|
ساسة وقضاة .. صراع المصالح والسلطة بقلم د/ رفيق حبيب
انتهى شهر العسل بين القضاء والثورة سريعا ً.. فبعد الثورة صدر حكم بحل الحزب الوطني.. وحكم آخر بحل المجالس المحلية.
وبهذا انتهى دور القضاء في دعم الحالة الثورية.. وانتهى أيضا ً تعامل القضاء مع المرحلة الانتقالية باعتبارها مرحلة فاصلة بين نظامين.. وبدت تصرفات مؤسسة القضاء بعد ذلك أقرب إلى القيام بدورها بعيدا ً عن الحدث الأهم في مصر.
وعلى افتراض أن شيئا ً لم يحدث.. أو أن ما حدث ليس من العوامل المؤثرة على العمل القضائي والقانوني.
ولأن الثورة في كل الأحوال هي عمل غير قانوني.. وما ينتج عنها في المراحل الانتقالية يكون أيضا ً حالة استثنائية غير قانونية.. لذا فإن القضاء تعامل مع تلك الحالة الثورية غير القانونية بصورة توحي بأنه حاول تطويع الحالة الثورية للحالة القانونية وليس العكس.. مما جعل دور القضاء يساهم في جعل المرحلة الانتقالية خاضعة لقواعد النظام الذي قامت الثورة عليه.
وإذا كان القضاء يحكم طبقا ً للأدلة المتاحة والقواعد القانونية القائمة.. فإن دور القضاء لم يكن دائما ًطبقا ًللقواعد القانونية.
ففي بعض الأحيان كان التفسير السياسي للقانون يتسع.. ولكن داخل إطار منظومة النظام السابق والبنية القائمة للدولة.. وكأن الثورة لم تقم.. أو كأن قيامها كان خرقا ً لقواعد القانون يجب إصلاحه.
وكأن القضاء أو بعضه أصبح منوطا ً به إصلاح ما أفسدته الثورة بخروجها على القانون.. حتى يعيد الأوضاع مرة أخرى لحكم القانون داخل إطار النظام القائم والدولة القائمة قبل الثورة.
والأمر لا يتعلق بأن القضاء مؤسسة محافظة لا تميل للتغيير.. ولا يتعلق أيضا ً بأن القانون لا يعرف الاستثناءات.. ولكنه يتعلق أساسا ًبأن مؤسسة القضاء كانت بالفعل جزء ً من النظام السابق.. وتشكلت في عهده واختيرت قياداتها من قبل النظام السابق.
كما أن النظام السابق سيطر على القضاء وتمدد داخل..، حتى أصبحت شبكة مصالح النظام السابق والممتدة في كل أرجاء الدولة والمجتمع.. متمددة أيضا ً داخل أجهزة القضاء.
والثورة عندما قامت لإسقاط النظام السابق استهدفت إسقاط شبكة مصالح النظام السابق.. وجزء مهم منها داخل مؤسسة القضاء.. وهو جزء له أهمية خاصة لأنه حمى شبكة مصالح النظام السابق.. ليس فقط قبل الثورة.. بل وبعدها أيضا ً.
وإذا كان الأمر يتعلق بالقانون.. فإن حل الحزب الوطني كان قرارا ً قانونيا ً سياسيا ً يستند أساسا ً على شرعية الثورة.
كما أن حل المجالس المحلية كان قرارا ً قانونيا ً سياسيا ً يستند على شرعية الثورة.. ولكن يبدو أن تلك الشرعية الثورية توقفت بعد ذلك.. وأصبحت الشرعية فقط للقانون والقواعد المستقرة منذ عهد النظام السابق.. وهكذا انتهت لحظة التلاقي السريعة بين مؤسسة القضاء والثورة.
القضاة في زمن النظام السابق
ظهرت حركة الاستقلال من بين القضاة والتي نادت باستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية.. ولكن هذه الحركة لم تكن من القوة والغلبة.. بحيث تمثل حالة المؤسسة القضائية كلها.. وبالتالي لم تكن تيارا ًواسعا ً يقود مسيرة القضاء المصري.. أو لم يكن لها دور مركزي في مؤسسات القضاء.
فقد كان من الممكن بعد الثورة أن يحدث تلاقي بين الثورة وتيار الاستقلال.. وهو ما كان سوف يساهم في تقريب مؤسسة القضاء من الثورة.. وحدوث تكامل أدوار بينهما.. بحيث يستطيع القضاء القيام بدوره في بناء نظام سياسي جديد.. بدلا ً من العمل على حماية النظام القديم.
ولكن تيار الاستقلال لم يكن بهذه القوة.. حتى أن مؤسسة القضاء فشلت في التوافق على قانون لاستقلال السلطة القضائية بعد الثورة.. وفي فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
وبعد الثورة انكشفت الخلافات بين المؤسسات والهيئات القضائية.. مما يؤكد على أن تنافس المصالح قد غلب على العلاقة بين هذه المؤسسات وأدى إلى تراكم حساسيات وخلافات ونزاعات بينها.
لدرجة أن تلك المؤسسات القضائية أصبحت في حالة تنافس علني ومفتوح على المكانة والدور بعد الثورة.. وهو ما أدى إلى جعل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور كبش فداء في صراعات المؤسسات القضائية.. حيث يحاول كل طرف الحفاظ على مكانته أو تطويرها وتحسينها.
والأمر لم يتوقف على هذا.. فقد انكشف أيضا ً للرأي العام أن المنتمين لبعض المؤسسات القضائية ينظرون إلى الآخرين في مؤسسات قضائية أخرى باعتبارهم أقل شأنا ً.
مما يعني أن هناك قدرا ًملحوظا ً من التمايز داخل المؤسسات القضائية يضعها في مستويات مختلفة.. ويجعل بينها حالة تعالي وظيفي من طرف ضد الآخر.
بحيث أن بعض المؤسسات القضائية أو أغلبها رفضت أي تصور يجعل كل المنتمين للمؤسسات القضائية متساويين.
وفي زمن النظام السابق تم ترتيب العديد من المصالح.. خاصة من خلال آلية الانتداب مما جعل العديد من المنتمين للمؤسسة القضائية.. مستفيدين أصلا ًمن سياسات النظام السابق.. بل ومستفيدين من تدخل النظام السابق في شئون السلطة القضائية.. لأنه كان تدخلا ً مدفوع الثمن.
ومن يرى ضمنا أنه قبض ثمن تلك السياسات يخشى بالضرورة من أي تحول.. يغير الأوضاع السابقة ويجعلها محل إدانة.
كما أن أي تغيير يعني ضمنا ً ضياع المنافع المادية التي كان يحصل عليها العديد من المنتمين للسلطة القضائية بسبب الانتداب للجهات الحكومية.
والأمر لا يتوقف على هذا.. فقد وضعت النظم والقواعد داخل المؤسسات القضائية بالصورة التي مكنت النظام السابق من السيطرة على المؤسسات القضائية نسبيا ً من خلال عدة مناصب تتحكم في سير العملية القضائية.. وأيضا ً من خلال توزيع غير عادل للمنافع المادية.. مما شكل شريحة مستفيدة من النظام السابق ومهيمنة على مسار العملية القضائية.
وتلك الشريحة وجدت نفسها بعد الثورة تواجه عملا ً خرج أساسا ًضد النظام وكل ما يمثله.. وبالتالي خرج ضمنا ًضدها.
ولعله من المهم النظر لكيفية بقاء النظام السابق كل هذا الوقت.. رغم كل ما أرتكب من جرائم.. ورغم الفساد المستشري.. حيث يظهر دور شبكة الحماية والتي وفرت للنظام حماية من القانون.. وهي شبكة ممتدة داخل العديد من المؤسسات.. ومنها مؤسسات الرقابة والقضاء والنيابة والشرطة.. وتلك الشبكة هي التي حمت النظام ومنعت انكشاف الفساد.
وهذه الشبكة التي حمت النظام لا يمكن أن تحمي الثورة.. لأنها تعرف أن الثورة كانت ضدها.. وأن الثورة تؤدي إلى انكشاف دورها.
وهنا يحدث تزاوج بين حماية رجال النظام وحماية المصلحة الشخصية.. حيث تتداخل المصلحة الشخصية مع مصالح شبكة النظام السابق.. وتبقى تلك العلاقة بعد الثورة مثلما كانت قبلها.
وإذا أضفنا لهذا ما حظي به البعض من مناصب داخل المؤسسات القضائية بما لها من مميزات ومكانة.. خاصة في المحكمة الدستورية.. ويحاول بعد الثورة الحفاظ عليها.
وأيضا ً أضفنا لهذا المناصب الإدارية في جهاز الدولة التي يحظى بها بعض القضاة يتضح لنا مدى توسع شبكة المصالح.. ومدى التهديد الذي تتعرض له بعد الثورة.
وربما ما يلفت النظر هو أحكام مجلس الدولة التي قضت بإلغاء بعض عقود الدولة قبل الثورة.. ثم استمرت تلك الموجة بعد الثورة.. ورغم تعقد الموقف القانوني للعقود.. حيث أن المحكمة تلغيها بسبب خطأ الجهة الإدارية.. رغم صحة التصرف القانوني للمتعاقد مع الدولة.. إلا أن تلك الأحكام كشفت مبكرا ً عن حالة نزاع بين أركان الدولة أو طبقة الحكم في الدولة وقضاة مجلس الدولة قبل الثورة.
كما مثلت تلك الأحكام وسيلة لكسب الشعبية لأحكام القضاء بعد الثورة، وكأنها شكل من أشكال التماهي بين القضاء والثورة.. ولكن كل هذا لا ينفي أن تلك الأحكام تعبر عن موقف داخل مجلس الدولة تشكل قبل الثورة.. ولم يكن نتيجة لما حدث من ثورة.
من أجل حماية الدولة
في فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة بدأ دور المستشارين القانونيين في الظهور.. وهو دور كان له تأثير كبير على مسار العملية السياسية والتحول الديمقراطي.
وقد بدأ هذا الدور بصيغة الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011م.. حيث تم تغيير نص المادة الخاصة بتشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور.. والتي نصت على أن لجنة المائة يختارها الأعضاء المنتخبين في مجلسي الشعب والشورى.. كما جاء في الاستفتاء على التعديلات الدستورية لتصبح أن ينتخب الأعضاء المنتخبين لجنة المائة.
ورغم أن الانتخاب مثل الاختيار.. إلا أن هذا التغيير استخدم من قبل محكمة القضاء الإداري لحل اللجنة التأسيسية الأولى.. مما كشف عن ترابط حادث في التوجه والتخطيط بين ما يصدر عن جهات مختلفة في الدولة.. سواء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو القضاء.
ولم يكن هذا هو التعديل الوحيد.. فقد نص الإعلان الدستوري على أن:
رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو الذي يدعو مجلسي الشعب والشورى للانعقاد لاختيار لجنة المائة.. مما يعني أن تشكيل اللجنة سوف يتم قبل انتخاب رئيس الجمهورية، على خلاف ما قصد بالتعديلات الدستورية.
وهنا ظهرت رغبة واضحة لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليكون مشرفا ً أو رقيبا ً على علمية وضع الدستور.
وظهر بعد ذلك أن تلك الرغبة كانت وليدة مطالب من قبل أطراف في مؤسسات الدولة.. وأطراف أخرى من القوى السياسية خاصة العلمانية.. وهو ما كشف عن بداية تشكل تحالف يضم قوى الدولة العميقة.. والتي تتحرك من خلال نفوذها الفعلي داخل جهاز الدولة مع قوى سياسية علمانية.. وأطراف داخل المؤسسة القضائية.
تشكل هذا التحالف ليصبح عنصرا ً مهما في عملية الدفاع عن النظام القائم، وعن الدولة القائمة.. وبدأت موجة الدفاع عن الدولة وكأن الدولة هي كيان متعالي على المجتمع ومتعالي على الثورة وعلى الإرادة الشعبية.
وبدأت محاولات السيطرة على وضع الدستور الجديد.. حيث بدأت أطراف في المحكمة الدستورية العليا تقوم بدور سياسي واسع من خلال التأثير على المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. أو بمعنى أدق من خلال توريط المجلس الأعلى للقوات المسلحة في صراع سياسي على أساس أنه من يملك السلطة الفعلية.. ولم تعد الدولة الرسمية هي الفاعلة.. بقدر ما أصبحت الدولة العميقة هي الأكثر فاعلية وتأثيرا ً.
وأتضح أن جزء ً من مؤسسة القضاء لا ينفصل واقعيا ً عن الدولة العميقة.. كما أتضح أن الدولة العميقة ليست إلا شبكة مصالح النظام السابق.
وبهذا ظهر الصراع السياسي بين القوى السياسية.. وكأنه الصراع الظاهر الذي يغطي الصراع الحقيقي بين الثورة وقوى الدولة العميقة.. وبين القوى السياسية المساندة للثورة.. والقوى السياسية المتحالفة مع الدولة العميقة.
فالعديد من القوى السياسية التي ظهرت قبل أو بعد الثورة كانت في الواقع جزء ًمن تركيبة شبكة مصالح النظام السابق.. فأصبحت شبكة النظام السابق هي القاعدة التي تجمع العديد من الأطراف داخل وخارج الدولة.
وأتضح أن الدولة العميقة ليس كلها داخل الدولة.. بل أن جزء ً مهما منها خارج الدولة الرسمية فعليا ً.
كما أتضح أن جزء ً مهما من مؤسسة القضاء وكل مؤسسات الدولة منخرط بشدة في تشكيلة الدولة العميقة.. أي تشكيلة شبكة مصالح النظام السابق.
ولعل أهم معركة هي تلك التي سميت بمعركة المبادئ فوق الدستورية.. والتي خاضها المجلس الأعلى للقوات المسلحة مدفوعا ً بقضاة من المحكمة الدستورية العليا وبقوى سياسية علمانية ورجال أعمال ووسائل إعلام.. مما جعل المجلس الأعلى هو رأس الحربة في الصراع السياسي.
ولم تكن معركة المبادئ فوق الدستورية بالمعركة الهامشية.. بل هي في الواقع جوهر المعركة التي دارت بعد الثورة.. وهي جزء مهم من معركة مؤسسات قضائية مع الثورة ومع القوى السياسية الشعبية الإسلامية.
والمعركة كانت كاشفة لأهم أبعاد الصراع المستمر بعد الثورة وبعد المرحلة الانتقالية.. ففي وثيقة المبادئ فوق الدستورية المعروفة بوثيقة السلمي نسبة إلى نائب رئيس الوزراء في ذلك الوقت الدكتور علي السلمي أتضح أن المعركة تدور حول طبيعة الدولة وتوجهاتها وسياساتها.. وحول مكانة وحصانة مؤسسات الدولة.. خاصة القوات المسلحة.
والمعركة الأولى وهي المعركة حول طبيعة وسياسات الدولة مثلت معركة جوهرية في مسار الثورة.. فقضاة من المحكمة الدستورية مع قوى سياسية علمانية.. مع أطراف من قيادة القوات المسلحة عملوا جميعا ً على تحصين الدولة القائمة من أي تغيير تنتجه الثورة.. أي تحصين طبيعة وسياسات وتوجهات دولة النظام السابق من تشكل دولة الثورة.. أي دولة الربيع العربي.
هنا ظهر أن جزءً من المؤسسة القضائية لديه رؤية سياسية يدافع عنها.. ولكن ليس كل المؤسسة القضائية.
وهذا الجزء حاول الدفاع عن الدولة القائمة.. وهي الدولة القومية القطرية المنفصلة عن الهوية العربية والإسلامية.. ودافع عن سياسات الدولة الملتحقة بالغرب وعن الأمن القومي المبني على السلام مع الاحتلال الإسرائيلي.. وعن الخضوع للترتيبات الغربية في الإقليم العربي والإسلامي.
وهي نفسها سياسات النظام السابق والتي شكلت الدولة عليها وأصبحت جزء ً من طبيعة الدولة.. بل ومن هوية الدولة قبل الثورة.. ولكن هذه الدولة بطبيعتها وهويتها وسياساتها لم تكن خيارا ً مجتمعيا ًحرا ً.. لذا أصبحت تلك الدولة في خطر بعد الثورة.. ومع التحول الديمقراطي.. حيث أصبحت الإرادة الشعبية حرة وقادرة على تغيير طبيعة الدولة وهويتها وسياساتها.
والمتابع لتلك المعركة والتي أريد من خلالها فرض قيود على الدستور الجديد يلاحظ أن جزء ً مهما من المحكمة الدستورية العليا كان منخرطا ًفيها.. مما أظهر أن بعض المنتمين للمؤسسة القضائية يدافع عن الدولة القائمة برؤية سياسية تميل إلى الحل القومي العلماني.. وهذا البعض أصبح متحالفا ً مع قوى الدولة العميقة التي تحاول الحفاظ على الطابع القومي العلماني للدولة.. ومتحالف أيضا ً مع القوى السياسية العلمانية.
وفي المقابل أصبحت القوى السياسية الإسلامية في معركة مع الدولة أو بعضها.. ومعركة مع القوى السياسية الأخرى.. مما جعل معركة الدستور منذ بدايتها تتسم بالحدة.. لأن المؤسسات المنخرطة فيها ليست مؤسسات سياسية فقط.. بل مؤسسات دولة.
فانخراط المؤسسة العسكرية أو مؤسسات قضائية في معارك سياسية يجعل المعركة صعبة ونتائجها تضر المسار السياسي وعملية التحول الديمقراطي.
وما أتضح بعد ذلك أن القوات المسلحة كمؤسسة لم تكن منخرطة في تلك المعركة السياسية.. بقدر انخراط بعض قياداتها.
ولكن الأطراف القضائية التي انخرطت في تلك المعركة.. خاصة من قبل المحكمة الدستورية العليا ظهر أنها الأكثر انخراطا ً في الصراع السياسي حول مستقبل دستور مصر.
من أجل حماية المصالح
بداية المعارك السياسية ذات الرداء القانوني كانت حكم المحكمة الإدارية بحل اللجنة التأسيسية الأولى.
هذا الحكم دشن في الواقع المعركة بين الساسة والقضاة.. وهي معركة تؤثر على مسار العملية السياسية وعلى المرحلة الانتقالية.. كما تؤثر على النظام السياسي الجديد.
ففي هذه المعركة صدر حكم هو في أقل التقديرات القانونية له بعد سياسي واضح.. ويمثل تفسيرا ً ضيقا ً للقانون.. وهو في كل الأحوال حكم أوقف إرادة البرلمان المنتخب من الشعب.. وبالتالي أوقف الإرادة الشعبية وتدخل في السلطة التشريعية.. وفرض هيمنة من سلطة على أخرى.
وهو في كل الأحوال أيضا ً.. حكم تدخل في مسار بناء الدولة والنظام السياسي الجديد.. وتدخل في مسار التحول الديمقراطي وكان له أثرا ً ينافس أثر الأحزاب في العملية السياسية.. فلا يمكن بعد ذلك اعتباره حكما ً بعيدا ً عن السياسة.. لأنه حكم أثر في مسار المرحلة الانتقالية وأصبح جزء ً من التاريخ السياسي لمرحلة ما بعد الثورة.. والتاريخ السياسي للمرحلة الانتقالية.
ولم يصدر هذا الحكم في غياب السياق السياسي الواضح والمكشوف.. فقد دار الصراع حول كيفية تشكيل اللجنة التأسيسية بين القوى الإسلامية والقوى العلمانية.
والأولى احتكمت لصندوق الاقتراع.. والثانية احتكمت للمحاكم.. وجاء الحكم لينتصر لفريق سياسي على فريق آخر.. وكأن المعارك السياسية يمكن حسمها من خلال المحاكم وليس صناديق الاقتراع.. وهو ما أظهر بوضوح وجود مشكلة بين بعض القضاة وبين خيارات صناديق الاقتراع.. وما ينتج عنها من مجالس منتخبة.
وهنا انكشف عامل حماية المصالح بصورة واضحة.. فقد ظهر جليا ً أن لدى بعض القضاة ومؤسسات القضاء مشكلة مع المجالس المنتخبة.. والتي يحق لها سن القوانين ومشكلة أكبر من اللجنة التأسيسية التي تضع الدستور.. وهي منتخبة من المنتخبين.
مما جعل للمنتخب من الشعب سلطة تشريع تمكنه من إحداث تغييرات في القوانين طبقا ً للمصلحة العامة التي يراها.. وباختصار أصبحت مصالح القضاة في جزء منها مرتبطة بالسلطة المنتخبة.. وأصبح ما يرضي عامة الناس وما يلقى قبولا ً منهم يمكن أن يطبق على القضاة.. وأصبحت مصالح القضاة في يد من يملك سلطة التشريع.
ولأن مصالح القضاة أغلبها تم ترتيبه مع النظام السابق ومن خلال تبادل مصالح بين النظام وبعض القضاة.. لذا أصبحت حماية تلك المصالح في ظل نظام ديمقراطي تتغير فيه السلطة التشريعية حسب الإرادة الشعبية يمثل خطرا ًعلى ما تم ترتيبه من مصالح .. سواء تخص القضاة عموما ً أو تخص بعضهم.
لهذا بدا أن حكم حل اللجنة التأسيسية الأولى يحمل في جنباته مواجهة مع السلطة التشريعية.. ومواجهة أيضا ً مع الأغلبية في تلك السلطة.. مما جعله يبدو منحازا ً لمن له الأقلية في السلطة التشريعية.
ولم يكن ذلك كله تعبيرا ً عن تحالف سياسي بين جزء من السلطة القضائية الإدارية.. وقوى سياسية علمانية حول موقف سياسي علماني.. بقدر ما كان تحالفا ً بين قوى وأطراف تريد الحد من سلطة المجالس المنتخبة وسلطة القوى التي تحظى بالأغلبية.. لأن تقليص دور السلطة المنتخبة.. وبالتالي تقليص دور القوى السياسية التي تحظى بالأغلبية يمثل مصلحة مشتركة بين القوى التي لا تحظى بالأغلبية وبين مؤسسات الدولة التي ترفض سلطة المجالس المنتخبة.. ومنها مؤسسات قضائية.
فقد توالت المواقف التي تبرز أن بعض القضاة لديهم الرغبة في الحد من دور السلطة المنتخبة.. خاصة السلطة التشريعية والتي يحق لها تعديل القوانين بما يتوافق مع التغيير بعد الثورة.. وبالتالي يمكن أن تعدل كل الأوضاع السابقة على الثورة.
إذن المشكلة أصبحت بين مؤسسات قضائية.. وبين عملية التحول الديمقراطي.. لأنها لا تريد قبول التغيير الحادث وتريد حماية مصالحها من أي تغيير.. وتريد بالتالي الحفاظ على ما تم ترتيبه من أوضاع ومكانة ومصالح قبل الثورة.
ولا يمكن التقليل من أهمية حماية المصالح.. لأنها تتوسع إلى حماية مصالح مؤسسة قضائية في وجه مؤسسة قضائية أخرى.. وتتوسع إلى التنافس في الدور بين المؤسسات القضائية.
وبهذا نصبح أمام حماية مصالح القاضي وحماية مصالح المؤسسة القضائية.. وحماية موضع تلك المؤسسة القضائية من المؤسسات القضائية الأخرى.. وحماية مكانة المنتمين لمؤسسة قضائية، مقارنة بمكانة المنتمين لمؤسسة قضائية أخرى.
والأهم في هذه القضية أنه ظهر جليا ً رغبة بعض القضاة في ترتيب أوضاع تحمي مصالح المؤسسات القضائية في المستقبل.. ومحاولة ترتيب أوضاع تجعل أوضاع القضاة مستقرة وثابتة وغير قابلة للتغيير.
وكأن المؤسسة القضائية أصبحت خارج إطار الثورة وخارج إطار التغيير والإصلاح.. بل وتخشى من التغيير والإصلاح ولديها أو لدى بعضها الرغبة في مقاومة التغيير والإصلاح.. حتى وإن أدى ذلك إلى مقاومة الثورة نفسها، ومقاومة الإرادة الشعبية الحرة.
ولأن الإرادة الشعبية الحرة لا يمكن مواجهتها مباشرة.. لذا أصبحت المواجهة مع من ينتخبوا بالإرادة الشعبية الحرة هي المعركة السياسية بين الساسة والقضاة.
حل الإرادة الشعبية
كان حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية بعض مواد قانون الانتخابات ليس مفاجئا ً بقدر ما كان متجاوزا ً.. فالحكم جاء سريعا ً على عكس السوابق القضائية للمحكمة.. وجاء بنصوص في الحيثيات تجاوزت ما سبق في أحكام سابقة.
وأيضا ًجاء الحكم متجاوزا ًلحقيقة مهمة.. وهي أن المشرع الدستوري هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. والذي أصدر الإعلان الدستوري.. والمشرع القانوني الذي أصدر قانون انتخابات مجلس الشعب هو أيضا ً المجلس الأعلى للقوات المسلحة والمحكمة حكمت في مدى تطابق أحكام المشرع القانوني مع المشرع الدستوري.. وأثبتت أن المشرع القانوني حاد عن مقاصد المشرع الدستوري رغم أن المشرع واحد في الحالتين.
فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة هو الذي غير بنفسه المادة الخاصة بالانتخابات في الإعلان الدستوري.. وكان يمكن أن يغيرها مرة أخرى لأنه كان يمارس دور المشرع الدستوري.. كما يمارس دور المشرع القانوني.
لكن ليست القضية في واقعها قانونية.. بل هي قضية سياسية تتعلق أساسا ًبالعلاقة بين السلطات.. لأن التوازن المطلوب بين السلطات لا يستقيم مع قدرة سلطة على حل سلطة أخرى.
والسوابق القضائية للمحكمة الدستورية العليا زمن النظام السابق تؤكد أن المحكمة حكمت بعدم دستورية نصوص في قانون الانتخابات ولم تحل مجلس الشعب.. والذي حله كان الاستفتاء الشعبي.
كما أن السوابق المعروفة دوليا ً تؤكد أن أحدا ً لا يملك حل أي مجلس منتخب.. إلا المجلس نفسه إذا وافق على إجراء انتخابات مبكرة.
كما أن السوابق القضائية في النظم الديمقراطية توضح أن عدم دستورية نص في قانون الانتخابات لا تؤدي إلى حل المجلس المنتخب.
فالمجلس المنتخب من الشعب لا يحل إلا بإرادة الشعب.. خاصة وأن النظام الديمقراطي يقوم أساسا ًعلى أن الإرادة الشعبية أعلى من الدستور.. لأن الدستور يوافق عليه في استفتاء شعبي.
معنى ذلك أن حل مجلس الشعب لم يكن إلا إلغاءً للإرادة الشعبية.. مما يجعل للقضاء سلطة فوق الإرادة الشعبية.
وبهذا بدأت عملية تدشين تدخل القضاء بصورة لا تحافظ على الفصل والتوازن بين السلطات.. مما يسمح للسلطة القضائية بالحد من دور السلطة التشريعية.
لذا أصبحت سابقة حل مجلس الشعب بدون حكم قضائي تنفيذي وبدون استفتاء شعبي تمثل خطرا ً على التحول الديمقراطي.. لأنها ببساطة تمثل سابقة لإلغاء الإرادة الشعبية الحرة والتي تكشف عن نفسها في صناديق الاقتراع.. مع بداية التحول الديمقراطي وتأسيس نظام سياسي جديد.
ومن الواضح أن مؤسسات قضائية أرادت بتلك الأحكام أن تضع إطارا ً حاكما ً للإرادة الشعبية الحرة وتقدم نفسها كوصية على الدولة من خلال القانون.. مما يمكنها من الحكم طبقا ً لتصورها عن النظام السياسي والدولة.. وهو ما يجعل أحاكمها ذات طبيعة سياسية وتؤثر في العملية السياسية مثل تأثير الأحزاب السياسية وأكثر.
وهو ما يعيدنا لمربع حماية الدولة وحماية المصالح على أساس أن تلك الأفكار معا ًهي التي أسست لهذا الدور الذي يقوم به القضاء أو بعضه في وجه التحول الديمقراطي والقوى السياسية المنتخبة.. خاصة من تحوز على الأغلبية.
التعالي النخبوي
وفي العديد من المواقف تأكد أن بعض القضاة ينظرون بتعالي للنواب المنتخبين من الشعب.. ولا يرون فيهم نخبة تصلح للسياسة والحكم حسب تصورهم.
ويرى البعض أن القضاة أنفسهم يمثلون نخبة في المجتمع.. ولا يمكن أن يكون أمرهم في يد نواب لا يمثلون نخبة في المجتمع.. بل ويغلب عليهم الطابع الشعبي حتى وإن كانوا منتخبين من الشعب.
وتلك المشكلة تظهر لدى نخبة الدولة عموما ً.. خاصة النخب ذات الوضع بالدولة.. مثل النخبة القضائية.. حيث ترى أن ممثلي الشعب ليسوا نخبة ولا يمكن أن يكون لهم دور قيادي على نخب الدولة.. خاصة القضاة.
وهذه النظرة المتعالية تعبر عن فهم نخبوي يرى أن الحكم لا يكون إلا لمن ينتمي للنخبة.
سلطة منفصلة ذات سيادة
في المعارك التي دارت بين المؤسسات القضائية واللجنة التأسيسية لوضع الدستور الجديد ظهر جليا ً الرغبة في تحصين وضع المؤسسات القضائية.. ورغبة كل مؤسسة في الحفاظ على وضع مميز لها والحفاظ على مكانتها بين المؤسسات القضائية الأخرى.. والحفاظ على خصوصية قواعدها الداخلية، والمزايا التي تحصل عليها.
كما ظهر واضحا ً أيضا ً الرغبة في الحفاظ على أوضاع السلطة القضائية والأدوار المنوطة بكل جهاز من أجهزتها.. رغم تعارض الوضع القائم للسلطة القضائية.. مع التحديث والتغيير المطلوب لتحقيق أفضل أداء لسير العدالة.
ومن ذلك مثلا ً محاولة الحفاظ على وضع النيابة العامة.. ومنع عودة نظام قاضي التحقيق.. رغم أن السلطة المستبدة هي التي ألغت نظام قاضي التحقيق حتى تستطيع السيطرة على مجريات العدالة.. وتمنع فتح بعض الملفات المؤثرة عليها وغلق القضايا التي تريد حفظها أو عدم التحقيق فيها.. وكأن بعض الأطراف داخل السلطة القضائية تريد الحفاظ على وضع المؤسسة القضائية، رغم تغير النظام السياسي بعد الثورة.
وأصبح من الواضح أن الحفاظ على تركيبة السلطة القضائية لم يعد يهدف إلى حماية النظام الحاكم.. والذي سقط بفعل الثورة بقدر ما يهدف إلى حماية المصالح المتشابكة لأطراف في السلطة القضائية.. مع أطراف في شبكة مصالح النظام السابق.
وأيضا ً حماية أوضاع القضاة أنفسهم من أي تغيير يمس سلطتهم.. ولكن بعض المطالب التي تحصن السلطة القضائية من الإرادة الشعبية والرأي العام مثل تحصين ميزانيات المؤسسات القضائية تكشف بوضوح عن المشكلة الحادثة بين مؤسسات قضائية ودور الإرادة الشعبية في النظام الديمقراطي.
وهو ما يعني ضمنا ً أن أطراف في المؤسسات القضائية تريد غل يد السلطة المنتخبة عن تعديل أوضاع القضاء.. وغل يدها عن أي أمر يخص مؤسسات القضاء.. وهو ما يتيح للقضاء مساحة واسعة لفرض تأثيره على السلطة المنتخبة دون أن يتأثر بها أو يكون لها دور مؤثر عليه.
فكل طرف مؤسسي في الدولة يريد مد نفوذه داخل العملية السياسية يحتاج لتحصين وضعه حتى لا يتأثر بما يقوم به من دور في العملية السياسية.. وما يقوم به من دور في الصراع السياسي بين القوى السياسية.
وهو نفس ما ظهر من موقف من المجلس الأعلى للقوات المسلحة عندما اقتنع أو أقنع بأن يكون له دور سياسي.. لذا حاول تحصين وضعه وميزانيته من أي دور للسلطة التشريعية المنتخبة.
وموقف بعض مؤسسات القضاء يكشف عن رغبة في تحصين مصالح المنتمين للمؤسسات القضائية وحماية تلك المصالح.. ثم السماح للقضاء بالقيام بدور سياسي من خلال الأحكام ذات المردود السياسي الواسع.
حيث تتشابك المواقف السياسية مع المصالح الخاصة وإن كانت المصالح الخاصة بأوضاع المؤسسات القضائية تبدو هي الغالبة على المنتمين للمؤسسات القضائية أكثر من المواقف السياسية.
مما يحصر مشكلة المؤسسات القضائية مع التغيير بعد الثورة في ثلاثة قضايا مهمة:
1- رغبة أطراف متعددة في حماية أوضاع ومصالح المنتمين للسلطة القضائية.. وحماية أطراف تنتمي لشبكة مصالح النظام السابق.
2- رغبة بعض الأطراف في السلطة القضائية في إتاحة مساحة للقضاء للتدخل في العملية السياسية.. حماية لطبيعة وهوية وسياسات دولة النظام السابق وعدم السماح للمنتخبين من الشعب بإحداث تحولات سياسية واسعة.. طبقا ً لرغبة وتوجهات الرأي العام.. وحماية الطابع القومي العلماني للدولة وتعضيد موقف القوى العلمانية والتي لا تحظى بتأييد شعبي كافي.
3- رغبة أطراف متعددة في السلطة القضائية للحد من دور السلطة المدنية المنتخبة وتقييد الديمقراطية وجعل القانون وكأنه سلطة فوق الإرادة الشعبية، أو جعل السوابق والقواعد القانونية.. وكأنها دستور فوق الإرادة الشعبية تقيد خيارات الرأي العام بصفة عامة.
والمشكلة أن تلك المواقف تتداخل أغلب الوقت داخل عنوان استقلال السلطة القضائية.. بحيث أصبح عنوان استقلال القضاء.. يعني فصلا ً للسلطة القضائية عن كل سلطة منتخبة.. مما يجعل للسلطة القضائية دور أو سلطة على السلطات المنتخبة.
التوجه الفئوي
والمشكلة تزداد تعقيدا ًبسبب الشعور الفئوي الذي يغلب على معظم مؤسسات الدولة.. ومنها المؤسسات القضائية.
ففي معظم المواجهات بين القوى السياسية والمؤسسات القضائية غلب على الأخيرة التكاتف المهني الذي يجعل معظم المؤسسات القضائية تشترك في معارك.. رغم أن أغلبها لا يوافق على تلك المعارك.
لدرجة أن فكرة تطهير القضاء من أتباع النظام السابق واجهت مقاومة من غالب المنتمين للمؤسسات القضائية.. بسبب خوفهم من تعريض سمعتهم أو مكانتهم للخطر.
فأصبحت حماية المنتمين للمهنة تتغلب على أي اعتبارات أخرى.. مما جعل عملية تطوير القضاء أو تحقيق استقلاله الفعلي مسألة تعترضها حالة التكاتف المهني، في وجه أي تعديل أو تطوير.
ولأن مسألة مكانة القضاء تخص كل المنتمين للمؤسسات القضائية.. لذا بدت مواقف القضاة أحيانا ً وكأنها كلها ضد التغيير والتطوير.. وضد السلطة المنتخبة فغلبت روح القبيلة المهنية على أي اعتبار آخر.
وهو ما جعل أطرافا ً في السلطة القضائية تنتمي بالفعل للنظام السابق قادرة على حشد القضاة في مواقف تورط السلطة القضائية عامة في معارك ضد قوى سياسية.. وتورط القضاء عموما ً في عملية سياسية لا ينبغي أن يكون له تأثير عليها.
فأصبحنا أمام مشكلة تدفع العديد من القوى السياسية للدخول في معركة مع القضاء بسبب تأثيره على العملية السياسية.. وبسبب مطالبه الفئوية الخاصة في الدستور الجديد.
وفي المقابل فإن موقف القضاء ضد السلطات المنتخبة جعله غالبا ً يقف ضد القوى التي تحظى بالأغلبية.. مما يجعله في صف القوى التي تمثل الأقلية، والتي اعتبرت القضاء هو أداتها للقيام بدور سياسي، لا يسمح به وزنها النسبي في الشارع.
ورغم أن المعارك السياسية للقضاء كلها جعلته في صف القوى العلمانية وضد القوى الإسلامية.. إلا أن هذا لا يعني أن تركيبة القضاء المصري علمانية.. بقدر ما يعني أن أوضاع القضاء تم ترتيبها في ظل نظام له توجه علماني غربي.
كما أن بعض أطراف السلطة القضائية ورغم عدم وجود توجه علماني لديهم.. إلا أن معركتهم مع السلطة التشريعية المنتخبة جعلتهم في صف القوى العلمانية بسبب وجود مصلحة مشتركة بينهم.
لهذا أصبح الدفاع عن المصالح الفئوية ورغم عدم وجود مضمون سياسي له يؤدي إلى تأثيرات ومواقف سياسية.. جعلت المؤسسة القضائية تبدو منحازة سياسيا ً.. خاصة مع انخراطها الواضح في إصدار البيانات السياسية وإعلان مواقف سياسية.. والتهديد باتخاذ إجراءات إن لم تلبى مطالبها.
واستخدام المؤسسة القضائية لدورها كأداة للضغط على القوى السياسية المنتخبة يجعلها تمارس عملا ًسياسيا ً مباشرا ً.. كما يجعلها تدخل في معارك مع السلطة المنتخبة وتحاول تقييد سلطتها ودورها.
مما جعل السلطة القضائية في عمومها تبدو غير متكيفة مع التغيير ومع الثورة.. وتبدو كمن يعمل من أجل الحفاظ على الأوضاع القائمة قبل الثورة.
الطرف الحاسم الغائب
في كل الأحوال فإن الصراع بين الساسة والقضاة يستمر حتى تستقر أوضاع مناسبة تحفظ التوازن بين السلطات.. كما تحفظ الفصل بينها.
فالفصل بين السلطات الثلاثة التشريعية.. والتنفيذية.. والقضائية لا يتحقق إلا بالتوازن بينها.. وتشكل نظام للتوازن والكبح بينها يجعل لكل منها دور.. وأيضا ً يمنع أي سلطة من التمدد على السلطات الأخرى.
ولأن السلطات المنتخبة هي المستحدثة بعد التحول الديمقراطي.. لذا تصبح السلطة المنتخبة مقيدة حتى تستطيع القيام بكل دورها.
ففي ظل النظام المستبد تتمدد السلطة التنفيذية على كل السلطات.. ولكن مع التحول الديمقراطي تبدو السلطات غير المنتخبة أكثر نفوذا ً.. لأنها ترث نفوذ السلطة المستبدة التي سقطت حتى تكافح السلطات المنتخبة للقيام بدورها.. والحد من قدرة السلطات غير المنتخبة على التعدي على السلطة المنتخبة.
خاصة وأن التحول الديمقراطي يظهر عنصرا ً يغيب عن الأنظمة المستبدة.. وهو السلطة المنتخبة.. حيث ترى مؤسسات الدولة ومنها المؤسسات القضائية أنها تواجه نوعا ًجديدا ً من القيادة منتخب من الشعب.. وهي سلطة معينة وغير منتخبة وتشكلت في ظل سلطة مستبدة غير منتخبة.
لذا يصبح دخول المنتخب من الشعب في صلب العملية السياسية وسلطات الدولة بمثابة تغييرا ً كبيرا ً يصعب على قيادات مؤسسات الدولة التكيف معه.. خاصة في مؤسسات القضاء.. لأنها للمرة الأولى تصبح السلطة المعينة بين سلطتين كلاهما منتخب.. وهما السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وهو وضع لم تتعود عليه مؤسسات السلطة القضائية.
ولأن مرحلة التغيير إلى النظام الديمقراطي تمثل تحولا ً كبيرا ً.. لذا فإن أوضاع السلطات لا تستقر بالقواعد والأعراف الغائبة أصلا ً.. بل تستقر بالمعارك والصراعات والتدافع.. مما يجعل المعركة بين الساسة والقضاة تحسمها عملية التدافع المستمر وما بها من معارك وصراعات حتى يستقر الوضع المناسب للنظام الديمقراطي، والمصلحة العامة.
وهنا يظهر الطرف الغائب من المعادلة وهو الرأي العام.. وهو الطرف الذي تتجنب المؤسسات القضائية دوره.. بل وتحاول تحييده وإخراجه من معركتها مع القوى السياسية.
وتحاول المؤسسات القضائية تحصين نفسها بشعار استقلال القضاء، حتى تغيب الوعي العام عن حقيقة معركة بعض القضاة مع الساسة.
ولكن ما يغيب عن بعض القضاة هو أساس فكرة السلطة القضائية.. والتصور السائد لها بين عامة الناس.. فهي في النهاية تمثل أداة تحقيق العدل بين الناس.. وهي سلطة مستقلة بقدر عدم تدخلها في السياسة.. ويكون لها مصداقية بقدر ما تحققه من عدل وإقامة للقانون بين الكافة.. ولها مكانتها بقدر ما تظهر مترفعة عن المصالح الضيقة.. ولها سمعة بقدر ما تبدو قادرة على تطهير نفسها.. ولها دور بقدر ما تبدو العدالة عمياء لا تميز بين الناس.
وبقدر ما يتدخل القضاء في السياسة ويعجز عن إقامة العدل الناجز ويتهرب من تطهير نفس ويتدخل في الصراعات السياسية.. ويبدو كمن يعمل من أجل الحفاظ على مصالحه ومكاسبه.. بقدر ما يفقد القضاء سلطته لأن سلطته تنبع أساسا ً بما يشاع بين الناس عنه.. وما يحظى به من ثقة ومصداقية ومكانة بين عامة الناس.. فعامة الناس هم الحكم الأول والأخير على القضاء.
فإذا كانت بعض مؤسسات القضاء تحاول الحد من سلطة المنتخب من الشعب.. وبالتالي من خيارات الشعب الحرة.. فإنها سوف تواجه بحقيقة أن موقف عامة الناس من السلطة القضائية وموقف الرأي العام هو الذي يحدد مكانتها.
الخلاصة
مع الانتقال من نظام مستبد إلى نظام ديمقراطي تغيب القواعد التي تقيم التوازن والتكامل بين السلطات.. ويظل المنتمين للنظام السابق يقاومون التغيير.. بل ويقاومون الثورة.. كما تظل القواعد التي بناها نظام الاستبداد تعرقل بناء قواعد جديدة.
وبسبب النزاع الحادث بين نظامين تصبح القواعد الدستورية غير كافية لبناء قواعد الفصل والتوازن والكبح بين السلطات الثلاثة.. بسبب عدم وجود خبرة سابقة.
لذا تتشكل تلك القواعد في الواقع العملي من خلال الممارسة والتي تكشف عن الدور الممكن والمقبول لكل طرف.. وتكشف أيضا ً عن القواعد اللازمة للحفاظ على استقرار النظام السياسي.
وتبقى دائما ً مشكلة المنتمين للنظام السابق من المؤسسات القضائية أو غيرها.. لأن رغبتهم في مقاومة التغيير تتجاوز أي اعتبار آخر.. وتتجاوز المصلحة العامة.
وكل طرف يتمادى في المعارك دون إدراك للمصلحة العامة يساهم في عرقلة استقرار النظام السياسي.. لكنه لا يستطيع منعه.
وفي أغلب المراحل سنجد أن دور الرأي العام حاسم.. فالمجتمع هو صاحب الثورة.. وبالتالي هو صاحب الحق في تحديد خياراته.
وفي كل المعارك التي تستنزف الوطن نجد أن دور الرأي العام تم تغييبه من خلال عملية تضليل منظم.. وكلما كان للرأي العام دور أكبر.. فإن المعارك تحسم بشكل أسرع.
والسلطة القضائية تتكسب مكانتها من خلال رؤية المجتمع لها.. لذا فإن موقف المؤسسة القضائية سوف يحدده ما يقبله عامة الناس منها.. وما يرفضه عامة الناس أيضا.
فلا يمكن للسلطة القضائية وهي غير منتخبة أن تحظى بالمكانة في المجتمع بدون قبول المجتمع لدورها وتأثيرها.
وهو ما يعني أن وقوف السلطة القضائية أمام السلطة المنتخبة من الشعب سوف يورط السلطة القضائية مع الرأي العام الذي ينتخب هذه السلطة.
وهو ما يجعل موقف الرأي العام حاسم في تحديد العلاقة بين السلطة المنتخبة والسلطة القضائية.
وعندما يتحقق التوازن تعتدل كل السلطات في دورها وتأثيرها وتتكامل.. فالحد من دور السياسي المنتخب عمل يضعف دور الإرادة الشعبية الحرة.. ويجعل الانتخابات بلا معنى.. ولكن توازن دور السلطات الثلاثة يحد من قدرة أي طرف على التمادي خارج حدوده.. لأن توزيع الأدوار والتوازن بينها والتكامل أيضا ًهو الذي يحقق النظام السياسي الرشيد والذي يقوم على تعدد السلطات والمؤسسات والأدوار، بما يسمح بتحقيق العدل والحرية.
الأحد الموافق:
22/ 2/ 1434هـ
6/1/2012م
عودة الى كتب ودراسات
|