حصلوا على الثمانمائة عامل ؟
قال الأب: لكن هذا جزء صغير من كاليفورنيا، فهي الولاية الثانية من حيث الحجم في أمريكا ".
في الفصل السابع تواجه الأم بحزم خطة لتفريق العائلة بسبب عطل أصاب السيارة ؛ فقد اقترح توم هذا الاقتراح ، فقال موجها حديثه إلى ويلسون : سيارتك تسير ضعف سرعة السيارة النصف نقل ، فلنخفف حمل السيارة نصف النقل بعض الشيء وتنطلقون أنتم.. وسأبقى هنا أنا وكاسي لإصلاح السيارة ثم نلحق بكم .
قالت الأم بقلق : وكيف يتسنى لكما معرفة مكاننا ؟
قال توم : لا تشغلي بالك ، سوف نعثر عليكم .. فكاليفورنيا ليست العالم أجمع .
قال الأب: لا بأس، ومن الأفضل أن ننطلق الآن، فمن الممكن أن نقطع مائة ميل قبل حلول الظلام.
خطت الأم خطوتين لتقف أمامه وقالت : لن أذهب ، وهنا فوجئ الأب تماما ، وقال : ماذا تقصدين ؟ ومن ذا الذي سيرعى شئون العائلة ؟
توجهت الأم ناحية السيارة ، التقطت عصا رافعة السيارة وأمسكتها بيدها وزمت شفتيها في غضب وقالت : السبيل الوحيد لتحملني على الذهاب هو أن تضربني ، هيا ، حاول أن تفعل ذلك .
تطلع الأب حوله وقد أسقط في يده.
راقب الجميع الأب متوقعين أن يفقد أعصابه.. أو أن يصرخ أو أن يضربها، لكنه أمسك أعصابه ولم ينفعل.. وتدلت يداه في استسلام إلى جانبيه.. تيقن الجميع أن الأم انتصرت.. وتأكدت الأم من ذلك أيضا .
قال توم: أمي ماذا جرى لك ؟ قالت : أنت لم تفكر بشكل جيد ، أما أنا فقد فكرت ؛ ما الذي بقى لنا في هذا العالم ؟ لم يبق لنا سوى العائلة.. النقود لن تكون ذات فائدة لو تشتتت العائلة ، أنا لا أخشى شيئا عندما نكون معا.. وأنا على استعداد لأن أضرب أي أحد بهذه العصا لو أن عائلتي تشتتت. "
نجحت الأم بمنطقها وعصاها في إقناع الجميع ، ولكن السؤال هو : هل ستنجح الأم فعلا في الإبقاء على العائلة متماسكة رغم كل ما يواجهها من تحديات ومخاطر..وبعد أن بدأ اليأس يتسرب إلى النفوس خاصة بعد الحديث الذي دار بينهم وبين أحد الرجال داخل إحدى المعسكرات التي نزلوا فيها للمبيت ؛ كان – كما يقول شتاينبك : " رجلا نحيفا يرتدي ملابس رثة يحدق في الأب .
ضحك ضحكة غبية بصوت عال وقال : إلى أين أنتم ذاهبون ؟ إلى كاليفورنيا لجمع البرتقال أو الخوخ ؟
قال الأب : سوف نقوم بأي عمل.
ضحك الرجل ذو الثياب الرثة ثانية .
التفت إليه توم وقال له : ما الذي يضحك في ذلك ؟
قال الرجل: لأن الجميع متوجهون إلى كاليفورنيا، وأنا عائد من هناك، لقد كنت هناك !
التفتت كل الوجوه إليه بسرعة ، وتسمرت أجساد الرجال في مكانها .
قال الرجل: أنا عائد إلى بلدي، وأعلم أنني سأعانى من الجوع.. لأنه من الأفضل لي أن أعانى من الجوع في بلدي على أن أعانيه في أي مكان آخر.
قال الأب بغضب: لكن الإعلان الموجود معي يقول أنهم في حاجة إلى مزيد من الرجال.
قال الرجل: لقد رأيت ذلك الإعلان.. إن صاحب هذا الإعلان يطلب ثمانمائة عامل .. لكنه طبع خمسة آلاف إعلان، وربما قرأه عشرون ألفا.
صاح الأب : لكن ذلك شيء غير معقول .
قال الرجل: لكنه معقول بالنسبة للرجل الذي طبع هذه الإعلانات.. لأنه استغل حاجة الناس إلى الطعام.. لذا فقد كان يقول لهم: سأدفع عشرين سنتا في الساعة.. من الممكن أن نقول أن ألفا توجهوا إليه.. نصفهم لن يقبل القيام بالعمل بمثل هذا الأجر.. لكن الخمسمائة الآخرون في منتهى الجوع ، وسيقومون بالعمل حتى مقابل البسكويت.. وكلما جاءه مزيد من الرجال الجوعى.. كلما قل ما يدفعه من أجر .
تلفت الرجل ذو الثياب الرثة حوله، واستطرد قائلا: أنا أقول لكم ما استغرق مني عاما حتى اكتشفته.. ومات منى طفلان وزوجتي، وأنا ألهث هنا وهناك لأحاول العثور على عمل.. ليس من أجل النقود.. لكن لمجرد قليل من الطعام ليبعد عنهم الموت جوعا. "
ترى ماذا ستفعل عائلة جوود بعد هذا الحديث الباعث على اليأس المثبط للهمم ؛ هل سيتوقفون عن المسير، أم سيواصلون الطريق إلى كاليفورنيا رغم المشاق والأخطار ، ورغم الأحاديث والشائعات التي نغصت على أحلامهم، والتي شوهت الصورة التي رسموها للأرض الموعودة في مخيلاتهم ؟؟
هذا ما سنتعرف عليه بإذن الله في الفصول القادمة من رائعة الروائي الأمريكي جون شتاينبك (عناقيد الغضب).
عودة الى قصة قصيرة
|