الشيخ قاسم أمين ج 1 بقلم: أ/ أسامة حافظ
"يبعث الله على رأس كل قرن من يجدد للأمة أمر دينها" هكذا حدث الرسول الخالد صلي الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً عن تجديد أمور الدين.. وبعث ما أعرض الناس عنه من أحكامه ومبادئه وإزالة الصدأ عما أخفته البدع والأدران تحتها من أصوله.
فمصطلح التجديد والتنوير اصطلاحات إسلامية أصيلة لها معان مستمدة من أصول مجتمعنا وأعرافهم.. ولكن وللأسف الشديد عدا متثاقفونا على هذين المصطلحين فألصقوا بهما كل دعي ومشوه وأصبحا علامة على كل شذوذ فكري وكل خصومه مع قيم الدين والمجتمع.. ومن أبرز هذه النماذج الشوهاء "قاسم أمين".
فقاسم أمين في نظر هؤلاء هو رائد تحرير المرأة وأول من تصدي لهذه القضية مطالباً بسفورها واختلاطها بالرجال وتوليها الوظائف العامة أو باختصار هو أول من طالب بأن تسير المرأة المسلمة خلف الأوروبيين حتى تدخل خلفها جحر ضبها.. ولكن من هو قاسم أمين.. وما هي حقيقة دعواه.. لنبدأ القصة من أولها..
ولد قاسم في ديسمبر سنة 1863 لأب تركي وأم مصرية من الصعيد.. وكان أبوه – محمد بك أمين – قبل المجيء إلي مصر والياً عثمانياً على كردستان، انتهز أهل بلدته سفره للأستانة وأعلنوا استقلالهم فلم يستطع العودة إلي ولايته، فعوضته الدولة بإقطاعات في محافظة البحيرة، فجاء إلي مصر واستقر فيها.
تلقي تعليمه الابتدائي بالإسكندرية ثم جاء للقاهرة وسكن حي الحلمية الارستقراطي ملتحقاً بمدرسة الحقوق وحصل على إجازتها سنة 1881، وسافر إلي فرنسا ليلتحق بجامعة مونبيليه.. وهناك التقي بجمال الدين الأفغاني وجدد معرفته به – كان قد التقي به قبلاً بمصر – وعمل مترجماً للشيخ محمد عبده.. ولعل ارتباطه بالأفغاني هو الذي غرس فيه جرأته واقتحامه.
عاد إلي مصر بعد حصوله على الشهادة سنة 1885، وعين بالنيابة المختلطة وسنه 22 سنة، وتدرج في وظائفها حتى ترأس نيابة بني سويف ثم نيابة طنطا ومثل أمامه عبد الله النديم بعد هروب أسطوري من الإنجليز استمر 9 سنوات حيث أحسن معاملته – كما قيل – وسعي في العفو عنه، ثم رقي إلي نائب قاض سنة 1892 ثم إلي مستشار، وفي سنة 1906 اختارته لجنة الجامعة سكرتيراً لها وأصدروا بياناً بجمع التبرعات لإنشائها ثم لما عين سعد زغلول رئيس اللجنة وزيراً للمعارف اختاروه رئيساً بدلاً منه.
تزوج قاسم من ابنة أمير البحر التركي – أمين توفيق – وأنجب منها ابنتين أولاهما زينب – وأحضر لها مربية فرنسية – والثانية جلسن – وأحضر لها مربية إنجليزية – وهكذا صار بيت قاسم أمين مثل عصبة الأمم زوجة تركية وبناته متفرنسة ومتنجلزة وزوج هجين بين تركي ومصرية.
هذا عن بيته أما عن المجتمع وقت عودته من فرنسا فقد كان هزيمة العرابيين سنة 1882 واحتلال مصر هي أعظم نكبة لحقت بالمصريين في تاريخ مصر الحديث لا يدانيها في أثرها إلا نكسة يونيو سنة 1967، حيث أثرت في المجتمع أسوأ الأثر.. فأصيب الناس بالإحباط والانكسار وفقد المصريون همتهم وحماسهم لمقاومة المحتل بل سعي خاصتهم وأعيانهم إلي خطب ود المحتل والتعاون معه.
لم يحضر قاسم أيامه الأولي هذا الإحباط، بل كان هناك في فرنسا مع جمال الدين بثوريته وانطلاقه واعتزازه بدينه فأسبغ من شخصيته على قاسم في أيام شبابه الأولي.
وكانت بداية قاسم أمين مع الكتابة كتاب سماه "المصريون" ألفه رداً على مستشرق يسمي "داركور" سنة 1894، ألفه بالفرنسية.
نسوق بعضاً مما فيه لعلك تشاركنا رأينا فيه في المرحلة الأولي من حياته.
في هذا الكتاب بدا قاسم معتزاً شديد الاعتزاز بدينه، يهاجم بعنف هذا المستشرق لأنه قدم الإسلام كما يقول في أسوأ صورة.. ويقول هناك وقائع لا يمكن دحضها تثبت أن الإسلام يحرز كل يوم تقدماً وسط الشعوب البدائية بنفس القدر الذي يحرزه بين أكثر الشعوب تطوراً، ويحدث هذا دون استخدام أسلحة ودون توزيع نقود ودون إرسال مبشرين في ميدان الدين المسيحي الذي زيفه قسسكم، يحاول الآن عبثاً أن يأخذ ثأراً متواضعاً في أكثر المناطق بربرية وعزلة.. "ألا يفوق العمل الذي حققه محمد صلي الله عليه وسلم من وجهتي النظر الدينية والسياسية في عظمته وفيما لاقاه من صعاب وما حققه من نتائج كل ما أفرزه العقل البشري في الماضي والحاضر".
بل إنه لم – يتهوس – من مسألة الرق، بل رد عليها " أليس من الجدير أن نلاحظ أن الإسلام كان بعيداً كل البعد عن أسباب الرق كما فعلت التشريعات الأخرى وأنه ضيقها ولم يبق الا على واحد فيها فقط كما أن المسلمين لم يشاركوا الأمم الأخرى في آرائها المسبقة المتحيزة عن انحطاط الجنس الأسود وأنهم نادوا في كل العصور بحرية الإنسان دون تمييز بسبب الجنس أو اللون".
هكذا بدأ قاسم معتزاً بدينه متصدياً بكل اعتزاز لشهاب المستشرقين ولولا ضيق المقام لتوسعت في نقل عبارات أكثر وأوضح، أما عن قضية المرأة فاقرءوا معي..
"إنني كلما تأملت تشريعنا كلما زاد حبي حقيقة له فإنه وحده الذي وضع النظم العادلة بأفضل مما فعل غيره، إن تشريعنا يستلهم الحديث السامي الذي يقول فيه محمد صلي الله عليه وسلم (الجنة تحت أقدام الأمهات) فهو لا يمكن أن يكون مهماً قبل تشريعاً بربرياً ولا يمكن أن يقر بأي صورة عبودية المرأة".
ويقول وهو يدافع عن تعدد الزوجات "ونستطيع أن نخلص كما رأينا إلي أن تعدد الزوجات قد أقر ليضمن المأوي للمرأة والأبوة الأكيدة الدائمة للأبناء، إن الطفل غير الشرعي هو نتاج غربي خالص لم يستطع التأقلم في بيئتنا".
ويقول في الحديث عن نظام الإسلام في الأسرة "إننا نحس جميعاً أن لنا نظاماً راسخاً من الإتحاد بين الزوجين".
ويقول عن عمل المرأة "إنني لا أري الفائدة التي يمكن أن تجنيها النساء بممارسة حرف الرجال بينما أري كل ما يفقدنه" ويتساءل "هل السيدات المؤلفات والسياسيات هل هن حقاً نساء" ويقول معتزاً بوضع المرأة في الإسلام "إنني اختلف تماماً مع دوق داركور حيث لا يري في نسائنا إلا ضحايا بائسات لنظام المجتمع الإسلامي، إن الوضع الذي أعطاه الإسلام للمرأة هو أكثر تميزاً مما نتمناه".
ويقول أيضاً "إن الأخلاق الإسلامية تخلق رجالاً طاهري الذيل قادرين على تخطي أقسي التجارب دون تخاذل كما يمنحنا زوجات فضليات يضعن شرفهن كله في دعم بيت الزوجية وحسن إدارته" هكذا يتحدث عن دور المرأة في بناء بيتها والقيام بأمره.
وهو هنا يتحدث عن الطلاق ويسخر من دعوي التطليق أمام القاضي فيقول "أنا لا أفهم أن يقيم إنسان دعوي ليحصل على الطلاق فتلاقي الأرواح لا يمكن أن يكون مادة للتقاضي كالتنازع على برميل نبيذ أو جدار مشترك، أية محكمة تلك التي تزعم قدرتها على توجيه قلبي وشد وثاقه وهو المتقلب كثير النزوات".
قد أطلت وفي الكتاب كثير مما يقرأ ولكني آثرت أن أختار من عباراته لكي يعرف القارئ كيف كان قاسم أمين في مرحلته الأولي والتي تتلمذ فيها على الشيخ جمال الدين الأفغاني وتأثر به فظهر معتزاً بدينه وعقيدته وتبني فيه لفرط تطرفه أشد المذاهب الفقهية في موضوع المرأة حتى أنك لتحسب لو لم يكن اسمه موضوعاً على غلاف الكتاب من تأليف بعض من سلفي عصره كمحب الدين الخطيب أو رشيد رضا.
هكذا كان قاسم في مرحلته الأولي وإن شاء الله نتحدث عنه في مرحلة كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة في مرة قادمة.
عودة الى كتب ودراسات |