|
يا كافــر.... بقلم/ خلف عبد الرءوف المحامى
شخصت ببصري وأنفاسي قد انقطعت بها السبل، فشبح الموت يمد ذراعه طويلة معروقة معقوفة المخالب، قد مزقت صفحة السماء لتجوس عبر حلقومي، كأنها تبحث عن روحي الهاربة في أرجاء جسدي فرقا ً.
حين اقترب منى أحدهم، كانت جراحي عيوناً قد تفجرت منها دمائي.
هويت على الطوار" الرصيف" تحت غاشية سحائب الموت السوداء، كأنها مسوح يوشك أن تلفني أكفانه.
لم يرو غليله منى رصاصاته وصاحبه التي أطاحت بي جائحتها إلى أعتاب القبر حتى انطلق من سيارته كالسهم غير مبال بنداء صاحبه له أن يرجع قبل أن يدعه ويهرب.
أبصرته من بين فتوق سحائب المنية التي غشيت ناظري، كأن وجهه جمرة من شدة ما خالط بياضه من حمرة زادهاً لهيباً نار الغضب..
الحقد..
الكراهية.. التي امتدت ألسنتها من عينيه الزرقاوين.
ناديته متوسلا ً ـ بلا حروف ولا صوت - فقد سلبتني إياهم مخالب الموت الناشبة في حلقي.
هتفت باسمي عله يعرفني فيكف عنى.
بيد أنها الأوهام عششت في رأسي حتى ظننت أن فرنسا وما حولها ليس فيها من يسعه أن يجهلني.
هز رأسه الحليق وقال بلكنة فرنسية ـ بمزيج الغضب والسخرية والشماتة ـ وهو يركلني بحذائه الغليظ حتى تهشمت أضلعي.
"اذهب إلى الجحيم أيها العربي القذر.."
هل قتلني لمجرد كوني عربي دون أن يعرفني؟
أم عرفني ولم يبال؟
أم قتلني لأنه يعرفني؟
كان هذا آخر ما يمكن أن يخطر على بالى.
بل ما كان ليخطر لي على بال.
أن تقتلني رصاصات غربية .
غبت عن الدنيا وغابت عنى زمانا لا أدرى عدته، أعمل الجراحون خلاله مباضعهم، في صدري وأحشائي.. ينسلون مخالب الموت عنها.
أفيق تارة، ثم ما تلبث أن تجرف وعيي العقاقير المخدرة تاركة رأسي ساحة تلهو فيها الأوهام وتتلاطم فيها أمواج فكر قد انزويت هاربا ً عنها منذ سنين، سلكت فيها كل درب ينأى بي عن ذكراها حسبت أنها ذهبت بلا رجعة.
أستاذي الذي طردني من مكتبه قبل أن أكمل فترة تمريني وقد رابه منى فقد مستند كنت قد انتزعته خلسة من ملف إحدى الدعاوى وسلمته للخصم لقاء ثمن سال له يومها لعابي.
ينهرني وقد انتفخت أوداجه واحمر وجهه:
أنت مرة ثانية.. وعاشرة.. ألا ترعوى وتكف عن خطف عملائي، مثلك عار على المهنة.. ما شأنك بقضاياي، ومنتهى أمرك أن تلعق رزقك مما يهطل من فروج المومسات اللاتي تدافع عنهن.
أبى يقذف الصحيفة الممزقة، فيها مقالي، أول مقال كتبته عن القرآن ودوره في الكبت الجنسي عند المسلمين.
تحسست وجهي أمسح بصقته.
يلسعني حر كلماته:
أنا برئ منك ليوم القيامة
أراه مدبراً عنى.. تصك كلماته أذني.. يرددها:
لعنة الله عليك في كل كتاب.. يا كافر
حسبت يومها أن لعناته ستطاردني الدهر.
عشت زماناً قد هجر فيه النوم أجفاني.
كانت بقايا من خرافات الدين لم تزل عالقة ببقايا الضمير، عاقرت المهدئات أتوسل بها للفكاك من أسر طواحين الأفكار التي تعمل في رأسي.
مضى زمان خبت فيه جذوة الخرافة واستراح الضمير، فقد تحولت من مجرد محام يتكسب قوته من الدفاع عن المومسات وبنات الليل والشواذ، إلى رمز من رموز الفكر الحر، لكنى كنت قد أدمنت المهدئات.
كانت لعنات أبى فأل حسن قد نالتني بركاته.
فقد تحول المقال إلى كتاب تلقفته دور النشر وترجم إلى الفرنسية والانجليزية.
كتبت وكتبت.. وكفرت بكل ترهات الكتب المنسوبة إلى السماء.
ترقبت أن ترن نغمات هاتفي بنبرات الوعيد والتهديد من حاملي جراثيم الماضي وخرافاته.. ولكن شيئا ً من ذلك لم يحدث.
كان على أن أحمله على أن يحدث، أو أدعيه!
و.. قد كان.
ورغماً عن ذلك توجست أحيانا ً من سكوتهم عنى، لعلهم كامنون خلف أستار الصمت يتهيئون للوثوب على.
ولكنى أفقت على ركلات صاحب العيون الزرقاء.
كانت كلماته تخترق أذني.
تتردد أصداؤها في تلافيف رأسي، مطارق تهشم صروحا ً من رمال قد كلفني بناؤها شطر عمري.
"أذهب إلى الجحيم أيها العربي القذر ... "
مخاض جديد..
دونه الجائزة التي استدعيت إلى هنا لأشهد حفل إعلان اسم الفائز بها من بين عشرة مرشحين من الكتاب العرب الذين ترجمت لهم كتب إلى الفرنسية.. وحدث ما حدث قبل يوم من موعد الحفل الذي تأجل تعاطفا ً معي.
الجائزة التي اشرأبت لها كل حواسي.. وأنا أعلم أنني لست أقوى المرشحين لها.
سخرت لأجل الفوز بها كل ما أملك من علاقات، وحيل.
ناورت كثيرا ً.. بل وتآمرت على كل من رشح لها معي.
"أذهب إلى الجحيم أيها العربي القذر ... "
الرصاصات..
الركلات..
الدماء المسفوحة على مذبح العنصرية..
صارت هي كابوسي الجديد الذي حل محل لعنات أبى.
الصدمة العنيفة التي هزت وجداني فتداعى لها كل ما رحت أرسخه من ثوابت على أنقاض الدين وقضايا الوطن.
العالم الحر.. الليبرالية.. العلمانية المتسامحة في مقابل التعصب الديني الأعمى... أرتال من أكاذيب تعاطيت معها لتكون مطيتي إلى الشهرة والثراء، لكنني لطول الإلف أدمنتها كما أدمنت المخدرات.
كاد التعصب الغربي المقيت الذي تفانيت في الدفاع عنه وسوق المبررات له أن يسحقني.
تذكرت المثل القائل:
(الضربة التي لا تقتلني تقويني)
مخاض لابد أن أجوزه كي أولد من جديد.
كان على أن أدفع الثمن من دمائي وجوارحي التي تعطل بعضها بفعل الحادث الرهيب.
هذا العنصري القذر أحياني من جديد، حقيق أن أشكره.
أدرت الأمر في رأسي وقلبته على وجوهه مرات ومرات.
وحين تعافيت جاءني المحقق الفرنسي يسألني .
هل تبينت ملامح مرتكبي الحادث؟
استجمعت قواي واستحضرت كل آلامي وآمالي، وأحلامي التي تكشفت عن سراب، ولعنات أبى التي طاردتني زمانا ً.
ثم أجبت:
كلا.
لكنني استدركت قائلا ً:
غير أنى سمعت أحدهما وهو يركلني بحذائه الغليظ، يقول بلهجة عربية ....
(يا كافر .. يا كافر)
تمت
| الإسم | بخيت خليفة |
| عنوان التعليق | ليتهم يؤمنون |
| ليت هؤلاء ا لذين يضربون بالنعال ، ويبصق على وجهوهم ، يدفعهم ذلك ا لى التمسك بعزتهم التى فى ولائهم لدينهم ولوطنهم ، لكن عجبى عليهم يقبلون الاحذية التى لم تفارق وجوهم بعد ضربا ، ويتوددون لكل من قال لهم : أيها العربى القذر ، ـ عمل طيب ومناسب بارك الله فيك |
عودة الى قصة قصيرة
|