وجهها الحزين.. بقلم / هشام النجار
في كل زيارة كانت تكرر على مسامعي: ( إن شاء الله ها تطلع، وهاتبقى أحسن من الأول)!
كانت لا تمل من تذكيري بمكانتي ، ومقامي الرفيع وسط أهل الحي.
وكنت أضحك من هول المفارقة؛ إنها لا تزال تنظر إلى ذلك البطل الذي كان، لازلت في نظرها ذلك الزوج القوى الثرى صاحب الوجاهة والمكانة الاجتماعية!
كنت أشفق عليها وعلى نفسي من تذكر الماضي والحنين إليه.
علمتني جدران الزنزانة دروسا في فنون الصمت والكبت والنسيان والدوران مع الأحداث والتأقلم مع الواقع الجديد والرضا به.
كان سلاحي الوحيد طوال سنوات الاعتقال في وجه حملات الإهانة والاحتقار، هو أن أفقد ذاكرتي وأنسى تاريخي وأتلبس بشخص جديد لين مستسلم مستكين، مختلف تماما ً عن ذلك الشخص العزيز العنيد الذي كنته!
لا أحد يذكرني بذلك الشخص الذي كنته إلا هي؛ كانت تقول لي وعيناها تلمعان بالأماني والأحلام: (عايزاك تخرج عزيز، مرفوع الرأس، وعايزة أسمع كلام الناس عنك.. وآجى أحكيهولك زى زمان)!
كنت أرد عليها بابتسامة شاردة .. صامتا ً .. مصدوما ً بالماضي الذي تفاجئني في كل زيارة بعرضه على ذاكرتي المشلولة ، وسرعان ما تنساب من عيني دمعة ساخنة أشعر بلهيبها على خدي .
اليوم، مر عامان على خروجي، كانت هي قد باعت كل شيء دون أن تخبرني، ذهبها وسيارتي وقطعة الأرض والمحل والشقة والأدوات الكهربائية.. حتى بدلي وأحذيتي الثمينة.
استأجرت شقة صغيرة بنفس الحي، وعملت لدى صاحب المحل الذي كان في يوم من الأيام ملكي.
سددت جوعها وجوع أولادي ، وأثبت لنفسي ولها في وقت قصير أنني لازلت موجودا ، وأن الفقر لن يكسرني، وأنني جدير بكلمة ( أبى ) التي يناديني بها أولادي .
كانت هي كعادتها القديمة تستقبلني آخر النهار على الدرج قبل أن أصل إلى باب الشقة ، وتلتقط ما في يدي من أكياس ، وتأخذ بيدي ، وتجلسني على الأريكة ، وتدلك قدماي وكتفي .
كانت كعادتها تشجعني على العمل والبذل والصبر من أجل توفير حياة كريمة لنا، ولتأمين مستقبل أولادنا.
وكعادتها كانت تجلس تحدثني عن أخبار الحي وأهله، وما يحدث بينهم.
ولكنها لم تعد تكرر على مسامعي ما يقوله أهل الحي عنى وعن مكانتي وثرائي ومقامي وقدري بين الناس .
ولم أعد ألحظ تلك الفرحة التي كانت تقفز من عينيها قديما أثناء حديثها عنى.
أعجز عن سؤالها اليوم عن سبب حزنها .
تحررت ذاكرتي وصرت أستمتع بالحنين إلى الماضي الجميل.
وعندما أقارن بين ذلك الشخص الذي كنته وأنا، أعذرها وأشفق عليها وأتعاطف مع الحزن الذي يكسو ملامح وجهها .
عودة الى قصة قصيرة
|