English الثلاثاء 30 ربيع الأول 1431     16 مارس 2010
البحث التفصيلي
التفاصيلاغتيال المبحوح.. وغياب الأمن الوقائي في دبي
خبر وتعليق

تجاهل الإعلام العربي والإسلامي لقضايا المسلمين يرجع إلي:-
ضعف الانتماء والولاء
توجه حكومي
ثقافة العلمانية المسيطرة
قلة الوعي الديني والثقافي
اقتراعات سابقة

وجه أمي

بقلم أ/ خلف عبد الرءوف المحامي

(1)

حين دخلت علي غرفة مكتبي لأول مرة رأيت في وجهها وجه أمي.. لم يكن بينهما كبير شبه، فقد كانت عيناها أكثر اتساعا من عيني أمي ووجهها محددا ً وأنفها أدق وذقنها مدببا ً.. لكنها كانت نحيفة قصيرة مثلها.

وكأمهاتنا كلهن بالصعيد ـ خاصة في القرى وحتى في المراكز والمدن الصغرى ـ كانت متلفعة بشال أسود كبير وقد عصبت رأسها بمنديل أسود تحت الشال الذي يغطي نصف جبهتها مسبلة قميصها الأسود الثخين الفضفاض إلى أطراف قدميها .. منتعلة حذاءً جلديا ً متربا ًًًًً فوق جورب أسود.. أنموذج لامرأة ريفية تخطو نحو الخمسين من عمرها.

كانت الساعة قد جاوزت السابعة مساءً وكان اليوم أحد أيام الشتاء.. وكانت قادمة من إحدى المدن الصغرى التي يغلب عليها الطابع الريفي بمحافظة أسيوط.

لم يكن شيئا ً عاديا ً عندنا في الصعيد أن تسافر المرأة إلى خارج بلدتها.. وتعود ليلا ً دون رفيق من محارمها.

لم يكن معها سوى ابنتها التي كانت تبدو وقد قاربت العشرين من عمرها.. لم تكن ترتدي ملابس ريفية كأمها..  فقد كانت ـ كما عرفت بعد ذلك ـ طالبة بأحد المعاهد المتوسطة.. كان خمارها الأبيض مسترخياً إلى أنصاف ذراعيها تحت قميص إفرنجي أبيض.. وحول خصرها جيبة زرقاء طويلة قد أطل من أطرافها السفلى مقدم حذاء مدبب أبيض.. وقد غضت طرفها وتوردت وجنتاها خجلا ً.. وإن كانت بين الحين والآخر.. ترفع بصرها لتلقي نظرة تستكشف بها معالم المكان.. وما قد تسجله النظرة الخاطفة إلى ملامحي.

دخلت الأم إلى غرفة مكتبي وقد صوبت إليَّ نظرة في وقار باسم وهي تلقي عليَّ التحية.. بينما دخلت خلفها ابنتها تتبعها كأنها تتوارى بها خجلا ً.

رددت على الأم السلام.. ورمقت الفتاة بنظرة مبهمة فتعثرت في نظرتي حتى كادت تصدم بأمها.

أشرت لهما بالجلوس فجلستا متجاورتين أمامي.. لم يكن أمامها من سبيل لمقابلتي سوى الحضور ليلا ً إلى المكتب الذي لا يفتح أبوابه قبل الغروب.

ذكرتني بمكالمتها الهاتفية التي أجرتها معي منذ أيام تطلب فيها المقابلة.. فتذكرت.. ثم راحت تشرح الأمر الذي جاء بها.

كانت تتحدث في مرارة عن ابنها الذي انخرط في صفوف إحدى الجماعات الإسلامية منذ ثلاث سنوات، ولم يمض على ذلك مدة عامين حتى قبض عليه رهن الاعتقال، وأنها علمت منذ أيام أن اسمه قد ورد ضمن قائمة المتهمين في إحدى القضايا السياسية.. وأنها جاءت إليَِّ بعد أن علمت أنني أتابع سير القضية مدافعا ًعن بعض المتهمين فيها.

راحت تستفسر عن إمكانية حضوري مع ابنها.. وهل يمكنها أن تحضر الجلسة لتراه؟!!.

سألتني عن مكان انعقاد المحاكمة.. فأخبرتها بأنها بمحكمة جنوب القاهرة.. فتساءلت في لهفة الأم عن مدى  خطورة موقف ابنها في القضية؟!!

كانت ترثى لحاله قائلة: إن تيار الأحداث المتلاحقة قد جرفه على غير أهبه ودون أن يكون له فيها ناقة ولا جمل.

كنت بين الحين والآخر أنظر إلى وجهها فيذكرني وجه أمي الذي وراه التراب منذ أعوام قلائل، ثم أعود إلى ورقة صغيرة أمامي أسجل فيها معلومة أو ملحوظة تهمني من ثنايا حديثها، وكلما أعدت النظر إليها وجدتها مسددة نظراتها إلى.

(2)

كانت نظراتها بريئة حائرة، لم تكن تستشعر الخجل حين تقع عيناي على وجهها فأمهاتنا في الصعيد لا يستحين أن يملأن عيونهم، أو ينظر إليهن من يرونه في عمر أولادهن.

كانت بين الحين والآخر تحول وجهها عني لتستر بريق دمع قد لمع في مقلتيها حالما تكفكفه بمنديل صغير في يدها ..أو تطامن رأسها في إطراقة أسى على وليدها فتصمت حتى تذهب عن صوتها خنقة بكاء كانت تزدرده مع ريقها.

وفيما عدا غيامة الحزن التي تعتري نظراتها المصوبة إليَّ ـ  حين تحرقها الذكرى أو تأخذها الشفقة على مصير ابنها ـ  فيما عدا ذلك كان جل نظرها حيرة وتساؤل.

(3)

كانت الفتاه تحدق في الأرض، كأنما تتابع الوصف التفصيلي لنقوش السجادة المنبسطة تحت قدميها.. فإذا رفعت بصرها فإنما لتنظر بارتياح يشي به انفراج أساريرها إلى اللوحة الكبيرة التي تتوسط الجدار المواجه لها، كأنها تتخيل نفسها داخل القارب الشراعي الذي يشق صفحة النهر المتهادي بأمواجه بين خضرة الوادي ، تحفه أشجار نخيل قد استوثقت عذائقها رطبا ً فمالت أو داعبها ريح عابث فتمايلت.

فإذا اختنق صوت أمها بعبرة حبيسة وساد بيننا صمت حزين أطرقت الفتاة برأسها وتقنعت بقناع حزن بعضه صادق.

وحينما أتكلم كانت تختلس إليَّ النظر من طرف خفي متحسسة علها تجد في كلامي ما تستبين به مصير شقيقها.. فإذا ما التقت نظراتنا عرضا ً، فر بصرها هاربا ً في خجل عذري غير مصطنع ليختبئ بين النخيل المتناثر على اللوحة الملعقة أمامها أو يتوارى بين نقوش السجادة.

سألتني الأم عن كيفية الوصول إلى المحكمة .

فسألتها بدوري عما إذا كانت تعرف شيئا ً من أحياء القاهرة أو ميادينها؟ 

فأجابت بالنفي . 

ثم همزت ابنتها لتنتبه إليَّ وأنا أصف كيفية الوصول إلى المكان.. كانت هذه أول مرة تسدد البنت نظرها إليَّ مباشرة.. مقبلة عليَّ بوجهها العاطل عن المساحيق.. تنقل بصرها بيني وبين وريقة تكتب فيها العنوان وأرقام الحافلات التي تمر بالمحكمة أو قريبا ً منها.

بدت نظراتها بريئة حيية.. تطل من عينين واسعتين فيهما بريق وبوجهها نضارة شباب لم ينل منه الفقر البادي على ملابسها المتواضعة رغم العناية الواضحة بنظافتها.

نظرت الأم إلى ساعة الحائط المثبتة في الجدار، كأنها لم تتوقع أن يكون قد مضى كل ذلك الوقت.. كانت الساعة قد جاوزت الثامنة فهمت بالانصراف معتذرة بتأخر الوقت عن عدم التحدث معي في الموضوع الآخر الذي جاءت من أجله، على أن تكلمني فيه حين نلتقي في وقت لاحق، مبدية عدم ارتياحها للخروج والسفر من بلد إلى بلد ليلا ً دون أن يكون معها رجل يقود خطاها ..  ولكنه "الشديد القوي"  الذي أخرجها مضطرة .

وعندما همت بالانصراف كانت الفتاه قد سبقتها تسير بخطى وئيدة ريثما تلحق بها أمها.

(4)

عندما سافرت لحضور الجلسة رأيتهما هناك أمام القفص الحديدي في قاعة المحكمة هي وابنتها تتحدثان مع الابن المتهم.

سلمت عليه، ودار بيني وينه حديث مقتضب أفسحت بعده المجال للقاءه مع أهله الذي جاء بعد طول فراق.. لم تكن هناك فسحة من وقت لتحدثني عن  الموضوع الآخر الذي جاءت إلى مكتبي من أجله.

سافرت عائدة إلى بلدها عقب انتهاء جلسة اليوم الأول ، فلم يكن لها أقارب بالقاهرة يمكن أن يضيفوها .. وقد واعدتني بزيارة مكتبي بعد أن أعود إلى أسيوط،.. وبقيت أنا في القاهرة لمتابعة الجلسات التي تنعقد يوميا لمدة ستة أيام هي أيام دورة انعقاد المحكمة في هذا الشهر قبل أن تؤجل القضية لنظرها في الدور المقبل.

سألني الابن المتهم أسئلة موجزة عن موقفه في القضية وعن تصوري العام عنها في أيام الجلسات التي تلت هذه الجلسة فأجبته.. وفيما عدا ذلك فقد كان جل حديثه معي يدور حول الشؤون العامة.. وكانت تساؤلاته عنها تستغرق معظم الوقت الذي أتحدث معه فيه أثناء فترات الاستراحة التي تتخلل الجلسة معتذرا عن كثرة الأسئلة التي يوجهها إليَّ بعدم وصول الصحف إليهم في محبسهم وانقطاعهم عن العالم طيلة العام الذي قضاه في السجن.

كنت كل يوم أعطيه ما معي من صحف فيحتفظ بها مؤجلا ً قراءتها لحين انتهاء الاستراحة.. وبدء وقائع الجلسة التي لم يكن يهتم كثيرا ً بما يدور فيها مستغرقا في قراءة الصحف.. وحين استبان له إلمامي بشئون السياسة خارجا وداخلا وتطورات الأحداث والأزمات الدولية كان يتلقفني معظم أوقات الاستراحة كمن وجد ضالته المنشودة.

(5)

بعد عودتي إلى أسيوط حضرت الأم وابنتها إلى مكتبي حسب الاتفاق.. وبعد أن سألتني عما تم في باقي أيام الجلسات وعن موعد انعقاد الجلسة القادمة راحت تقص علي الموضوع الثاني الذي لم تتمكن من محادثتي فيه في المرة السابقة.

كانت البنت كدأبها تستمع إلينا دون إصغاء.. وتتابع حديثنا بنصف قلب.. كانت الأم تتحدث إليَّ بنبرة حائرة متوسلة متسائلة .

كان الموضوع متعلقا ً بقضية رفعها عليها مطلقها يطالب فيها بقطع النفقة.. واسترداد منزل الزوجية الذي تقيم فيه هي وابنتها التي يطالب بنزع حضانتها منها، بعد سنوات طوال لم تشعر فيها بوجوده إلا عندما كان يأتيها أحد الوسطاء بمبلغ النفقة الزهيد الذي لم ينتظم قط.

ولولا ريع مساحة صغيرة من الأرض الزراعية قد ورثتها عن أبيها ما وجدت ما تتبلغ به مؤن الحياة.

طلبت منها عمل توكيل لي.. كي لا تتجشم عناء الحضور كل جلسة لمحكمة الأحوال الشخصية.

وبرغم ذلك كانت تأتي للحضور للمحكمة بمدينتها وتزورني بالمكتب بين الحين والآخر وبرفقتها ابنتها التي كانت تلازمها كظلها.

امتدت جلسات قضية الزوج المارق.. وتتابعت جلسات قضية الابن المتهم على الجانب الآخر.

على مدى شهور كنت أراها تقف بين أهالي المتهمين على الجانب الآخر من الطريق المواجه للمحكمة تتطلع بعينين مترقبتين ظهور سيارة الترحيلات ـ التي تنقل المتهمين قادمة إلى المحكمة صباحا ً ـ تلوح بيديها، وتشارك في مرج الأصوات الذي يعلو مختلطا بعشرات الأيدي تلوح في الهواء حين تنبثق من بين قضبان نوافذ السيارة أذرع ناحلة كفروع شجر جردها الخريف من أوراقها وأذهب عنها نضارتها فبدت يابسة معروقة.. وسط إجراءات أمن مشددة..

كانت البنت تقف خلف أمها.. تشب على أطراف قدميها، تتطلع إلى الوجوه والعيون التي تبين وتحتجب بين الأذرع الممددة.. لتبدأ بعد ذلك رحلات المحامين المكوكية بين هيئة المحكمة والحرس والجهات الأمنية المعنية.. لتمكين الأهالي من دخول قاعة المحكمة.. ومحاولات أخرى لإدخال ما يحمله الأهالي معهم من أطعمة إلى قفص المتهمين.

لم يكن الابن يكف عن الحديث في الأمور العامة خلال فترات الاستراحة.. إلا في الدقائق التي يقتطعها للحديث مع أمه وشقيقته.. أو عندما أتركه لبعض شئوني الأخرى.

(6)

لم تعد الأم وابنتها تسافران عائدتين بعد جلسة اليوم الأول بل كانتا تبقيان لمتابعة الجلسات على مدى يومين وأحيانا ثلاثة أو أربعة أيام.

توالت جلسات قضية الابن وخفت إجراءات الأمن تدريجيا ً.. ولم تعد الأم وابنتها تنتظران حتى أتدخل لدى الجهات الأمنية للسماح لهما بالدخول إلى قاعة المحكمة.

رأيت الفتاه تتحدث إلى أحد كبار الضباط المسئولين عن الأمن بالمحكمة.. لم تكن مطرقة أو مغضية طرفها كذي قبل.. كان الحوار قصيرا ً باسما ً، بعدها أشار لها بالدخول، فدخلت هذه المرة تتبعها أمها.

لم تعد تستظل بأمها أو تتوارى بها حياءً كما عهدتها من قبل.. وما عادت تتعثر في نظراتي أو نظرات غيري مهما كانت سهامها المسددة إليها.. فقد استمرأت العيون الفاحصة.

وعندما كنت أذهب ليلا إلى مكاتب بعض المحامين بالقاهرة لتنسيق الدفاع في القضية كنت أراهما.. وحين دخلت صالة الانتظار في مكتب أحدهم رأيتها.. كانت جلستي في مواجهتهما.. ودون أن أتكلم بادرتني الفتاة بالسلام.. وتبعتها أمها.. مدت الفتاه يدها لتصافحني لأول مرة، فصافحتها من غير اكتراث

وتحدثت الفتاه إليَّ حديثا فهمت منه أن الأستاذ الكبير سيتولى الدفاع عن الابن المتهم.

وفي لهجة تشبه الاعتذار بررت الأم ذلك بأن موقف ابنها غير مطمئن وأن الرجل لم يغال في الأتعاب.. وأيدتها  الفتاة في ذلك والتي كنت أسمعها لأول مرة تتحدث حديثا ً مسترسلا ً مصوبة نظراتها إليَّ مؤكدة أن حضور الأستاذ معي لا ينفي حضوري وأنني أنا الأصل.. وعلمت منها أيضا أنني ـ على حد قولها ـ الخير والبركة.

لم يبدد ذلك التبرير شعوري بالامتعاض من هذه المزاحمة، فضلا ً عن الغيرة التي تنتاب أبناء المهنة الواحدة من بعضهم البعض.

بيد أني وجدت في نفسي بعض الارتياح ، فقد كان موقف الابن معقدا ً  ومرشحا ً  للإدانة، وربما ينال حكما ً بالسجن لفترة ليست قصيرة، فلا بأس أن يحمل "الأستاذ " وزر ذلك..  لكنني كنت مشفقا ً عليها مقدرا ً مشاعر القلق التي تساورها على مصير الابن.

توالت زيارتهما لمكتبي ليلا ً لمتابعة سير القضيتين رغم حضورهما الجلسات هنـا وهنـاك.

(7)

كانتا تأتياني في وقت متأخر من الليل عندما أتهيأ لإنهاء أعمالي وإغلاق المكتب.. لم تعد التاسعة أو حتى العاشرة مساءً تثير لديهما الإحساس بالقلق.

صارت الفتاة تجلس على المقعد المواجه لأمها وقد استغنت عن ظلها الذي كانت تستظل به وتتوارى خلفه خجلا ً.

أصبحت هي التي تدير دفة الحديث بينما الأم تشارك فيه بين الحين والآخر بنصف اهتمام.. لم يعد وجه الأم  يقبل عليَّ إلا قليلا ً.. كانت تبدو معظم الوقت شاردة.

سألت الفتاة عن نشاط أخيها قبل القبض عليه وعمق علاقته بالجماعة التي انخرط في صفوفها.. فعرفت منها أنها لم تكن تعلم عنه شيئا ً سوى أنه كان يمضي أوقاتا ً طويلة خارج البيت.. ويعود في ساعة متأخرة من الليل وكان أحيانا ينقطع عن البيت الليالي ذوات العدد، عندما يشعر أنه قد بات مطلوبا ً أمنيا ً.

كان في بداية التزامه يطلب منها أن ترتدي النقاب فرفضت.. وكان يحث أمه على الكف عن مشاهدة التلفاز وزيارة أضرحة الأولياء فأبت عليه ذلك.. لم يكد بعد ذلك يكلمهما في شيء إلا أن يزجر عن خطأ.. كان يبدوا معظم الوقت متجهما مهموما ً، غير أنه لم يكن قاسيا ً أو غليظا ً.

أهداها ذات مرة كتابا عن وجوب النقاب، فقرأت منه صفحات وتركته فوق خزانة الملابس ولم تتذكره إلا بعد عامين عندما قبض عليه.. فنفضت عنه التراب وأحرقته ضمن ما تبقي من كتبه مخافة أن تكون سببا ً للمساءلة.

(8)

ذات ليلة كنت ألملم أوراقي متهيئا ً لمغادرة المكتب عندما سمعت صوتها الناعم ينساب إليَّ بالتحية.. رفعت بصري جهة باب الغرفة حيث مصدر الصوت.. لم أعرفها لأول وهلة.

كانت ترتدي إيشارب شيفون على رأسها، وقد تدلت على جبهتها خصلات من شعرها الفاحم.. بينما تراجع الإيشارب إلى الخلف ليفصح عن حلمتي أذنيها وقد تدلى منهما قرط مستدير.

كانت المساحيق تلون وجهها الأبيض الذي فقد ملامحه الطفولية التي ألفتها فيه من قبل معلنا عن أنوثة جريئة.

لم ألحظ من قبل أنها كانت تخفي صدرا ً بارزا ً تحت خمارها.. لم تكن من الكواعب ، بيد أن قميصها الذي أمسى ملتصقا بجسدها قد ضيق الخناق على نهديها.. وأعانته على ذلك حمالة الصدر التي ارتسمت حافتها تحت القميص الرقيق حتى وشى بظلال لونه، في إعلان فج عن فتنة أخاذة.

بدا خصرها وساقاها وقد حشرا بعناية وعناء في الجيبة الحمراء الضيقة التي ارتفعت أطرافها عن الأرض حتى أنصاف الساقين، بينما علت أعقابها فوق كعبي حذاء دقيقين قد تسامقا لتنحدر قدماها مائلة.. حتى بدت كأنها تمشي علي أطراف أصابعها.

لم تنتظر إذني بالدخول.. فقد كنت لم أزل على حالي من الذهول والدهشة وقد جف حلقي، فلم أنبس ببنت شفه.

حتى دخلت الغرفة تتمايس في سيرها تتبعها أمها وقد أغضت حياءً أو خجلا ً .

جلست الفتاة على طرف المقعد المواجه لأمها في مقابلتي فاكتظت الجيبة الضيقة بعجيزتيها حتى لكأنها توشك أن تنفض.

جلست أحدق فيها .. نعم لاحظت في الشهور الأخيرة أنها كانت تعتني بهندامها أكثر من ذي قبل، وأن خمارها الذي كان يغطي نصف جبهتها قد زحف إلى الخلف حتى أفصح عن صفحة وجهها كاملة.. كما كنت أرتاب في أنها تضع مساحيق خفيفة على وجهها.. أما هذه الليلة فقد بدا كل شيء صارخا ً.

قالت الأم أن الغرض من الزيارة هو التأكيد علي لحضور الجلسة التي ستنعقد بعد يومين بالقاهرة، وأنهما في طريقهما للسفر الآن.

لم أكن في حاجة لمن يذكرني بمواعيد الجلسات التي لم أتخلف عن حضورها طيلة العام المنصرم.

غمغمت بكلمات مضغوطة خرجت من بين أسناني دون أن تنفرج شفتاي إلا قليلا ً.

كنت أصوب إلى الفتاه نظرة ازدراء غاضب مسدادا ً بصري إلى وجهها، فرمقتني بنظرة نافذة.. وهي التي كانت من قبل تتعثر في نظراتي المبهمة.. اشتبكت نظراتنا في منتصف المسافة الفاصلة بيننا.

كان فكها يعلوا ويهبط في رتابة، ماضغا  قطعة اللبان المختفية في فمها فتتحرك شفتاها المضمومتان حركة راقصة.

ازدادت نظراتها عنادا ً وتحد..  فلم تنكسر ولم تفر هاربة كما كانت تصنع من قبل حين تلتقي بنظراتي عرضا ً.

تكسرت نظرتي وسقطت تتلوى بين الأوراق والأقلام المتناثرة على اللوح الزجاجي المتمدد على سطح المكتب الخشبي، ثم لم تلبث أن انسحبت جريحة منهزمة حتى تكومت في مقلتي.

فأطبقت عليها أجفاني مستسلما بينما قفزت هي ببصرها على ظهر جواد جامح على اللوحة المثبتة على الجدار يمرق بين أشجار النخيل طاويا ً البساط الأخضر ، مسابقا ً الريح في نشوة المنتصر.

نقلت بصري إلى الأم التي كانت ثيابها السوداء لم تزل محتفظة بطابعها الريفي فلا يبدو منها إلا وجهها الذي حجبت العصابة السوداء نصف جبهته.

سألتها مستنكرا عن سبب السفر إلى القاهرة قبل موعد الجلسة بيومين.

رفعت رأسها الذي كان منكسا ً.. وأقبلت عليَّ بوجهها وقد أرسلت إليَّ نظرة خجلي.

لم يكن مبعث الخجل على ما يبدو ما عليه حال ابنتها بل ما رأيته في وجهها.

رأيت في وجهها ما لم أره في وجه أمي قط حتى واراه التراب.. وما لم أر في وجوه من على شاكلتها من أمهاتنا.. رأيت طلاءً قرمزيا يغطي شفتيها المرتجفين.. وبقعتين ورديتين قابعتين على وجنتيها.

شخص بصري كالمحتضر فخر بصرها متواريا ً خجلا ً بين نقوش السجادة المنبسطة تحت قدميها.

لم يكن الخجل آية براءة.. بل كان مبعثا للريب .

نقلت بصري مترددا ً بين وجه الأم المنكس في خجل، والنظرات العارية التي ترسلها الفتاة من عينين متبجحتين.

لم أع شيئا مما قالت الأم ردا ً على سؤالي.. ولا ما قالت البنت تعقيبا ً على أمها حتى قامتا منصرفتين.

خرجت الأم أولا ً، بينما تلكأت الفتاة في قومتها وابتسمت مودعه وقد مدت يدها مصافحة, فلم أبسط كفي المقبوضتين تحت ذقني ولم أزل متكأ بمرفقي على المكتب.

حدجتها بنظرة طويلة.. فلوحت بيديها مودعة.. ومضت يهبو خصرها متكسرا ً.

تطل من شق جيبتها ـ الذي استطال ـ سمانتي ساقيها البضتين وكثير مما يعلوا مآبضها إطلالة مغوية كلما خطت.

أغمضت عيني.. وغمرت وجهي بكفي مضت في الظلام صور احتشدت على مدى العام المنصرم، منذ رأيت الفتاة وأمها لأول مرة.

وقر في نفسي ما اقشعر له بدني.. واستحال له صدري مرجلا من غيظ وحزن يغليان.

انطلقت مني آهة مدوية في أعماقي .. لكنها تفطرت على أحجار حلقي المتيبس.. فاستحالت صمتا ً.

بصقت في داخلي على الزوج المارق.. وقفز إلى مخيلتي وجه الابن المتهم من بين القضبان.. متجهما ً يحمل هموم العالم بين ثنايا جبينه المقطب.. فتملكني شعور بالسخط عليه.

تمت


الإسممحب
عنوان التعليقالكلام المناسب
أرى أن هناك كلام فى القصة فى وصف مفاتن الفتاة لا يليق بموقع أسلامى وربما يفقد القاص والموقع وقاره ومكانته بما يمثله هذا الموقع من مكانة عظيمة فى النفوس ولسنا هنا فى مكان لعرض قصص احسان عبد القدوس الرجاء دقة الأختيار وشكرا 0

الإسمالباكى
عنوان التعليقألهذا الحد
ألهذاالحد موقع الجماعة الاسلامية ينشر هذه القصة التى تصف مفاتن فتاة ياللاسف الشديد

الإسمخلف عبد الرؤف
عنوان التعليقرد وتوضيح
الى الأخوين " محب " و " الباكى " أشكر لكما اهتمامكما بالتعليق على ما كتبت ، وإن كنت اختلف معكما فى الرؤية والتقويم ، فقد كنت موجزا فى الوصف متجنبا الإثارة حتى لا أذهب بالقارئ بعيدا عما أردت من غرض ، والهدف من الوصف معلوم من سرد القصة وهو التحول الذى ربمايصل الى مهاوى الرذيلة وقد لا يقف دونها، عندما يبعثر الشيطان للداعية قائمة أولوياته فينطلق الى مرام بعيدة قد لاتبلغها رواحله الضوامر تاركا الفوضى فى بيته . لا أدرى كيف غاب هذا المضمون عن ادراك الأخوين الكريمين وانصرفت نواظرهما إلى سطر أو سطرين من وصف اقتضاه السياق. قد بالغا فى وصفهما حتى رآه أحدهما سقطة للموقع مشبها ما كتبته بكتابات احسان عبد القدوس ، ولا أظن أن الأخ الكريم قرأ شيئا لإحسان أو ربما قرأ ولم يفهم ، فلو فهم ما طوعت له نفسه أن ينعت ما كتبته بما نعت أو ينعى عليه بما نعى . فقليل من الإنصاف والفهم ياإخوتنا الكرام . علما بأننى لا أضيق بالنقد مطلقاولكنى لم أر فيما كتبتماه نقدا أو تحليلا يتعرض لبناء القصة أو غايتها أو مفرداتها لكن محض نعى واتهام بلا موجب فوجب الرد.

الإسمالباكى
عنوان التعليقلست ناقدا ادبيا
انا يااخى الفاضل لاازعم اننى ناقدى ادبيا حتى اقوم بالتعليق على البناء او ان احلل القصةولكن يااخى الكريم ما اظنه صوابا هو ان الكاتب الذى يمتلك ادوات الكتابة-واظن انك اخى الكريم تمتلك الكثير من هذه الادوات- يمكنه ان يوصل فكرته دون التعرض لاى وصف لتبرج فتاة اوخلعها لبرقع الحياء اخى الكريم لقد وصلنا المعنى الذى تقصده وان هذا الامر يمثل غصة فى حلقى ويثير شجونى وهوان يتحرك الاخ فى مجال الدعوة والعمل الاسلامى دون ان يلتفت الى بيته وانتم بحكم عملكم قد عاينتم هذا الواقع المؤلم وقد حكى لى اخى انه قد بكى عندما وجد زوجة احد الاخوة وهى تسعى لزيارة زوجها المعتقل واكتشف انها لاتحسن القراءة او الكتابة فقال اما كان اولى بهذا ان يعلم هذه المسكينة


عودة الى قصة قصيرة

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._