|
آه يــــــــا عراق
بقلم أ. ابو بكر عثمان
جلست وحيدة بالدار يحيط بها الإتحاش والغربة مع أنها في دارها ومدينتها ، تنهش اللوعة أحشائها ، قتل زوجها خطيب مسجد الصديق والتحق ابنها الاكبر بالمقاومة و قال مودعا.
يعزّ عليَ أمي فراقك، لإن بقيت سجنني الأميركان أو قتلوني أو كان ذلك على يد بني وطني كما قتل أبي لا مفرَ لي ولا خيار. إبنها الصغير عمر أخذوه هو الآخر وكان يلعب مع الصبيان بالشارع، صرخت حينها..كيف لصبي أعزل لم يبلغ اثني عشر عاما أن يهدد جيوش أميركا؟
أول أمس بعد انتصاف الليل طرقوا الباب ، لم تفتح لهم فهدَدوا بكسره ، فتحت لهم ، إقتحم عليها شبان ملثمون ، سبّوا ولعنوا وهددوا إن لم تدل على ابنها ، عرفتهم من أصواتهم وعيونهم وكيف لا تعرفهم وقد دخلوا هذا البيت اطفالا وشبابا وأكلوا على مائدة واحدة مع ابنها الذي يطاردونه اليوم ، كانت ترعى " علي الصدر " وأخاه " باقر " مثلهم مثل أبنائها واليوم يدخلون عليها بالسلاح ينتهكون حرمة البيت بعد منتصف الليل وهم يعلمون أنه لا رجال فيهم ، كيف يروعون أمهم أم تراهم يكفرون وينكرون إرضاعها إياهم لمَا شحَ اللبن عن ثدي أمهم فاطمة ، سبحان مقلب القلوب سبحان مقلب الأزمان.
أمر و إنذار وجه لها بأن تغادر البيت خلال ثلاث وإلا...
قطعوا عنها الماء والكهرباء ولكن كيف ترحل عن هذا الحيّ الذي ولدت فيه وكيف تنسلخ من البيت الذي تزوجت فيه وشهد مولد أبناءها جميعا وظلت ترقبهم وهم يكبرون فيه يوما فيوم وساعة فساعة...ها هنا تكاد تشمم روائحهم وها هنا تنصت إلى أحاديثهم وضحكاتهم ، محال وألف محال تترك روحها وترحل ماذا بقي لها في الحياة لتحرص عليه أو تخشى وتحزن لفقده أي شيء بعد رحيل الزوج وضياع الأبناء ، هي كالنخلة تمتد جذورها في أعماق هذا البيت تمتص ذكريات الماضي الجميل تحيا عليه ولئن نزعت عنه ماتت أرأيت نخلة عجوزا تنزع من ارضها لتزرع في ارض غريبة ستموت توَا ، أنَى لها أن تعيش لا لن تعيش، لا لن ترحل سحقا لحياة الذل والهوان والكآبة.
عند انتصاف الليل سمعت طرقات الباب إذا فقد جاءوا في موعدهم..أبدا لم تخف بيد أن انقباضة هائلة اعتصرت قلبها ، مضت بالشمعة وفتحت الباب لم تجد أحدا سوى لفافة كبيرة على عتبة الدار سمعت أنينه فانسحق قلبها كشفت الغطاء عن وليدها عمر حملته في لهفة إلى الداخل فحصت كل موضع في جسده فما خلى شبر من جرح ينزف.
- ماذا جنيت ولدي لكي يفعلوا بك كل ذلك؟
أصابها الهلع لم تدر ما تفعل أى الجراح تضمد ؟ وأى الدماء تمسح ؟ وإلى أين تذهب به؟ وطائرات الأميركان دمرت مستشفى الحي فأمست ركاما ، وهاجر الأطباء فرارا من القتل أمَا مستشفى الكاظم فلا تأمن الذهاب إليها بعد ما حدث من فتنة بين أهل العراق..، لم يعد لديها سوى الماء والسكر طعاما ودواء له ، ما في البيت سواهما ، غسلت جراحه بالماء وجعلت تقطر الماء المحَلَى بالسكر في فمه وتتلو عليه آيات القرآن.
ظلت ترقبه في لهفة وقلق تمنت لو تعطيه عمرها كله لينهض سالما على قدميه بل نظرة من عينيه إو ابتسامة على شفتيه أو كلمة من لسانه تعدل عمرها كله ، فوَضت أمرها إلى الله وظلت ساهرة تنظر في وجهه.
قبيل الفجر نظر إليها فرجعت إليها روحها الشاردة أوشكت أن تضمه إلى صدرها لكنها تذكرت جسده المثخن بالجراح ، غمرت وجهه بالقبلات تروي ظمأها إليه ، أول كلمة قالها: أمّي ، كأنها تسمعه وتسمعها لأول مرة في حياتها أجملّ وأعذب كلمة عانقت أذنها .
- لا تخف..أنا بجانبك..أنت بخير.
فاضت دموعها فكفكتها بمنديلها وكظمت نوبة بكاء جاشت بصدرها أراد الكلام فوضعت أصبعها على شفتيه إشفاقا أن يجهد نفسه بالكلام لكنََه أبى .
- أمي لم افعل شيئا فقط كنت العب مع الصبيان
- أعرف ياولدي أعرف.
- بدا واهن الصوت وشعرت أنه عازم على الكلام فوافقته كارهة.
- أمي إختطفني الأميركان من الشارع وأخذوني إلى السجن سألوني عن أخي وعن المقاومة قلت لهم لا أعرف أقسمت لهم بالله لا أعرف لم يصدقوني لم يتوقفوا عن ضربي وتعذيبي وضعت أصبعها على فمه ليتوقف.
- استرح بني ثم سنتحدث في الصباح.
- فكوا العصابة عن عيني يا أمي ورأيت المهندس ماجد.
- ماجد؟!
- ماجد بن الصائغ شمعون زميل أخي بكلية الهندسة رأيته يا أمي يرتدي لباس الضباط الأميركان قلت له قل لهم إنني لا أعرف شيئا ، صرخ في وجهي قال: ستتكلم يا ابن... أنا ضابط السجن هنا.
لمّا شتم أبي غضبت ولا أذكر ما رددت به عليه لكنهم سرعان ما صعقوني بالكهرباء فأغمي عليَ فغمروني بالماء البارد حتى افقت .
قال لى ماجد شمعون:
- ترى ما أخبار عمتك دكتورة الفزياء؟
- قتلت الشهر الماضي على باب الجامعة.
- أعرف..أعلم أنها قتلت بثلاثين رصاصة.
قالها يا أمي ثم ضحك ضحكة طويلة .
أغمض عمر عينيه فظنت أنه نام وبعد برهة عاود الحديث .
- بالله عليك يا ولدي أسكت..نم واسترح لا تجهد نفسك بالكلام.
- أتعلمين أمي من وجدت هناك.. عمَي مقتدى الحكيم ناظر المدرسة الحسينية الذي سافر إلى أميركا منذ سنوات.
- يا الله وهل اعتقلوه هو أيضا؟
- كلا يا أمي كلا. لقد كان معهم مع الأميركان يساعدهم ساومني بالطعام وانا جائع ووعدني بالخروج من السجن وأن يعطيني كل يوم دولارا على أن أكون جاسوسا لهم فلما أبيت أرجعني إلى الجنود تارة أخرى كي يضربوني. أعرفت يا أمي؟
- نعم والله لقد عرفتهم يا بني.
أغمض عينيه مع انطفاء نور الشمعة وساد الظلام ، إعتصرت قلبها الهواجس فوضعت أذنها على قلبه فلم تسمع شيئا لقد مات.. ساعتئذ كان بها أكبر من الحزن وأعظم من الالم وأكبر من الغضب..عاصفة وزلزال وبركان.أكبر من أن تبكي أو تصرخ ومع ذلك خرجت صرخة رغما عنها ولم تدر لمَا لم تقل آه يا ولدي .. بل قالت آه ياعراق
تمت
| الإسم | عصام عز |
| عنوان التعليق | أدب واقعي |
| يكون الأدب مثمراً عندما يلامس الواقع وهذا ما عبر عنه الشيخ أبوبكر- سلمت يمينه- بعرضه لمحنة أهل السنة وما يتعرضون له باسلوب مؤثر من خلال هذه القصةالتي تتكررفصولها كل يوم على أرض العراق الذبيح.. فجزاه الله خيراً |
| الإسم | عصام |
| عنوان التعليق | رجاء خاص |
| أرجو من الشيخ كتابة القصة القصيرة التي تتكلم عن الموت وكيف يأخذ الإنسان من زوجته وأولاده قرأتها في المرابطون في سنة 90 وأظنها كانت بعنوان قراصنة البحر |
| الإسم | حازم |
| عنوان التعليق | مو قف اهل السنة بالعراق |
| جزاك اللة خيرا واللة قصة جميل وموثرة وتظهر حال المسلمين من الضعف وغدر اعداء اللةوحقدهم على اهل السنة وحسبنا اللة ونعم الوكيل فى الظالمين |
عودة الى قصة قصيرة
|