|
ثبوت الهلال رؤية شرعية معاصرة بقلم/ أحمد زكريا
لا أجد في اختلاف آراء علماء الشريعة المعاصرين اختلافا ً يدعو إلى الاستغراب.. بل إلى الدهشة أكثر من اختلافهم في جواز الاعتماد شرعا ً على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية .. في عصر ارتاد علماؤه آفاق الفضاء الكوني.. وأصبح من أصغر إنجازاتهم النزول على القمر .. ثم وضع أقمار صناعية في مدارات فلكية محددة حول الأرض لأغراض شتى علمية وعسكرية تجسسية.. ثم القيام برحلات فضائية متنوعة الأهداف والخروج من مراكبها للسياحة في الفضاء خارج الغلاف الجوي الذي يغلف الأرض وخارج نطاق الجاذبية الأرضية.. وسحب بعض الأقمار الصناعية الدوارة لإصلاح ما يطرأ عليها من اختلال وهي في الفضاء.. ولتصحيح مدارها إذا انحرفت عنه.
وإذا كان الرصد الفلكي وحساباته في الزمن الماضي لم يكن له من الدقة والصدق ما يكفي للثقة به والتعويل عليه.
فهل يصح أن ينسحب ذلك الحكم عليه إلى يومنا هذا؟
ولعل قائلا ً يقول:
إن عدم قبول الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية ليبنى عليه ما يتعلق بها من عبادات في الإسلام.. ليس سببه الشك في صحة الحساب الفلكي ودقته.. وإنما سببه أن الشريعة الإسلامية بلسان رسولها - صلى الله عليه وسلم - قد ربطت ميلاد الأهلة وحلول الشهور القمرية بالرؤية البصرية.. وذلك بقوله (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الثابت المشهور عن ابن عمر (رضي الله عنهما) :
" صوموا لرؤيته - أي الهلال - وأفطروا لرؤيته.. فإذا غم عليكم فاقدروا له "
وفي رواية ثابتة أيضا: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ".. وقد أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم: "فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين".. وهي تفسير معنى التقدير الوارد في الرواية الأولى.
وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه:
"إذا رأيتم الهلال فصوموا .. وإذا رأيتموه فأفطروا .. فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما ً".
فجميع الروايات الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشأن قد ربط فيها الصوم والإفطار برؤية الهلال الجديد.
والقدر أو التقدير الوارد عندما تمتنع الرؤية البصرية لعارض يحجبها من غيم أو ضباب.. أو مانع آخر معناه إكمال الشهر القائم - شعبان أو رمضان - ثلاثين يوما.. فلا يحكم بأنه تسع وعشرون إلا بالرؤية وهذا من شئون العبادات التي تبنى فيها الأحكام على النص تعبدا دون نظر إلى العلل.. ولا إعمال للأقيسة.
هذه حجة من لا يقبلون الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية لأجل العبادات المرتبطة شرعا بها ولو بلغ الحساب الفلكي من الصحة والدقة مبلغ اليقين بتقدم علمه ووسائله.
ونقول نحن بدورنا إن كل ذلك مسلم به لدينا.. وهو معروف في قواعد الشريعة وأصول فقهها بشأن العبادات ولا مجال للجدل فيه.
ولكنه مفروض في النصوص التي تلقى إلينا مطلقة غير معللة.. فأما إذا ورد النص نفسه معللا بعلة جاءت معه من مصدره .. فإن الأمر حينئذ يختلف ويكون للعلة تأثيرها في فهم النص وارتباط الحكم بها وجوداً وعدماً في التطبيق.. ولو كان الموضوع من صميم العبادات.
ويقول الشيخ مصطفى الزرقاء تلخيصا ً لرأيه في هذا الموضوع الشائك -وهو من أكابر علماء العصر.. الرأي الذي أراه هذا الموضوع يتضح من مجموع ما تقدم بيانه ما يلي:
أن النظر إلى جميع الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في هذا الموضوع وربط بعضها ببعض وكلها واردة في الصوم والإفطار.. يبرز العلة السببية في أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يعتمد المسلمون في بداية الشهر ونهايته رؤية الهلال بالبصر لبداية شهر الصوم ونهايته.
ويبين أن العلة هي كونهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.. أي ليس لديهم علم وحساب يعرفون به متى يبدأ الشهر ومتى ينتهي.. ما دام الشهر القمري يكون تارة تسعة وعشرين يوما وتارة ثلاثين.
وهذا يدل بمفهومه أنه لو توافر العلم بالنظام الفلكي المحكم الذي أقامه الله تعالى بصورة لا تختلف ولا تتخلف.. وأصبح هذا العلم يوصلنا إلى معرفة يقينية بمواعيد ميلاد الهلال في كل شهر وفي أي وقت تمكن رؤيته بالعين الباصرة السليمة.. إذا انتفت العوارض الجوية التي قد تحجب الرؤية.
فحينئذ لا يوجد مانع شرعي من اعتماد هذا الحساب والخروج بالمسلمين من مشكلة إثبات الهلال .
ومن الفوضى التي أصبحت مخجلة بل مذهلة .. حيث يبلغ فرق الإثبات للصوم والإفطار بين مختلف الأقطار الإسلامية ثلاثة أيام.
كما حصل في هذا العام وفي معظم الأعوام الماضية .. أن الفقهاء الأوائل الذين نصوا على عدم جواز اعتماد الحساب في تحديد بداية الشهر القمري للصوم والإفطار بديلا من الرؤية البصرية.. وسموه حساب التسيير.. قالوا إنه قائم على قانون التعديل وهو ظني مبني على الحدس والتخمين
"كما نقلناه عن العلامة ابن حجر وابن بطال وابن بزيزة والنووي والسندي والعيني والقسطلاني"
قد بنوا على حالة هذا الحساب الذي كان في زمنهم.. حيث لم يكن في وقتهم علم الفلك الذي كان يسمى علم الهيئة وعلم النجوم أو علم التسيير أو التنجيم قائما ً على رصد دقيق بوسائل محكمة.
إذ لم يكن آنذاك المراصد المجهزة بالمكبرات من العدسات الزجاجية التي تقرب الأبعاد الشاسعة التي يصعب على العقل تصورها والتي تتبع حركات الكواكب والنجوم وتسجلها بأجزاء من الثانية الواحدة وتقارن بين دورتها بهذه الدقة.
ولذا سموه بالتسيير الذي يقوم على قانون التعديل .. حيث يأخذ المنجم الذي يحسب سير الكواكب عددا ً من المواقيت السابقة ويقوم بتعديلها بأخذ الوسطى منها ويبني عليه حسابه .. وهذا معنى قانون التعديل كما يشعر به كلامهم نفسه.
من هنا كان حسابهم حدسيا ً وتخمينيا ً كما وصفه أولئك الفقهاء الذين نفوا جواز الاعتماد عليه.
وإن كان بعضهم كالإمام النووي صرح بجواز اعتماد حسابهم لتحديد جهة القبلة ومواقيت الصلاة دون الصوم.. مع أن الصلاة في حكم الإسلام أعظم خطورة من الصوم بإجماع الفقهاء وأشد وجوبا ً وتأكيدا ً.
كما نقلنا آنفا كلام ابن بطال بأن لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عيانا أو كالعيان.
أن الفقهاء الأوائل واجهوا أيضا ً مشكلة خطيرة في عصرهم وهي الارتباط الوثيق حينئذ بين العرافة والتنجيم والكهانة والسحر من جهة وبين حساب النجوم. "بمعنى علم الفلك" من جهة أخرى.
فيبدو أن كثيرا ً من حساب النجوم كانوا أيضا يشتغلون بتلك الأمور الباطلة التي نهت عنها الشريعة أشد النهى.. فكان للقول باعتماد الحساب في الأهلة مفسدتان:
الأولى:- أنه ظني من باب الحدس والتخمين لا يعقل أن تترك به الرؤية بالعين الباصرة .. رغم ما قد يعتريها من عوارض واشتباهات.
والثانية:- وهي الأشد خطورة والأدهى هي انسياق الناس إلى التعويل على أولئك المنجمين والعرافين الذين يحترفون الضحك على عقول الناس بأكاذيبهم وترهاتهم وشعوذتهم.
وهذه المفسدة الثانية هي التفسير لهذا النكير الشديد الذي أطلقه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - على من يلجئون إلى الحساب حساب النجوم في أهلال الأهلة بدلا من الرؤية واعتبارهم من قبيل العرافين والذين يربطون أحداث الأرض وطوالع الناس وحظوظهم بحركات النجوم.. وسموا من أجل ذلك بالمنجمين.. وأتى بشاهد على ذلك الحديث النبوي الآنف الذكر وهو قوله عليه الصلاة والسلام:
"من اقتبس شعبة من النجوم.. فقد اقتبس شعبة من السحر".
فلا يعقل أن ينهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن علم يبين نظام الكون وقدرة الله تعالى وحكمته وعلمه المحيط في إقامة الكون على نظام دقيق لا يختل.. ويدخل في قوله تعالى في قرآنه العظيم
" قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ".
فليس لهذا الحديث النبوي محمل إلا على تلك الشعوذات والأمور الباطلة التي خلط أولئك المنجمون بينها وبين الحساب الفلكي.. رغم أنه لم يكن قد نضج وبلغ في ذلك والوقت مرتبة العلم والثقة.
أما اليوم في عصرنا هذا الذي انفصل فيه منذ زمن طويل علم الفلك بمعناه الصحيح عن التنجيم بمعناه العرفي من الشعوذة والكهانة واستطلاع الحظوظ من زعم حركات النجوم.. وأصبح علم الفلك قائما ً على أسس من الرصد بالمراصد الحديثة والحسابات الدقيقة المتيقنة التي تحدد حركات الكواكب بأجزاء من الثانية.. وأقيمت بناء عينه في الفضاء حول الأرض محطات ثابتة تستقبل مركبات تدور حول الأرض الخ.
فهل يمكن أن يشك بعد ذلك بصحته ويقين حساباته.. وأن يقاس على ما كان عليه من البساطة والظنية؟
ملاحظة مهمة:
نقلنا سابقا ً أن العلامة ابن حجر - رحمه الله - في فتح الباري عندما بين أن حساب التسيير أي علم النجوم وسيرها.. لا يعول عليه في الحكم ببدايات الشهور القمرية لأنه ظني قائم على الحدس والتخمين.
قال بعد ذلك:
"علق الشارع الحكم بالصوم وغيره بالرؤية .. لرفع الحرج عنهم واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك... بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا".
فنقول:
إن رأينا اليوم بجواز اعتماد الحساب الفلكي ليس معناه "تعليق الحكم في الصيام وغيره بهذا الحساب أصلا ً" .. بل إننا نقول بأن حكم الشريعة باعتماد الرؤية البصرية باق إلى يوم الدين على أنه هو الأصل.
ذلك لأن الشرع الإسلامي الأخير الخالد لا يمكن أن يربط حكما ً شرعيا ً بأمور تتوقف على علم قد يوجد وقد لا يوجد.
وقد تفقد قواعده وعلماؤه بعد الوجود.. فمن يتصور هذا التصور يكون من أجهل الجاهلين بخطة الإسلام ونهجه في بناء الأحكام.
وإنما مرادنا بإمكان اعتماد الحساب الفلكي اليوم هو أنه جائز لا مانع منه شرعا - بعد أن وصل علم الفلك إلى ما وصل إليه من الدقة المدهشة واليقينية – طريقا ً مقبولا ً لا يحقق ما تحققه الرؤية.. بصورة أيسر وأبعد عن الخطأ مع بقاء الرؤية هي الأصل.
بمعنى أنه إذا فقد هذا العلم بسبب عام أو في بعض البلاد بقيت الرؤية مستندا في الحكم.
فكثيرا ً ما يمكن في الشرع اللجوء إلى بديل عن أصل مع بقاء ذلك الأصل.
ومن أمثلة ذلك أن الأصل أن يكون الإنسان ملتزما بنتائج ما بصدر عنه من تصرفات باشرها بنفسه.. فيما يتعلق بحقوقه والتزاماته .. ولكن تقبل الوكالة بديلا ً من تصرفه بنفسه للحاجة مع بقاء الأصل وهكذا في كثير من الأحكام الشرعية .
فتصور أن قبول الحساب الفلكي في موضوعنا يستلزم أن يكون ذلك هو الأصل في حكم الصوم والإفطار دون الرؤية خلافا ً للحديث النبوي هو تصور غير وارد.
إن هذا الحديث النبوي الشريف الآنف الذكر ليس هو النص الوحيد في الموضوع.. بل هناك روايات أخرى ثابتة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - توضح علة أمره باعتماد رؤية الهلال البصرية للعلم بانقضاء الشهر القائم.. وحلول الشهر الجديد الذي نيطت به التكاليف والأحكام، من صيام وغيره.
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمه - رضي الله عنها - في كتاب الصيام من صحيحه باب "الصوم لرؤية الهلال" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما ً " .
وأخرج أيضا ً بعده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب.. والشهر هكذا وهكذا وهكذا.. وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين "
ومفاد هذا الحديث أنه - عليه الصلاة والسلام - أشار أولا ً بكلتا يديه وبأصابعه العشر ثلاث مرات.. وطوي في الثالثة إبهامه على راحته لتبقى الأصابع فيها تسعا وعشرين وتارة ثلاثين.
هكذا نقل النسائي تفسير هذا الحديث عن شعبة عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر "رواه النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي ج 4 ص / 138 و 140".
خلاصة القول:
لا بد أن نذكر هنا أن أي حل لبداية الشهور العربية يجب أن يتوافق مع الشريعة الإسلامية السمحة.. وأننا عندنا نتبنى الرأي القائل بجواز الاعتماد على الحسابات الفلكية ليس معناه تعليق الحكم في الصوم وغيره بهذا الحساب أصلا.
بل إننا نقول بأن حكم الشريعة باعتماد الرؤية البصرية باق إلى يوم الدين.
علمًا بأنه هو الأصل.. ذلك لأن الشرع الإسلامي لا يمكن أن يربط حكمًا شرعيًا بأمور تتوقف على علم قد يوجد وقد لا يوجد .. وقد نفقد قواعده وعلماءه يومًا ما.. وإنما مرادنا بإمكان الاعتماد على الحساب الفلكي اليوم.
هو أنه جائز ولا مانع شرعًا بعد أن وصل علم الفلك إلى ما وصل إليه من الدقة المدهشة واليقين المدعم بالشواهد والبراهين.
وبذلك فنحن نعتقد بأن الحسابات الفلكية تحقق ما تحققه الرؤية البصرية بصورة أيسر وأبعد عن الخطأ مع بقاء الرؤية هي الأصل.. بمعنى أنه إذا فقد هذا العلم بقيت الرؤية مستندًا في الحكم.
وقد بنينا هذا الرأي على الأسس الآتية:
أن العالم الإسلامي بأسره اليوم يأخذ بالحسابات الفلكية في الصلاة والتي هي ثاني ركن من أركان الإسلام بعد الشهادة.
ولا أحد يذهب ليرى هل ظهر الشفق؟.
أو هل زال الظل؟.
أو هل أصبح طول الظل ضعف طول الجسم الأصلي؟.
بل ولا أحد ينظر هل غابت الشمس ليعلن دخول وقت المغرب؟.
بل إن الجميع ينظر إلى التقويم ويأخذ منه الوقت .. وهذا محسوب بالحسابات الفلكية التي تحقق الأحكام الشرعية الأصلية في المواقيت.
أما من لا تتوفر لديه تلك التقاويم يعود ويطبق تلك الأحكام.
أن الكثير من نصوص القرآن الكريم تدعو الناس للتفكر في خلق الله تعالى وبالأخص للتفكر في الكون فقال تعالى
" الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ "
وقال تعالى:
" هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ "
وقال تعالى:
" فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ "
فهذه الآيات تدل على أن حركة الأفلاك حركة دقيقة ثابتة لا تختلف عبر العصور.. فهي تسير على نسق منتظم.. فكان انتظار دوران القمر والأرض حول الشمس سبيلًا لتحديد السنوات والحساب.
وجاء أيضًا في القرآن الكريم
" فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ "
وفسر البعض "شهد" على أنها علم.. أي علم بحلول الشهر.
ومن جهة أخرى فإن أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) أتت بعدة صور وروايات .. وقد استنبط بعض العلماء إمكانية الرخصة ومما جاء في قوله (صلى الله عليه وسلم) :
"صوموا لرؤيته.. وأفطروا لرؤيته "
وفي رواية:
" صوموا لرؤيته.. وأفطروا لرؤيته.. وإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا "
وفي رواية:
" صوموا لرؤيته.. وأفطروا لرؤيته.. وإن غم عليكم فاقدروا له " .
ففي الرواية الأخيرة:
" فاقدروا له "
وأحد صور التقدير تكون بالحساب .. وكانت الرؤية البصرية مطلوبة في ذلك الحين لعدم توفر الحسابات الفلكية .. حيث قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) " نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب.. الشهر هكذا وهكذا.. "إلى نهاية الحديث.
وربط الكتابة والحساب بالشهور دليلاً على إمكانية استخدام الحساب في تحديد الشهور إذا توفر ذلك العلم.. وأن الرؤية البصرية خاصة بتلك الفترات التي لا يتوفر بها علم الحساب .. والله أعلم.
لقد كان لعامة سكان الجزيرة العربية خبرة ودراية في الكواكب والنجوم والقمر.. حيث كان الاعتماد كبيرًا عليها لمعرفة الاتجاهات والوقت والشهور.
وكذلك كان الجو خاليًا من الملوثات التي تمنع الرؤية كالدخان والإضاءة العالية.
ولكن في زمننا هذا فإن عامة الناس لا يعرفون إلا القليل عن القمر والكواكب والنجوم .. وحتى المهتم منهم في هذا العلم لا بد له من السفر بعيدًا عن إضاءة المدينة ودخانها حتى يتسنى له رؤية السماء بوضوح.
ولذلك نرى الاختلافات الكثيرة التي تحصل بين البلدان عند تحديد بداية الشهور والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى عدة أيام.
من المعلوم أن الأحكام الدينية تنقسم إلى قسمين هما:
المقاصد.
والوسائل.
فصوم رمضان.. والإفطار في أول يوم من شوال.. والوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة يمثل المقاصد.
أما تثبيت المناهج والأصول المتعلقة بتحديد أوقات هذه العبادات تمثل الوسائل.. وأن الأحكام الدينية التي تمثل الوسائل يمكن أن تتبدل بتبدل الأزمان والأحوال.. لأنها ليست مقاصد بالذات .. بل هي وسائل للوصول للغايات المقصودة.
قال الفقهاء:
"إن الأحكام الشرعية ترتبط بالعلل والأسباب.. فإذا ما ثبتت العلة ثبت الحكم .. وإذا زالت زال الحكم تبعًا لها".
والأمثلة على ذلك كثيرة.. فعلى سبيل المثال نذكر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.. قال (صلى الله عليه وسلم):
"لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن .. فمن كتب شيئًا غير القرآن فليمحه "
وذلك خوفًا منه (صلى الله عليه وسلم) أن تختلط الأحاديث بالقرآن الكريم.. وعندما دونت المصاحف وانتشرت زالت الأسباب المانعة من كتابة الأحاديث.
فأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة.. بل واعتبر كتابة الأحاديث واجبة لصونها من الضياع.
فالأحكام التي تبنى على سبب خاص وتقوم على حالة معينة تزول لسبب وتستمر بدوام السبب والعلة.
والسبب في اتخاذ الفقهاء الرؤية البصرية أساسًا لتحديد أوائل الشهور القمرية.. مستدلين من قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
"إذا رأيتم الهلال فصوموا"
لعدم كفاية علم الفلك بتثبيت أوائل الشهور في ذلك العهد.
وقد صرحت هذه العلة في الحديث النبوي الشريف
" إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب... ".
أما اليوم فبات بالمستطاع حساب أدق حركة للقمر على وجه اليقين .. وأصبح بالإمكان أيضًا تحديد وقت ومكان ميلاد الهلال.
علم الفلك وكيفية تحديد الشهور العربية:
مما يؤسف له أن يعتقد البعض بأن علم الفلك هو علم التنجيم.. أو أنه يعتمد على الظن والتخمين في حساباته والواقع أن علم الفلك مثل العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء .. فهو يعتمد على أمور علمية محسوسة وعلى التجربة والمشاهدة .
وكما ذكرنا سابقًا بأن تطور العلوم والتقنية في مجال الفضاء أدى إلى التحقق في النظريات الفلكية.
وأدت الأجهزة الحديثة إلى الوصول إلى مستويات عالية من الدقة في مراقبة وحسابات سير الكواكب والأجرام السماوية.
تنتمي الكرة الأرضية إلى المجموعة الشمسية.. والتي تتكون من الشمس ويدور حولها 9 كواكب وهي على التوالي:
" عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ، المشترى، زحل، يورانوس، نيبتوس، وبلوتو" .. وتدور هذه الكواكب بمدارات حول الشمس.
وللشيخ أحمد شاكر أحد علماء مصر والمختصين في علم الحديث ورجاله -رحمه الله- له رسالة بعنوان (أوائل الشهور العربية .. هل يجوز شرعاً إثباتها بالحساب الفلكي).
وقد ذكر في رسالته ما نصه:
"لقد كان للأستاذ الأكبر الشيخ المراغي منذ أكثر من عشر سنين حين كان رئيس المحكمة العليا الشرعية.. رأي في رد شهادة الشهود إذا كان الحساب يقطع بعدم إمكان الرؤية كالرأي الذي نقلته هنا عن تقي الدين السبكي.
وأثار رأيه هذا جدلاً شديداً .. وكان والدي وكنت أنا وبعض إخواني ممن خالف الأستاذ الأكبر في رأيه.
ولكني أصرح الآن بأنه كان على صواب وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب في كل الأحوال إلا لمن استعصى عليه العلم به.
وما كان قولي هذا بدعا من الأقوال أن يختلف الحكم باختلاف أحوال المكلفين فإن هذا في الشريعة كثير يعرفه أهل العلم وغيرهم" ا.هـ. (ص: 15 من رسالة نشر مكتبة ابن تيمية لطباعة ونشر الكتب السلفية).
ما ذكره فضيلة الشيخ أحمد شاكر وما جاء في قرار مؤتمر الكويت عام 1409هـ يتضح منه أن القول باعتبار الحساب الفلكي في حال النفي ورد الشهادة برؤية الهلال قبل ولادته قول مجموعة من علماء المسلمين قديماً وحديثاً.
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والقرافي وابن رشد والسبكي والمراغي وأحمد شاكر والشيخ مصطفى الزرقاء -رحمهم الله- والشيخ عبد الله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء.. والدكتور يوسف القرضاوي وغيرهم كثير.
وأخيرا أقول:
إن القضية واضحة.. وقد أبلى العلماء بلاء حسنا في رد الشبهات حول استخدام الوسائل الحديثة في رؤية الهلال.. وهذا ما نتوق إليه في أزماننا هذه في قضايا كثيرة تحتاج لإعادة النظر والاجتهاد.
والبحث فيها عن مقاصد الشريعة.. ونبل الغايات.. ولا نجمد على ظواهر النصوص.. ولا نقف عند وسيلة بعينها.. طالما أن هناك وسائل شرعية أقدر على تحقيق المقصد والغاية بحسب تطور الزمن ومراعاة لمصالح المسلمين.
وأرجو أن أكون قد قاربت من إلقاء الضوء على هذه القضية.. ومحاولة فك الاشتباك بين أصحاب الرؤيتين.
فإن كان البحث قد وفّى أو قارب فلله الحمد والمنة .. وهذا هو المراد.
وإن كان من تقصير ولا محالة حادث.. فأرجو المعذرة وهذا جهد المقل.
والله من وراء القصد.. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
السبت الموافق
4-9-1431هـ
14-8-2010م
عودة الى الأحكام
|