|
الرسول في فكر فيلسوف قبطي بقلم/ هشام النجار
كثير من الفلاسفة والمفكرين والأدباء العالميين والمحليين كتبوا عن الإسلام وعن الرسول (صلى الله عليه وسلم).. لكن ما كتبه المفكر والأديب والفيلسوف القبطي "نظمي لوقا" له مذاق مختلف وله أثره ووقعه المختلف في نفس القارئ المسلم المصري على وجه الخصوص.
فالرجل ينحى الموروث – الفكري والتاريخي والنفسي – جانبا.. ويهدم بيديه الكثير من الحواجز.. ويتحدث فقط بوازع من عقله وضميره الحي ونفسه التواقة لإنصاف الحق وإعلاء شأن الحقيقة .
سنستمع لصوت "د/ نظمي لوقا" يتحدث عن الرسالة والرسول (صلى الله عليه وسلم).. وربما أمد الله في أعمارنا لنعرض ما قاله عن بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين مثل عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص.
وأنا طامع في أن يجرنا هذا الصوت الدافئ المنصف الرصين الوقور إلى الإنصات إلى باقي الأصوات لمفكرين وأدباء وفلاسفة مصريين – مسيحيين ومسلمين – تحدثوا عن الإسلام والمسيحية بعلم واقتدار وعمق.. وبكثير من المسئولية .
أطمع في ذلك لنجتمع حول تلك الأصوات ولنبثها على أثير التسامح والإنصاف.. وليستقبلها المصريون على موجات المودة والتعايش .
أطمع في ذلك لكي نصل إلى ذلك اليوم الذي تغلق فيه نهائيا تلك الإذاعات والفضائيات والأبواق الخبيثة الضالة المنتشرة في الداخل والخارج التي تبث الجهل والحقد والتعصب الأعمى والتطرف المقيت والبذاءات والتطاول.. والتي يستقبلها الناس والبسطاء والعامة على موجات الطائفية والكراهية والتحفز والصدام.
تعالوا معي نقلب الصفحات ولنقرأ مقتطفات من هذا السفر النفيس (محمد الرسالة والرسول) للكاتب والفيلسوف القبطي الكبير "د/ نظمى لوقا":
وجوب النظر النزيه في رسالة محمد
"إن موقف الناس من الوحي واحد أيا كانت الرسالة الموحى بها والرسول المخبر عنها.. لم يطلب أحد من رسول قبل محمد برهانا ً غيابيا ً على وحيه كي يطالب به محمد.. فمن اعترف بوحي السماء إلى رسول من البشر.. لزمته الحجة ألا ينكر نزول الوحي على محمد من حيث المبدأ.. فوجه الامتناع هنا غير قائم بمبرر نزيه.
ولا يتبقى بعد سقوط الاعتراض على الوحي من حيث المبدأ إلا النظر في مضمون ذلك الوحي.. فإن كان هذا المضمون حاويا آية صدقه في ذاته.. وليس فيه ما ينقض طمأنينة النقل أو يريبها.. فلا مفر من الإقرار بصدقه.. ومن هنا وجب النظر النزيه في رسالة محمد والبحث في مضمونها.. لنتلمس فيها آيات الصدق التي يصدق الناس بمثلها من سبقه من المرسلين".
ويقول "لوقا" في مقدمة كتابه الرائع (محمد الرسالة والرسول) متحدثا عن الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم":
"وبدافع من حب البشرية أقدمت على تسطير هذه الصفحات.. وسيان بعد هذا أن يقول عنها القائلون:
إنها شهادة حق أو رسالة حب أو تحية توقير وتبجيل.. فما كان كآحاد الناس في خلاله ومزاياه.. وهو الذي اجتمعت له آلاء الرسل وهمة البطل.. فكان حقا على المنصف أن يكرم فيه المثل ويحيى فيه الرجل".
أين دليلك؟
"وما على المنكر إلا أن يبين لنا مقياسا ً آخر نعرف به وظائف العقائد ويفسر لنا تواترها وتعاقبها على مرور الأجيال قبل دعوة محمد إن قال بالوحي هناك.
فما هو دليلك على صدق وحى من قبل محمد ، بحيث يفتقر وحى محمد إلى ذلك الدليل؟!!
لم ير أحد ملك الوحي هابطا على من قبل محمد.. حتى نطالب بظهور جبريل وهو يهبط بالوحي عليه".
دين الشعب
"دين بني إسرائيل اختص به شعب معين دون سائر الشعوب.. فهو إذن ليس الدين الذي يهتدي به الناس كافة ويجدون فيه شبع حاجتهم إلى العقيدة.
والدين – من حيث هو دين شعب – حرى أن يعنى بسن القوانين في المعاملات وأن ينهى عن التجسيم.. فتعرضوا عن أهدافهم التي صدهم عنها أهدافا أخرى.. فأقاموا الهياكل كما تقيم الأمم الوثنية لأربابها.. وليقدموا القرابين والذبائح كما كان يقدمها عباد الأوثان مع فارق واحد.. هو أن من يتوجهون إليه بقرابينهم وشعائرهم في تلك الهياكل والمذابح هو الإله الواحد الخالق القادر .. إله إسرائيل.
وشعب هذا شأنه لا يصد عن الإسفاف والانتكاس إلا بالتخويف وهزيم النذير بين يدي عذاب شديد.. فامتلأت أقوال أنبيائهم المتعاقبين بهذا التحذير والتهديد حتى صارت الصفة الغالبة للإله الواحد عند بني إسرائيل أنه رب الجنود.. وأنه القوى المنتقم الجبار الغضوب.
ذلك كله يصور سريرة ذلك الشعب ويطلعنا على ما تصير إليه عقيدة التوحيد والتنزيه إذا صارت إلى قوم تملأ قلوبهم المنافع والحرص على الدنيا.. فهم لا يبغون رضوان الله خالصا لوجهه.. ولا يعبدونه خالصا لوجهه.. ولا يجلونه عن هذه المراسم المادية في تقديم القرابين والذبائح.. إذ لا وجود في إخلادهم إلا للمادة وما يتفرع عنها.. أما الروح والضمير.. أما النظرة الشاملة لبني الإنسان كافة.. أما الإخاء الذي يربط الأحياء برباط واحد هو رباط الوجود الحي.. فذلك وعى لم يكن لديهم إلا مطموسا ً".
دين القلب
المسيحية هي دين القلب الإنساني من حيث هو كذلك..بصرف النظر عن الفوارق الإقليمية والشعوبية.. ولهذا تجد دعوة المسيح خالية من المراسم والطقوس كما خلت من تشريع المعاملات.. لأن موضوع المعاملات والحياة الدنيا برمتها لم تدخل له في حساب بشقيها من مال وقصاص.
ولكن البشرية لم تنضج لهذا الدور نضوجا واحدا ً متساوقا ًَ.. لأن عقيدة القلب الخالص من كل علائق المادة هي بطبعها عقيدة الأفراد الأفذاذ.. أما السواد من الناس فللحس على قلوبهم أبدا ً سلطان غير مجحود ولا مردود .
لهذا بقيت المسيحية في حقيقتها دين قلة.. وكانت نتيجتها المنطقية تلك الرهبانية المنعزلة عن الدنيا ومعاناتها.. أما السواد من الناس فراحوا يلبسون أوثانهم الحسية وعقائدهم المادية طيالس العبادة الجديدة.. فتمثلوها كما تصورها لهم عقولهم واطمأنوا إلى هذا التصوير .
لهذا لم يستطع السواد الارتفاع إلى المستوى الروحي العالي الذي هو مضمون دعوة السيد المسيح.. ولم يسلموا – لتعلق قلوبهم بالدنيا وغشيان المادة وسلطانها على تفكيرهم – من ظهور عقابيل التجسيم والتنطس في المواسم.. تتخذ عناوين الدين الجديد وتتزيا بزيه.. لأنها نظم تقابل حالات النفس التي لم تنضج بعد لدعوى الروح الخالصة من قيد الجسد وشهواته وأوهاقه".
دين البشر
"ولم يزل الناس بحاجة إذن إلى عقيدة جديدة يجتمع إليها العقل والقلب جميعا ً.. وتصحح ما تردوا فيه من الأخطاء في تفهم ما سبق من عقائد ورسالات.
إن الناس بحاجة بعد إلى دين يؤكد وجود الله.. وأنه خالق الخلق وأنه الكامل المتفرد بالكمال ، بيده الأمر، وهو على كل شيء قدير.. ويؤكد وحدانية الله توكيدا يقضى على عقابيل التعدد في تصور الإله.
ويلزم كذلك أن يؤكد هذا الدين التنزيه لله.. حتى لا ينزلق الناس إلى التجسيم الذي طالما وقعوا فيه بعد كل دعوة للتوحيد بسبب غلبة الحس عليهم.
هذا من جهة مضمون العقيدة الجديدة.. أما من جهة موقعها من الناس.. فينبغي أن يتجه الدين الجديد إلى الناس كافة.. لا فرق فيهم بين شعب وشعب.. ولا بين جيل وجيل.. ولا بين طبقة وطبقة.
وينبغي كذلك أن يكون هذا الدين الجديد مقنعا ً للممتاز الميسر لأشواق الروح.. وأن يكون فيه كذلك لصاحب الدنيا ملحظ يلفته إلى آفاق الروح ويشعره أن ثمة ارتباطا ً بينها وبين السعي في سبيل الدنيا.. فيجد لهذا السعي مددا ً من عليين لا يحقر في عينيه مطالب الحياة.. ويجعل في قلبه موئلا ً للشعور بالرضا والكرامة.. لأنه استطاع أن يكون صالحا ً وهو من أهل هذا العالم المعنيين بأموره ومهامه ومطالبه .
لن تكون الدنيا في هذا الدين الجديد رجسا ً.. بل هي من ملك الله وطيبات نعمائه.. فالله صاحب الدنيا كما هو صاحب الآخرة.. وهو سبحانه خالق الحس بما يفرضه من دوافع الحياة ومطالبها.. وهو فاطر طلبها في النفس.
وإنما الحدود الشرعية يفرضها الله في دينه فإذا السعي في سبيل الدنيا على سنن تلك الحدود.. وقد أمسى تحصيلا ً للمثوبة في الآخرة بالطاعة والإحسان.
وللمفكر والمؤمن معا في الدين الجديد مكان أولهما ينبغي أن ينتهي إلى ما ينتهي إليه الآخر.. لأن الحق واحد في جميع السرائر والضمائر متى أحسنت التلمس والاهتداء.
وهكذا لابد أن يكون الدين الجديد عقيدة تصلح للكافة.. العامة منهم والخاصة.. يشعر كل منهم أن له عقيدة يطمئن إليها.. وأن هذه العقيدة رباطه بالدنيا وبالآخرة.. بالله وبالإنسان.. فالناس أمة واحدة في هذا الدين الجديد .
هذا الدين المرموق هو دين البشر.. وكان الإسلام هو الذي انبرى للنهوض برسالة هذا الدين.
الأحد الموافق:
29-10-1433هـ
16-9-2012م
عودة الى الدفاع عن الإسلام
|