|
معذرةً يا شيخ الإسلام بقلم/ محمد عبد الشافي القوصي
"الحاكم إذا اطمأن إلى أنَّ أظافره لنْ تقَّلم؛ مضى في بطشه لا يخشى أحداً وما يغريه بالظلم إلاَّ أمن العقاب" .. الشيخ/ محمد الغزالي
على الرغم من كثرة كتب الفقه التي ألَّفها فقهاء العصور الماضية إلاّ أنها تجمَّدتْ في مسائل هامشية يتعلمها الناس بداهةً بالمعايشة فلا تحتاج إلى تلك القناطير المقنطرة من الشروح والحواشي والتقعيد والتنظير والنقل والجمْع والشرْحِ والتفريع على الأصول والاختصار والاعتصار والاستدلال والانتصار مثل: مسائل العقيقة والولائم والحجاب والنقاب والحيْض والنفاس وأحكام الغُسْل والجنائز والطهارة ونواقض الوضوء وغير ذلك مما يدخل ضمن فقه دورات المياه! وأهملوا القضايا الجوهرية التي تقوم عليها شئون العباد والبلاد ومصالح الدِّين والدنيا كالتعليم والاقتصاد والفلك والبيئة والعمران والسياسة الشرعية وغيرها مما أصاب الحياة باضطرابات وأزمات وكوارث لا تنتهي .
فعشش الظلم وباض الطغيان وفرخ الاستبداد وتغولتْ أنظمة الجور وطفحت بالطغاة الحاكمين بأمرهم!
حتى الفقيه الكبير (ابن تيمية) عندما فتح الله عليه وشرح صدره لفتح هذه القضية الكبرى والمعركة الأزلية والمرض المزمن من أجل تحذير الشعوب من أنظمة الجوْر والاستبداد لاسيما أنه تلظى بنيرانها كما تلظى سابقوه ولاحقوه وألَّف كتابه (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) وهو عبارة عن رسالة صغيرة موجزة لم يتوسّع فيها كعادته في الاستطراد وكثرة الاستدلال والحشد الرهيب من النقول والأدلة التي تبلغ عدة مجلدات في بعض المسائل! ولمْ يحاول -رضي الله عنه- أن يشخِّص الداء أوْ يضمِّد ذلك الجرح النازف ولمْ نسمعه يصرخ بأعلى صوته كما فعل في معاركه مع الصوفية والأشاعرة والمعتزلة وغيرها من الفِرق والمذاهب التي ربما اختلف معها في تأويل كلمة أوْ تفسير مسألة أوْ ترتيب أولويات أوْ غير ذلك مما يستوي العلم به والجهل!
لقد تحدث –رحمه الله- في كتابه (السياسة الشرعية) عن تولية الأمثل من أمراء الأجناد ومقدّمي العساكر الصغار والكبار وولاة الأموال والكتّاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستعمل أصلح من يجده وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلِّمين وأمراء الحج وحراس الحصون..وغيرهم.
ثم انتقل للحديث عن الحدود في الإسلام كحد السرقة وحد الشرب وحد القذف وحد التعزيز وحد القتل والقصاص في الجراح والقصاص في الأعراض وعقوبة الفرية وحقوق الزوج والزوجة والمعاملات.
هذه هي المسائل التي عالجها -شيخ الإسلام- في كتابه! وتجاهل الحديث عن العدل وقواعده والقسط والميزان والحرية وآفاقها وآفة المُلك العضوض والإقطاع السياسي وأنظمة الجوْر والاستبداد وفساد الأنظمة كالتي عاش في ظلها واكتوى بلهيبها !
أجل! لقد عاش (الإمام) في دولة المماليك أيْ أخريات الخلافة العباسية وانحطاطها فصحِبَ أمراء وسلاطين تلك الفترة في مصر والشام وكان فيهم ما فيهم من الجور والظلم لكنه لم يأمر بالخروج عليهم وحجته في ذلك أنهم مسلمون! فعاملهم بما يقتضي الحال من النصيحة والإرشاد والتوجيه فلم يخرج عليهم ولمْ يدعُ إلى السيف والمبارزة ومقاتلتهم.
ويمكن تلخيص موقفه في موضوع (الراعي والرعية) أنه ضد فكرة تغيير الحاكم بالثورة عليه أوْ الخروج عن طاعته فهو يفضِّل الموعظة والتغيير بالطرق السلمية المشروعة.
معذرةً يا شيخ الإسلام فليس الأشاعرة والمعتزلة هم الذين عطَّلوا مسيرة الأمة إنما هو الاستبداد اللعين والإقطاع السياسي الذي له جذور بعيدة في تاريخنا ترجع إلى اللحظة التي تحولت فيها الخلافة الراشدة إلى مُلك عضوض!
فـ(الحُكْم) هو أول ما انحلَّ من عُرى الإسلام وأمستْ "الدولة ورجالها" في أغلب الأعصار والأمصار الوجه الدميم للإسلام! وهذا التحول كان هزيمةً للحق وضربةً موجعةً للمثُل العليا ..!
لقد نسيَ الشيخ الجليل أنَّ المرض العضال يكمن في الأنظمة الجائرة والمُلْك العضوض والديكتاتورية والاستبداد وأن سبب الكارثة هم أشخاص الحكام والملوك فإنْ هم صلحوا صلح سائر الجسد وإنْ هم فسدوا فسد سائر جسد الأمة.
لقد تناسى الفقيه الكبير أن السبب فيما آلتْ إليه أحوال الأمة في عصره وقبل عصره هم أشخاص الأمراء الصعاليك والحكّام الفاسدين والطريقة الخاطئة التي جاءوا بها إلى سدَّة الحكم! إذْ سرعان ما تحول معظم نشاطهم إلى المحافظة على الحكم في ذراريهم ومنع محاولات الخروج التي يُحدثها الثائرون والمصلِحون!
ألمْ يتأمل -شيخ الإسلام- في أمراء عصره أولئك الذين لوْ بيعوا رقيقاً ما جاء أحدهم بثمنٍ وجبة عشاء! ولكن العصبية والعنجهية فرضتهم على الإسلام ليقودوه بضعة قرون فماذا حدث؟ قبعوا في قصورهم بين أحضان الجواري وفي أجواء الطرب والنغم الجميل!
لذا لا نعجب عندما نرى السلفيين (الخَلَفيين) في عصرنا يقتدون بالشيخ في تجريمهم الخروج على الحكّام أو حتى مجرد تقريعهم بالكلمات! بلْ كرّسوا للاستبداد وتصالحوا مع الدكتاتورية ونفضوا عنها الغربة ومنحوها مشروعية البقاء!
ولا نعجب كثيراً عندما نسمع فتوى "سلفية" جبانة مضلِّلة تلبس الحق بالباطل، وتحرِّف الكَلِمَ عن مواضعه تحت عنوان: هل تجوز منازعة الإمام الجائر؟ جاءت فيها هذه الكلمات:
"... ذهبت طائفة من المعتزلة، وعامة الخوارج إلى منازعة الإمام الجائر وأمّا أهل الحق –وهم أهل السنَّة والأثر– فقالوا: الصبر على طاعة الجائر أولى والأصول تشهد أن أعظم المكروهين أولى بالترك فقال عياض: وأحاديث مسلم كلها حجة على ذلك كقوله "أطعهم وإنْ أخذوا مالك وضربوا ظهرك"! وقال الطرطوشي في سراجه: حديث أبي داود عظيم الموقع في هذا الباب قال رسول الله: "يطلبون منكم ما لا يجب عليكم فإذا سألوكم ذلك فأعطوهم ولا تسبوهم" أيْ ندفع لهم ما طلبوا من الظلم ولا ننازعهم ونكف ألسنتنا عنهم وقال ابن العربي: السلطان نائب رسول الله يجب له ما يجب لرسول الله من التعظيم والحرمة والطاعة! ويزيد على النبيّ لا بحرمة زائدة لكن لعلّةٍ حادثة بأوجه منها الصبر على أذاه ويدعى له عند فساده بصلاحه.
الحـقّ أقــول: إنَّ الجُبن وحب الحياة ومهادنة الضلال تقطر من كلمات هذه الفتوى وما تُربِّي إلاَّ أذناباً للحاكمين وحواشي للمستبدِّين وهي تصوّر الفكر السائد عند دعاة السلفية! وهو الفكر الذي حاربهُ زعماء الإصلاح وأئمة العلم وبيَّنوا بعده السحيق عن دين الله.
وما أدري كيف يكتب هذه الكلمات من يعرف أن الدِّين النصيحة، ومقاومة المنكر! وأنَّ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر! وأنَّ الأُمة إذا هابت أن تقول للظالم يا ظالم؛ فقد ماتت موتاً مادياً وأدبياً.
ألمْ يسمع هؤلاء الجبناء قوله تعالى:"وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ".
ألمْ يسمعوا الحديث القائل: "إذا رأيتَ أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم فقد تُودِّع منهم".
بلْ إنَّ القرآن الكريم أعلن حملةً قاسيةً على الطغاة المتألّهين في الأرض من أمثال نمروذ وفرعون وهامان وغيرهم وذمّ معهم من يتبعونهم ويدورون في فلكهم؛ فقد ذمّ الله قومَ نوح بقوله: "واتبعوا منْ لمْ يزدهُ مالهُ وولدهُ إلاّ خساراً". وذمَّ عاداً قوم هود بقوله: "واتَّبعوا أمر كل جبار عنيد".
وقال عن ملأ فرعون: "فاتَّبعوا أمر فرعون وما أمرُ فرعونَ برشيد"، "فاستخفَّ قومهُ فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين".
معذرةً يا شيخ الإسلام! لقد صارت أمتنا عالةً على الأمم وعبئاً ثقيلاً على البشرية؟! لاسيما بعدما رأينا دولاً عديدة وأُمماً كثيرة لم يكن لها ذِكر في التاريخ ولا في الجغرافيا إلاَّ أنها نهضت وسادت الدنيا بأسرها وبسطت سيطرتها على العالم كله بلْ صرنا نتسوّل منها طعامنا وشرابنا ودواءنا ونستورد منها القوانين والدساتير والتشريعات والأدب والفن والشِّعر بلْ ونتلقّى منها دروساً في حقوق الإنسان والحيوان ومعاملة النساء والأطفال!.
أمَّا بلادنا المغلوبة على أمرها فقد ابتُلِيتْ بالاستبداد السياسي والتعصب المذهبي وصرنا لا نرى سوى "الأعراب" الذين يصعدون المنابر ويصرخون بملء حناجرهم المبحوحة قائلين: اللهمَّ دمِّر الغرب والغربيين ويتِّم أطفالهم ورمِّل نساءهم واجعل بلادهم وديارهم غنيمةً ... لعبادك "السلفيين"!.
الخميس الموافق:
10محرم 1435هـ
14-11-2013م
عودة الى الدفاع عن الإسلام
|