الثمــن
بقلم أ. حسين بسطاوي
سارت وخيوط الفجر الزرقاء تحاول محاولاتها الأولي الضعيفة للانتشار في ثوب الليل البهيم.. شاردة الذهن.. حائرة العينين.. كسيرة القلب.. جاوزت الأربعين سنة ورغم ذلك فقد عجزت عذابات السنين أن تنال نضرة وجهها الأبيض المشرق وبريق عينيها الموحيين بجمال غابر فتان.
الطريق قفر من كل شيء إلا همهمات تنبعث من حين لآخر من مسبح عائد من صلاة الفجر.. وأشباح عربات الكارو الواقفة على جانب الشارع الأيمن .. لم تشعر بوحشة فقد اعتادت السير في تلك الأجواء طيلة عشر سنوات.. كابدت خلالها مشاق السفر الشهري إلي طرة.. والعودة بتجهيز الرحلة التالية.
كانت تظن أن خروج ولدها من المعتقل سيكون النهاية لتلك المعاناة. لكنها كانت بداية لمعاناة جديدة .. خرج في زمرة العاجزين.. أكله السجن.. لم يبق منه إلا بقايا إنسان.. شبح صار يرتبط لديها بكل أشجان الدنيا وهمومها.
أخرجت من حافظتها الجلدية السوداء الأنيقة ورقة صغيرة (شيك) بعدد ستة ألاف جنية تعويضاً عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت به بسبب الاعتقال قرأتها بعناية ثم أعادتها ثانية إلي مكانها وعلى ثغرها ابتسامة شاحبة.
استقلت الأتوبيس (السوبر جيت) فقد اعتادت – رغم الظروف – أن تهين قرشها ولا تهين نفسها.. جلست على المقعد السابع بجوار النافذة المطلة على ترعة الإبراهيمية.
تحرك الأوتوبيس دهمتها الأفكار مختلطة بالأحزان صار عقلها نهباً لذكريات قديمة وأحلام غالية .. لم أكن أخرج من بيتي إلا للترفيه أو أداء الواجبات الاجتماعية.. سنشتري المطبخ لناصر من هذا الشيك.. آه لو كانت قيمته أكبر لاشتريت قطعة أرض بدلاً من تلك التي ضاعت في زخم الحياة وخضم متطلباتها.. متى تشفي يا علي لأفرح بك؟
حاولت أن تتأمل الطريق الزراعي الممتد على جانب الطريق فطاردتها صورة علي.. رأته وهو على كتفها يعبث بخصلات شعرها.. أحست بشفتيه وهما تمتصان اللبن من ثديها وهي تنظر إليه بعينين تقطران حناناً.. سمعت صوته وهو يصرخ أثناء حبوه على أرضية الصالة.
بدا على شفتيها مشروع ابتسامة لم يكتمل حين رأته يسير على قدميه معتمداً على ما حوله من أشياء وهو يطلب منها اللحمة التي كان منطقها (لمحّ).. طفرت من عينيها دمعة حين رأته وهو يساعدها في أعمال البيت.
سألت دموعها وهي تري مشهد الزيارة الأولي من وراء السلك المزدوج البغيض.. تقف هي على جانب منه وهو على جانب آخر.. يفصل بينهما قرابة مترين.. تراه وسط جموع هائلة.. شفتاه تتحركان ولا تسمع كلاماً.. ذات مرة طلب منها مرهم (كينا كومب) فأحضرت له محشي كرنب.. يبدو الجميع كأنهم في هتاف مستمر أثناء مباراة لكرة القدم.
لم تشعر بمرور الساعات الأربع إلا حين توقف الأتوبيس في محطة انتظاره بقلب العاصمة.. نزلت على مهل.. سارت بتؤدة وعيناها زائغتان تبحثان عن البنك.. سألت أول مار بها.. شرح لها الطريق المعقد.. شعرت أن حياتها سلسلة من حلقات الشقاء الأبدي.. لم تحتمل فكرة السير وسط جموع القاهرة الهائلة.. استقلت سيارة أجرة قطعت بها شوارع القاهرة حتى ميدان (سفنكس).
سلمت السائق خمسة جنيهات.. أشار لها ناحية البنك.. أحست براحة حين طالعت اللافتة .. انتظرت قليلاً حتى هدأ تيار السيارات المتدفقة ثم عبرت الشارع.
دلفت إلي البنك.. وقفت وسط ردهة فارهة تنتظم حولها المكاتب.. راحت تنقل عينيها بين اللافتات .. المدير العام.. مدير الحسابات.. الشئون الإدارية .. توقفت عيناها على منفذ الصرف.. توجهت إليه بطريقة آلية.. واجهها شاب يافع أبيض البشرة واسع العينين تبدو عليه أمارات النشاط
صباح الخير
صباح النور
قدمت إليه الشيك.. نظر إليها لحظة ثم ابتسم.. انقبض قلبها.. وضع رزمة من المال في آلة مثبتة في الحائط أنبعث منها أزير لبرهة ثم توقف.. انتزع المبلغ وقدمه إليها وبسمته لا تزال مرسومة على شفتيه.. أخذت المبلغ وعبثاً حاولت أن تبتسم.. سارت قليلاً ثم توقفت فجأة بجوار الباب.. وجلست القرفصاء ثم أجهشت بالبكاء قائلة.
أهذا ثمن عمرك يا ولدي؟!!!!
| الإسم | أبو أسامة |
| عنوان التعليق | القاص الجيد |
| الأستاذ الأديب القاص / حسين بسطاوي .. لن أطيل في مدح قصتك الرائعة فهي ـ كسائر إبداعك الرفيع ـ في غنى عن المدح ؛ ولكن أنوه إلى إنها قدأثرت في بعد قراءتها إلى حد البكاء ؛ لذلك أهيب بك أن تسير على الدرب ، ولا تلتفت إلى أولئك الذين يدعون الحداثة ويجعلون من الأدب طلسمات يقتصر فهمها ـ أو فك شفراتها على حد تعبيرهم ـ على نخبة المتخصصين ؛ فالأدب أيها الصديق الغالي لا يكون أدبا ـ حسبما أرى ـ إلا بتوفر شرطين : الأول : أن يتفاعل مع هموم الواقع الذي يحياه الأديب ، والثاني أن يتفاعل معه القارئ ويتواصل مع ما يطرحه من معاني وهذا ما وجدته في قصتك الجميلة. وعليه أقول لك سر على الدرب ولا تلتفت لمقولات هادمي الأدب الذين أفرغوه مما يمت إلى الأدب بصلة . |
| الإسم | أبو عبده |
| عنوان التعليق | ليس هذا الثمن |
| أخي هل أمهاتنا بهذه السذاجة ولا تنتظر الثمن الغالي من الله (( ألا إن سلعة الله غالية)) |
| الإسم | |
| عنوان التعليق | فاضت عيناى |
| فاضت عيناى لهذا الرقيق المعبر |
| الإسم | صديق |
| عنوان التعليق | ذنب من |
| الحبيب البسطاوى:
كم استمتعت والقراء بكتاباتك فرحماك بنا من الذكريات المؤلمه
|
| الإسم | معتز محمد |
| عنوان التعليق | لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين |
| السلام عليكم يا اخى فى الله يا استاذ حسين بسطاوى اعانك الله ورحمك وادخل جنه الفردوس ان شاء الله ونشكرك على مقالاتك الجميله العظيمه يا مبدع يا عبقرى والى الامام ووفقق الله والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته اخوك معتز محمد |
| الإسم | اخوك فى الله معتز محمد |
| عنوان التعليق | اللهم حب من احببت وبارك فيه واحفظه ونجيه اللهم امين |
| السلام عليكم
اللهم يعطيك ولا يحرمك من التمتع بى نور الله والجلوس مع رسول الله كما امتعتناااا اللهم امين اخى فى الله أ/ حسين بسطاوى |
عودة الى قصة قصيرة
|