|
الجوهرة...
(مسرحية ذات فصل واحد)
بقلم / أبو بكر عثمان
يرفع الستار عن باب عظيم جداً يكاد جزء من مصرع هذا الباب يملأ المسرح..
وسط المسرح جلس عبد أسود وظهره للباب مسنداً رأسه على راحة يده اليسرى مرتكزاً بذراعه على فخذه الأيسر وطأطأ رأسه إلى الأرض..
أمسك عوداً وجعل ينكت به في الأرض تارة ويخط به تارة أخرى في حزن وتوتر.. يدخل إلى المسرح عبد عجوز يلتفت إلى الجالس في وسط المسرح فيتجه نحوه ويقف إلى جواره مباشرة ويظل واقفاً لبرهة ليست بالقصيرة والرجل الجالس يتجاهله ولا يكترث لوجود العجوز..
في صوت هادئ.. السلام عليكم – (الرجل الجالس لا يرد عليه)..
العجوز: يا هذا قلنا السلام عليكم..
العبد الجالس: يرفع رأسه ويخفضها ثانية.. وعليكم السلام..
العجوز: ما لي أراك مبتئساً.. أقامت القيامة؟
الجالس : قامت أم لم تقم.. ما شأنك بي.. إليك عني دعني وشأني..
يجلس العجوز إلى جواره.. يمسح بيده على رأسه ثم يضع يده على كتف الشاب..
العجوز: أي بني أقلقتني.. ما بك؟
العبد الشاب: في لهجة تبرم لا شيء.. لا شيء..
العجوز: يا بني أما تراني في منزلة الوالد؟ أو صديقاً.. روح عن نفسك قل لي ما بك؟
الشاب: أما علمت ما حدث لي أمس؟
العجوز: ينظر في صمت واهتمام وترقب..!
الشاب: مولانا الملك بالأمس أرسل جنوده سلبوا مني جوهرتي..
العجوز: (وهو يبتسم): تقول أخذوا جوهرتك؟!
العبد الشاب: نعم أخذوا جوهرتي..
العجوز: يقهقه.. ساخراً..
الشاب: ينظر إليه في غضب: بالله ما يضحكك؟
العجوز: يتوقف عن الضحك ويبدو عليه الجد..
العجوز: يا هذا إنك كذاب..
الشاب: (غاضباً) كاذباً أنا؟ والله لولا تقدم سنك لنالك مني ما لا يحمد..
الشاب: (في حدة).. نعم أخذوا جوهرتي بالأمس..
العجوز: ومن أين لك أيها العبد المعدوم بالجوهرة؟
الشاب: وهبنيها مولاي الملك منذ سنين..
العجوز: أرأيت ها أنت ذا تشهد على نفسك بنفسك إذاً هي محض هبة وعطاء مولانا الملك.. يا بني هل يملك العبد شيئاً.. العبد لا ملك له.. العبد وماله ملك لسيده..
الشاب: (وقد هدأ إلى حد ما).. يا شيخ لكني لا أنكر أني وما ملكت ملك لمولانا الملك .. كلا أنا لا أنكر ذلك..
العجوز: لسان حالك يكذب مقالك.. كيف لا وأنا أراك حزيناً مزمجراً متبرماً على أخذ الجوهرة عجيب منك أن تغضب وتحزن لما أخذ صاحب الوديعة وديعته.. كيف تغضب وقد استرد صاحب العارية عاريته.. بني.. نحن معشر العبيد لا ملك لنا.. كل ما لدينا عوار.. لا يجوز لنا أن نحزن على رد أمانة أو نبتئس لاسترداد عارية..
الشاب: لكني يا عم كنت دوما ولم أزل في خدمة مولاي وطاعته راعياً لأوامره وفياً لعهده مخلصاً في محبته.. فهل بعد عظيم إخلاصي وطول خدمتي ودوام طاعتي وصدق محبتي والبقاء على عهدي.. أبعد كل ذلك يكون ما كان.. هل أنتظر المكافأة أم أفجع بالعقاب..
العجوز: يا لك من جاهل أحمق كفور..
الشاب: يحاول النهوض وقد بدا عليه الغضب..
الشاب: أيها العجوز لا هم لك اليوم سوى إهانتي.. إني...
العجوز: يجذبه بشدة فيرتد إلى مكانه...
العجوز: يا بني إن الدواء مر لكن حلاوة العافية وسلامة العافية تغفر مرارته فاصبر ولا تضجر.. عساك تفوز وتسلم..
الشاب: لا لم أنس.. كيف لي..
( يقاطعه).. العجوز: ألا تريد أن توجب على مولاك الملك أن يكافئك ويعطيك ما دمت مخلصاً طائعاً وكأن ذلك حقاً لك.. واجباً على مولاك.. وكأنك لا تعلم أن للملك أن يفعل ما يشاء لعبده وبعبده.. فإن أعطى فهو إحسانه لعبده وإن أخذ أو منعه فشأنه وملكه... ترى هل ظلمتك لما قلت أنك جاهل..
الشاب: يا عم لماذا لا تتلطف في حديثك؟ حرى بك ألا تجمع علي مرارة النصيحة وفظاظة الناصح..
العجوز: مبتسماً بني ألا تعلم أن القسوة أحياناً تكون أفضل من الراحة؟ ألم تسمع قول الشاعر..
قسا ليزدجروا ومن يك حازماً .. فليقس أحياناً على من يرحم
الشاب: لكن يا عم القسوة بقدرها وفى موضعها..
العجوز: صدقت يا بني غير أني رجل أحده الهرم فلا يلجئنك خطأ الناصح إلى رد النصيحة فلك نصحه وعليه خطؤه... (صمت)
العجوز : لنعد إلى حديث الجوهرة
الشاب : ما تشاء يا عم
العجوز : قص علي إذن ما صنعت مع جوهرتك في سنواتك السابقة
الشاب: الحقيقة يا عم كنت سعيداً بالجوهرة أيما سعادة.. دهشاً بشكلها البديع.. فرحاً بمعدنها القيم الثمين.. كانت أمامي أتأملها صباح مساء أطيل فيها النظر والفكر... لكن يا عم لم أكن أبداً مقصراً في خدمة مولانا الملك أو تلبية ندائه كلما دعاني سارعت إلى لقائه لكنني في الأيام القلية الماضية كنت أتأخر قليلاً جداً في تلبية النداء وأحياناً ألقى مولانا بقلب مشتت مشغولا بشأن الجوهرة..
العجوز: أرأيت إلى حكمة مولانا الملك ؟
الشاب: نعم أشهد.. ولكني لم أفهم ففسر لي يا عم..
العجوز: أعطاك مولانا ليمتحنك فيما أعطي وكيف يفعل بك العطاء ولكن بالحماقة العبد شغل قلبك بالعطية عن المعطي فرحمك بسلب العطية كي لا تتمادى في غفلتك وأدخلك في امتحان جديد..
الشاب: امتحان جديد؟
العجوز: امتحان جديد فكما امتحن صدق عبوديتك له في المنح والعطاء يمتحن اليوم حقيقة عبوديتك عند السلب والمنع فإن كانت نفسك خذلتك في ابتلاء المنح والعطاء فلا يفوتنك المقاربة والسداد في ابتلاء السلب والمنع..
الشاب: ولكن كيف يا عم.. أين السبيل؟
العجوز: أيسر سبيل وأسرع سبيل وأعظم سبيل هو يا بني سبيل المحبة..
الشاب: أحسبك يا عم متشكك في حبي وولائي لمولانا الملك؟
العجوز: يعتدل في جلسته ويبدو على وجهه الجد ويعلو صوته قليلاً.. اسمع يا هذا.. الأمور العظام لا تنال بالدعاوى والأماني لكن تصدق الدعاوى بالعمل والتلبس بالأحوال (يبدو على وجه الشاب بعض الحيرة)..
العجوز: إن كنت لم تفهم فلي عندك سؤال..
الشاب: سل ما شئت يا عم..
العجوز: هل أعطاك شيئاً قبل الجوهرة؟
الشاب: ماذا تقول يا شيخ؟ لقد أعطاني وأعطاني الكثير والكثير... أعطاني ما لا يحصى..
العجوز: فكيف تزعم إذن محبته وتذكر له السلب حين يكون مرة.. وتنسى له من العطايا ما لا يحصى.. لو صدق حبك ما أثر فيك منع ولا عطاء.. ولا أخذ ولا بقاء.. وأحسبك تتعلق بالنعمة وتنسى المنعم.. وترغب في العطية وتغفل عن المعطي.. وتراقب الهبة وتعرض عن الواهب.. أو تزعم ذاك حباً أي حب هذا؟
الشاب: فكيف يكون إذن؟
العجوز: تحبه لذاته وصفاته ثم بعد ذلك لنعمه وآلائه فلا تعلق حبك على منح وإبقاء ولا على منع وإفناء..
الشاب: يا عم تشعب الأمر علي.. وتشتت الفكر.. ألا أوجزت وأفهمت..
العجوز: أي بني إذا اشتد بك الأمر وعصفت بك النوائب وتتابعت عليك الخطوب.. فليكن حصنك حسن الظن بمولاك.. فإنما يمنعك ليعطيك.. ويقصيك ليدنيك.. ويخفضك ليعليك.. ويبتليك ليجتبيك.. (فترة صمت)
العجوز: هل عقلت ما قلت؟
الشاب: أظن ذلك يا عم (يهب العجوز واقفاً)..
العجوز: هيا بنا الآن..
الشاب: إلى أين يا عم..
العجوز: أتريد أن تظل هكذا مولياً ظهرك للباب هيا قم وانهض.. هيا بنا إلى باب الملك الذي لا يغلق أبداً.. المفتوح لكل طائع وآبق.. ندعو ونشكو.. نبكي ونثني.. حباً وذلاً.. خوفاً وطمعاً عسآه أن يعفو ويرضى..
يتحركان في سكينة إلى خارج المسرح ويسمع صوت نشيجهما والنور يغمر المكان..
(ستــــــــار)
تمـــت
عودة الى قصة قصيرة
|