|
ليس باسمنا, المصري المسحول والفساد, لماذا كان ذلك كذلك ؟! إعداد: عبد العزيز محمود
تحت مقال بعنوان ليس باسمنا كتب فهمي هويدى في الشروق معلقا عللا تسليم درع نقابة الصحفيين العرب للرئيس التونسي ... إنني أفهم أن يقدم درع وزراء الداخلية العرب إلى الرئيس التونسي. بعدما أقامت لهم حكومته مقرا دائما في عاصمة بلاده، يستضيف اجتماعاتهم الدورية المنتظمة.. وهو «الإنجاز» الذي أبقى على التعاون الأمني نشيطا وفاعلا، باعتباره المظهر الوحيد الباقي للعمل العربي المشترك. قد أفهم أيضا تكرمة الولايات المتحدة تقديرا لتعاونه معها في مكافحة الإرهاب، واستقباله لأعداد كبيرة من الشبان المسلمين المحتجزين، لتعذيبهم واستنطاقهم ثم إعادتهم مرة أخرى، بعد الحصول منهم على المطلوب وزيادة، وهذا إنجاز من نوع آخر لم يتفرد به النظام التونسي، ولكن نافسته فيه أنظمة أخرى عربية تحدثت عنها الصحافة الأمريكية.....وعن الشاب المصري المقتول في لبنان وضياع هيبة وكرمة المصريين يكتب فراج إسماعيل في المصريون المصري المسحول والفساد.....وإلى الأهرام مع د عبد المنعم السعيد لماذا ذالك كذالك .. كل ذلك لأننا لم نكن نعرف ما نسعى له, وما كان لدينا الثقافة التي تحثنا علي السباحة في شطآن بعيدة; ولأنه كانت لدينا أولويات أخري حتمتها ظروفنا السكانية وضغوطها من أجل توزيع مواردنا في اتجاهات بعينها. والمخرج من ذلك كله.....وبعيداً عن الداخل يكتب طارق الحميد في الشرق الأوسط هل على سوريا أن تجرب ...وأخيراً مع محمد صلاح من الحياة وحديث عن الزيارة التي لم تتم وإلى التفاصيل
ليس باسمنا
بقلم : فهمي هويدى من الشروق
آخر ما يمكن أن يخطر على بال أى صحفى فى أى مكان بالكرة الأرضية. أن يسلم درع اتحاد الصحفيين العرب إلى الرئيس التونسى زين العابدين بن على. ليس ذلك فحسب، وإنما أن يمتدح الرجل بحسبانه مدافعا عن الصحافة فى الوطن العربى وصديقا للصحفيين العرب والإعلام فى العالم.
بل ومنحازا إلى الكلمة والحرية والديمقراطية.. هكذ مرة واحدة!
لولا أننى قرأت الخبر منشورا صبيحة الأربعاء الماضى (28/4)، وإلى جانبه صورة للرئيس التونسى وهو يتسلم الدرع من رئيس اتحاد الصحفيين العرب، وفى ثنايا الخبر ذكر لتقريظه ومديحه بتلك الأوصاف التى ذكرت، لما صدقت ولشككت فى صحته.
إننى أفهم أن يقدم درع وزراء الداخلية العرب إلى الرئيس التونسى. بعدما أقامت لهم حكومته مقرا دائما فى عاصمة بلاده، يستضيف اجتماعاتهم الدورية المنتظمة.. وهو «الإنجاز» الذى أبقى على التعاون الأمنى نشيطا وفاعلا، باعتباره المظهر الوحيد الباقى للعمل العربى المشترك. قد أفهم أيضا تكرمة الولايات المتحدة تقديرا لتعاونه معها فى مكافحة الإرهاب، واستقباله لأعداد كبيرة من الشبان المسلمين المحتجزين، لتعذيبهم واستنطاقهم ثم إعادتهم مرة أخرى، بعد الحصول منهم على المطلوب وزيادة، وهذا إنجاز من نوع آخر لم يتفرد به النظام التونسى، ولكن نافسته فيه أنظمة أخرى عربية تحدثت عنها الصحافة الأمريكية.
المفارقة أنه فى ذات الأسبوع الذى قدم فيه درع اتحاد الصحفيين العرب إلى الرئيس بن على، أطلق سراح الصحفى التونسى المعارض توفيق بن بريك بعدما أمضى ستة أشهر فى السجن. وكانت الأجهزة الأمنية قد لفقت له تهمة الاعتداء بالضرب على أحد الأشخاص، وساقته إلى المحكمة لكى «تؤدبه» جراء انتقاداته للنظام.
ثم ألقت به فى أحد أكثر السجون بشاعة وقسوة، كما قال هو بعد انتهاء محكوميته. وفى حين سكت اتحاد الصحفيين العرب على مظلوميته، فإن الصحافة الفرنسية هى التى وقفت إلى جانبه. ولم تكف عن التنديد بعمليات القمع والملاحقة والتهديد التى يتعرض لها المثقفون التونسيون، والصحفيون والسياسيون والنقابيون والأكاديميون فى المقدمة منهم.
من هذه الزاوية فإن تونس لا تختلف كثيرا عن سجن «جوانتانامو» فى القسوة التى يتعرض لها المثقفون والسياسيون والضغوط الأمنية الرهيبة التى يتعرض لها المواطنون، الذين يعرفون جيدا أنهم جميعا مراقبون طول الوقت، هواتفهم وكتاباتهم وأبحاثهم العلمية وحساباتهم البنكية. مع فرق أساسى هو أن نزلاء سجن جوانتانامو الشهير فى الجزيرة الكوبية هم أناس تم اختطافهم من بلدانهم، وهم يجاهدون الآن للخلاص من الأسر واسترداد إنسانيتهم.
أما فى جوانتانامو الكبرى والأخرى التى نتحدث عنها، فضحية الاختطاف فيها شعب بأكمله، لا سبيل إلى إطلاق سراحه إلا بتغيير نظامه المتحكم فى مقدرات البلد منذ نحو ربع قرن. وذلك شأن تونسى فى كل الأحوال، لكن حين يذهب ممثلو اتحاد الصحفيين العرب إلى هناك ويقدمون درع الاتحاد إلى الرئيس التونسى، ثم يمتدحون موقفه إزاء حرية الصحافة والديمقراطية، فإنهم بذلك لا يؤيدون بصورة مباشرة سياسته القمعية بحق الاثنين فحسب، ولكنهم أيضا يفقدون شرعية تمثيلهم للضمير الصحفى، ويتحولون عمليا إلى جهاز رسمى منسوب إلى الأنظمة العربية، وليس اتحادا مهنيا يمثل جماهير الصحفيين العرب.
لو كان بيدى من الأمر شىء لأعددت بيانا ضمنته قائمة انتهاكات النظام التونسى بحق الحريات العامة عموما والصحافة خصوصا، التى تحفل بها تقارير منظمات حقوق الإنسان، واستنكرت فيه تقديم درع اتحاد الصحفيين العرب للرئيس التونسى وأمثاله من رموز الاستبداد والقمع. ولجعلت عنوانه: ليس باسمنا، ودعوت أكبر عدد من الصحفيين إلى التوقيع عليه.
ان الصحافة لا تستطيع أن توقف القمع، لكنها تستطيع أن تفضحه بوسائل متعددة. أما إذا ضاقت عليها الأمور وسدت الأبواب فينبغى فى كل الأحوال ألا تلجأ إلى تسويفه وامتداحه، من هذه الزاوية فإن ما أقدم عليه ممثلو اتحاد الصحفيين العرب فى تونس يعد فضيحة بكل المقاييس مهنية وسياسية وأخلاقية.
المصري المسحول والفساد
فراج إسماعيل | المصريون
توسعت وسائل الإعلام في نشر صورة الشاب المصري المسحول على أيدي مئات الغاضبين في قرية لبنانية والتمثيل بجثته وتعليقها عارية إلا من ورقة التوت أعلى عامود إنارة، والتلذذ بتصويرها وسط زغاريد النسوة المبتهجات.
رغم أن القيم الإعلامية المعتادة تمنع نشر صورة كهذه مراعاة للمشاعر العامة، إلا أنها مع مقطع فيديو "السحل" كانت الأكثر نشرا وبثا ومشاهدة من مئات الآلاف عبر الفضائيات ومواقع الانترنت الناطقة بالعربية.
في اسرائيل والغرب جرى تسويق المشهد المؤلم باعتباره ترجمة حية لواقع الإنسان العربي والمسلم، ولحالة العنف والهياج المصاب بها التي تجعله يتصرف بما لم يأت به إنسان الغاب في الأزمان الأولى!
"السحل" جاء انتقاما جماعيا من الشاب الذي اتهمته الشرطة بقتل عجوز وزوجته وحفيديتهما الذين يجاور منزلهم، منزل أمه المتزوجة من لبناني، ولها منه أبناء وبنات. قالت الشرطة إن العجوز أو الختيار رفض التوسط للشاب ليتزوج من فتاة في الثالثة عشرة من عمرها قام باغتصابها، وذلك حتى ينجو من السجن وفق القانون اللبناني.
كان متوقعاً تسييس القضية، فهناك من كيفها على أنها انتقام من الشيعة لخلية حزب الله التي صدرت في مصر أحكام قضائية ضدها يوم الخميس الماضي، مع أن قرية "كترمايا" كل سكانها من السنة ولا يوجد بها شيعي أو مسيحي واحد.
وهناك خصوصا من بني جلدتنا من قرأها على سبيل النكاية في النظام الحاكم ودلالة على ضعفه وخنوعه، فلو لم يكن هذا زمنه ما تجرأت القرية على سحل مصري وسحب جثته بسيارة والمرور بها في الشوارع، ثم تعليقها فوق عامود الإنارة!.
بالطبع لا يوجد نظام في العالم مسئول عن تصرفات فردية خاطئة من جالياته في بلاد الغربة . من التصيد وجلد الذات أن نقول إن القرية سحلت الشاب الذي يعمل جزارا في دولة فقيرة لا يجد فيها أبناؤها عملا، لأنه مصري ولأن بلاده ضعيفة لن تأخذ حقه!
في القصة علامات استفهام تنحصر في فساد بعض العاملين في الشرطة اللبنانية الذي جعلهم يسرعون لفض أختام قضية مقتل الأسرة اللبنانية وإغلاقها بهذه العجالة، وهو أسلوب نحن أساتذة فيه للأسف الشديد، حيث يتم توجيه الاتهام سريعا لشخص وأخذه إلى مكان الجريمة لتمثيلها، وفي النهاية يحكم القضاء على قاتل غير حقيقي، وقد حدث ذلك في مذبحة بني مزار بألمنيا قبل سنوات.
لا يتصور أحد أن تأخذ الشرطة المتهم إلى منزل الختيار ثاني يوم الجريمة ليمثلها، ولم تكن جنازة الضحايا قد شيعت بعد. ماذا كانوا يتصورون من أبناء القرية غير الذي فعلوه في تلك الأجواء المشحونة؟!
قوة شرطة صغيرة تصحب المتهم وفي وقت غير مناسب، ثم يقوم الضابط الذي كان على رأسها بتسليمه لمئات الشباب الغاضبين لينتقموا منه، وتنقذه مجموعة أخرى من الشباب لم يعجبها هذا التصرف، وذهبت به إلى المستشفى لعلاجه من اصاباته البالغة.
هناك أيضا لم تفعل الشرطة شيئا، فلم توفر حراسة أمنية على الغرفة التي يرقد فيها كما هو مفترض، بل هناك من أتى بالغاضبين ليخطفونه جهارا نهارا من سريره ويعرونه من ملابسه ثم أجهزوا عليه تماما وربطوا جثته بسيارة جرتها وهي تنزف دما إلى القرية التي تبعد 25 كيلو مترا عن بيروت، ثم طافوا به شوارعها شارعا شارعا!
بالنسبة للشرطة انتهى الأمر. الناس اقتصت من القاتل الذي اعترف لهم بعد أن استدلوا عليه خلال ساعات قليلة!
هنا نشم رائحة فساد كامل.. فأم الطفلتين ترفض هذا الاتهام وتراه مفبركا. شخص ما قام بتهديدها قبل ذلك وتتهمه بأنه القاتل.. فمن هو هذا الشخص.. هل هو هامور كبير يصعب الاقتراب منه في دولة تعاني أمنيا وقانونيا وطائفيا؟!.
ثم تأتي أقوال الأم التي كانت مختفية في منزل ابنتها اللبنانية أثناء سحل ابنها المصري تسمع هتافات التكبير وزغاريد النساء، ومنها نكتشف أن الشاب كان ينوي الزواج من فتاة وتقدم لها فعلا ولكنها أرجأت ذلك حتى تتعالج من حالة نفسية، أما الفتاة الأخرى المتهم باغتصابها فهي شقيقتها، لكن أمهما كانت ستتنازل عن القضية عندما علمت أن الشقيقة فبركت الاتهام!.
معلومات متضاربة كان يجب أن تدفع الجهة الأمنية إلى تكثيف التحقيقات للوصول إلى الحقيقة أولا بدلا من الإسراع لتمثيل الحادث في مسرح الجريمة.
وتفاجئنا قناة إل بي سي اللبنانية بأن نائبا من تيار المستقبل "تيار سعد الحريري" حرض أهل القرية على قتل الشاب وسحله!
يجب أن تسعى الخارجية المصرية لحمل السلطات اللبنانية على كشف الفساد الأمني الذي ربما أراد التغطية على قتلة حقيقيين، فسلم الشاب لمئات مملوئين بالمشاعر الهائجة ليقتلوه ويسلخوه كالشاة!.
أين يختفي "الهامور" اللبناني القاتل ولماذا اختارت الشرطة إنسانا غريبا مغلوبا على أمره ليشيل الجريمة؟!.
لماذا كان ذلك كذلك ؟!.
بقلم: د.عبد المنعم سعيد- الأهرام
يشغلني دائما ليس فقط الحالة أو الحالات التي نعاني منها, أو تلك الفرص التي نفقدها, أو الكوارث التي نواجهها, وإنما الأسباب التي قادت إليها حتي يمكن معالجتها والتعامل معها. وعندما طالبت بأن تكون مصر دولة طبيعية تساءلت أيضا كيف وصلنا إلي هذه الحالة
وهل صحيح أن ذلك نتاج نظام حكم بعينه, أم أن في الأمر تركيبة من الأسباب التي تتداخل فيها عوامل شتي. وفي الأسبوع الماضي عندما طالبت في مقالي بالذهاب إلي البحر سكانا وصناعة وخدمات, أو بمعني آخر رسم خريطة سكانية جديدة لمصر, لم يكن ذلك طرحا لطريق آخر للتنمية, وإنما أيضا بحثا عن تغيير الطبيعة النفسية والفكرية للمصريين الذين عاشوا لآلاف السنين في قالب النهر والصحراء.
وللحق فإن هذا الحلم ليس جديدا بالمرة, وبشكل ما فإن شبكات الترع المصرية كان الهدف منها مد الوادي المصري إلي أقصي ما يستطيع من اتساع داخل الصحراء القريبة; ولكنها في النهاية لم تخل من المعادلة الأبدية بين النهر والصحراء والناس. ولكن الأمر فرض نفسه مع كل عصر, وربما كان شق قناة السويس هو أول اختراق جغرافي كبير عرفته مصر نجم عنه بالإضافة إلي فوائده الاقتصادية العظمي, إنشاء ثلاث مدن, صارت محافظات, هي الآن الأكثر تقدما بين قريناتها في مصر كلها. وفي عصر الرئيس عبد الناصر, ومع الأحلام العظمي التي نتجت عن مشروع السد العالي, تردد كلام كثير عن مشروع آخر هو منخفض القطارة الذي يمد ذراع البحر الأبيض المتوسط إلي قلب الصحراء الغربية مولدا عالما جديدا لم تعرفه مصر, ولا الدنيا من قبل. ولكن عصر الزعيم انتهي بهزيمة يونيو ولم يبق منه خارج الوادي إلا ما عرف بمديرية التحرير, وهي منطقة أرض زراعية تم استصلاحها في الصحراء, ولا أدري ما الذي جري لها منذ ذلك الحين لأنها تضاءلت تماما في الذاكرة التاريخية ربما لأنه لم يعد فيها ما يغري بالحديث. وتكرر الأمر في عصر الرئيس السادات ضمن الأحلام الكبري التي واكبت نصر أكتوبر, وكان مشروع الصالحية هو باكورة غزو الصحراء, ولكن قائد العبور مضي بالاغتيال من قبل الذين تعجبوا من تحريره لأرض مصر قبل تحرير فلسطين, ومعه ذهب مشروع الصالحية إلي حيث ذهبت مديرية التحرير.
ومع عصر الرئيس مبارك أخذت الفكرة أشكالا عدة كان منها الظاهر الذي أخذ ما يكفيه من إعلام مثل مشروع توشكي, وقناة النيل التي ذهبت من أسفل قناة السويس إلي سيناء لكي يكون لها نهر لأول مرة في التاريخ, والآن وصلت المياه, ولكن الزراعة لم تقم بعد؟!. وكان منها ما لم يلاحظه أحد وهو أن الوادي القديم توسع دون مظاهرة أو إعلان, ففي عام1980 كانت مساحة الأرض الزراعية في مصر قد تدهورت إلي5.7 مليون فدان, وهي التي ثبتت معظم القرن العشرين عند مساحة6 ملايين فدان حيث كان يجري استصلاح مساحات توازي ما يتم هدره بسبب التوسع العمراني حتي اختلت المعادلة وأخذت الأرض الزراعية في النقصان. ولكن الثمانينيات شهدت لأول مرة منذ وقت طويل عكسا لهذا الاتجاه نتيجة عملية التحرير الاقتصادي في قطاع الزراعة وتصدير المنتجات الزراعية مما أدي ليس فقط إلي تعويض الهدر والتجريف من أجل التوسعات العمرانية, وإنما إلي زيادة مساحة الأرض الزراعية إلي8.6 مليون فدان. ولم يكن التطور والتغيير في الخريطة بهذه الطريقة إلا توسعا آخر في معادلة الناس والصحراء والنهر قام علي استخدام الأخير بطريقة أكثر كفاءة سواء كانت مياهه فائضة خلف السد العالي, أو كانت مياها متسربة في الأرض تكون مخزونا جوفيا للآبار.
أما التوسع الحقيقي في اتجاه البحر فقد بدأ بمد عملية الاصطياف للطبقات العليا في الحكومة والدولة إلي الساحل الشمالي من خلال قري مراقيا ومرابيللا حتي وصلنا إلي مارينا بعد أن باتت الإسكندرية لا تطاق مع تدهور بنيتها التحتية حتي التسعينيات من القرن الماضي. وبعد الحكومة دخل القطاع الخاص والتعاوني لكي تمس أقدام المصريين مياها لم يمسسها أحد منذ أن قامت كليوباترا بإنشاء حمامها الشهير في مرسي مطروح. ولكن ما كان اصطيافا ما لبث أن تحول إلي استثمارات هائلة دخلته صناعة السياحة بإقدام واضح, وبعد ثلاثة عقود تقريبا ظهرت مدن كاملة مثل شرم الشيخ والغردقة ومرسي علم ورأس سدر, ومع هذا وذاك بدأ الوعي يزداد ببحار سيناء وخلجانها, وظهر البحران الأحمر والأبيض ظهورا آخر في الفكر المصري حتي طبعت نفسها علي منطقة العين السخنة لكي تجعل من الصناعة والخدمات والسياحة والبحر وحدة نفسية جديدة تماما علي المصريين.
هل كان يحتاج ما تحقق كل هذا الزمن, وهل كان بوسعنا تحقيق المزيد والوصول إلي البحر بخريطة جديدة لمصر ومعها كتل سكانية تفرج عن الوادي ازدحامه وقلة حيلته وموارده مع كثرة العيال وزيادة العدد؟ والإجابة هي بالمطلق أنه كان ممكنا تحقيق ما هو أكثر, وبنتائج أكثر اتساعا وأعمق فائدة, ولكن ما جري لم يكن ليجري والوعي المصري كله مركز علي الوادي الضيق إلي الدرجة التي جعلت الضيق والازدحام جزءا من ثقافتنا. وكم كان مضحكا أحيانا أنه عندما نبدأ في البناء داخل الصحاري حيث أرض الله واسعة, إذا بمهندسينا يبنون شوارع ضيقة, ومعها بيوت أكثر ضيقا, وفي داخلها حجرات لا تزيد كثيرا علي تلك المعروفة في مصر القديمة.
الثقافة إذن كانت عاملا هاما لكي يكون ذلك كذلك, فالبحار مثل السماء والصحراء لهما سمات لا متناهية, أما النهر والوادي الذي تلاصقه وتطارده الصحراء فإنه مصاب باختناق دائم يضاعفه جماعة سكانية لا تكف عن الإنجاب, وعندما يكبر العيال لا يكفون عن المطالب, أما كبارهم فلا يكفون عن المطالبة بتوزيع الثروة وليس إنتاجها. وهنا نصل إلي السبب الجوهري الثاني, فالوصول إلي البحر ليس مجرد رغبة نفسية, أو تصور عقلي رشيد, وإنما هو أيضا مشروع اقتصادي يتطلب بنية أساسية من الطرق والمطارات التي تصل الوادي بالبحر, وسكك حديدية تربط الصحراء بالماء, ومحطات للطاقة تقدم للمصنع والفندق والمدينة احتياجاتها. هنا فإن نظرة علي الموازنة العامة تكفي لكي توضح الأسباب كلها هنا, فإن نظرة علي الموازنة العامة تكفي لكي توضح الأسباب كلها, فالأجور تشكل حوالي24% من إجمالي المصروفات, ويمثل الدعم حوالي30% في المائة من مصروفاتها, بينما توجه نسبة23% من المصروفات لفوائد الدين العام, وحوالي7% لشراء السلع والخدمات, ويتبقي للاستثمار حوالي9% فقط, ومابعد ذلك أشياء أخري محدودة.
وبعيدا عن الأجور والدعم والدين, فإن من الطبيعي في هذه الحالة أن توجه النسب الأخري المحدودة أصلا من الموارد إلي حيث يوجد أصحاب المصالح, والقادرون علي الضغط علي الأجهزة الحكومية المختلفة, وهم في هذه الحالة القاهرة والوجه البحري حيث توجد الكتلة السكانية الرئيسية للبلاد, بل وحيث توجد مواردها الرئيسية من الصناعة والزراعة والخدمات, ومعهما المعاهد والجامعات وجماعات الضغط من النقابات والجمعيات. وخلال العقدين الأخيرين صرخ الصعيد بأشكال متعددة, ومن ثم بدأ في الحصول علي بعض من الموارد حتي لم يبق بعدها إلا النزر اليسير الذي خلق طريقا مثل الذي يربط بين قنا وسفاجا, أو الآخر الذي يربط القاهرة بالعين السخنة. والحقيقة أننا نحتاج مئات من كل ذلك طرقا ومطارات ومحطات للطاقة ومراكز للاتصالات ومعهما جميعا بنية تعليمية تختلف تماما عن البنية القائمة في الوادي حيث إن إنسان البحر الذي نتحدث عنه له صفات مغامرة ومبادرة وساعية إلي الربح والاكتشاف, وكلها تختلف عن الصفات المحافظة لإنسان وادي النيل.
المسألة إذن أن ذلك كان كذلك, أي أننا لم نحقق ما نصبوه من خريطة جغرافية وسكانية لمصر ترفع من مكانتها التنافسية في العالم وتستغل الأصول الجغرافية/ الاقتصادية التي نملكها استغلالا رشيدا; كل ذلك لأننا لم نكن نعرف ما نسعي له, وما كان لدينا الثقافة التي تحثنا علي السباحة في شطآن بعيدة; ولأنه كانت لدينا أولويات أخري حتمتها ظروفنا السكانية وضغوطها من أجل توزيع مواردنا في اتجاهات بعينها. والمخرج من ذلك كله هو بديلان لا ثالث لهما: الأول أن نستمر في السير علي طريقة السلحفاة التي نسير عليها الآن, أي حسب ما يتبقي من الموازنة العامة, فنظفر بطريق عظيم كل عقد من السنوات, ومحطة للطاقة كلما جاءتنا منحة من دولة غنية, وبشكل ما فإن قطاع السياحة باتت فيه قوة اندفاع قد تجعل الأمور أفضل قليلا عما كنا عليه منذ ثلاثة عقود. والثاني هو أن نفتح الأبواب علي مصاريعها للاستثمار الاقتصادي في أراض ومواقع لا نعرفها ولا نزورها ولا نصل إليها, وفيما عدا سيناء ـ لأسباب معروفة ـ فإن الملكية يجب أن تتاح لكل من يوفر مشروعا وفرصا للعمل واستثمارا يبعث الحياة من الشركات الدولية والعربية والمحلية. وفي هذه الحالة فإن الأوضاع المصرية سوف تتغير تماما, وبدلا من أن يعمل بلد بأكمله وموارده من أجل الإنفاق علي جهاز إداري وبيروقراطي فقير يحتاج بعد المرتبات إلي كل أنواع الدعم الصريح منه والخفي, فإن هذا الجهاز سوف تكون مهمته تنظيم عملية تنمية واسعة تمتد أطرافها إلي كل الحدود والشطآن المصرية.
البديل الأول نعرفه وربما نسخط عليه ونتساءل عن المسئول ببراءة شديدة, والثاني يحتاج شجاعة الخروج مما اعتدنا عليه, وتواضعنا علي السير فيه لأجيال وعقود طويلة. الأول كلنا شركاء فيه, ويعطينا الخصوصية التي لا نكف الحديث عنها بل إنها أصبحت جزءا من أصول الوطنية; والثاني يعني احتضانا واتصالا وعناقا مع العالم الذي نعيش فيه, فكلما زادت قدراتنا التنافسية لا يعود للخوف معني, ولا للتردد سبب.
هل على سورية أن تجرب؟
بقلم: طارق الحميد الشرق الأوسط
توعد النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي إسرائيل في حال هاجمت سورية أو لبنان، حيث قال في دمشق: «من يفكر في الاعتداء على سورية ولبنان.. هذه المرة ستقطع أرجلهم بمقدار ما يعتدون». والسؤال: هل على السوريين أن يجربوا الحرب مع إسرائيل ليتأكدوا من مصداقية إيران؟ قبل الإجابة لا بد من رواية قصة طريفة تنطوي على الكثير.
فأثناء الجهد المكثف الذي بذله الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون من أجل تحقيق سلام بين سورية وإسرائيل قال أحد المتفائلين، وبناء على تصريحات لكلينتون وقتها، بأن السلام بات قريباً بين دمشق وتل أبيب، فرد عليه الكاتب المميز علي سالم بالقول: «مستحيل»، فرد المتفائل قائلا: «حضرتك تفهم سياسة أكثر من كلينتون؟»، فأجاب الكاتب علي سالم: «لا.. أنا ما افهمش سياسة زي كلينتون، بس أفهم لكاعة أكثر منه»! وبالطبع لم يتحقق السلام. وعطفاً على ما قاله الكاتب سالم، نقول إن ما قاله النائب رحيمي عن أن إيران ستدافع عن سورية ما هو إلا بيع للوهم، وضحك على الذقون.
فلم يطلق الإيرانيون رصاصة ضد إسرائيل، أو صاروخاً، عندما عربد الإسرائيليون في لبنان عام 2006، وحتى بعد أن خرج حسن نصر الله قائلا إن على من يحب لبنان أن يوقف هذه الحرب، كما لم تطلق إيران صاروخاً على إسرائيل يوم هاجمت غزة، بل تم تحذير الإيرانيين من مغبة التدخل بحجة أن لا حدود مع إسرائيل، رغم أن طهران دائماً ما تتباهى بصواريخها. ولا أعتقد أن المرء في حاجة للتذكير بأن إيران أيضاً قد فتحت أجواءها للأميركيين إبان غزوهم الأخير للعراق، وهذا ليس بسر، فقد صرح الرئيس الإيراني من قبل متذمراً من أن الأميركيين يتنكرون لما قدمته إيران من مساعدات لهم في العراق وأفغانستان!
فهل بعد كل ذلك سيصدق السوريون كلام النائب الأول للرئيس الإيراني، أو تنطلي عليهم حيل طهران؟ لا أعتقد! وبكل تأكيد أن دمشق تجيد أيضاً فن «اللكاعة» السائد في منطقتنا، حيث لا سياسات واضحة، ناهيك عن انعدام المصداقية؛ فدمشق التي تحدث فيها النائب الأول للرئيس الإيراني عن التكامل الاقتصادي بين دمشق وطهران، هي نفسها دمشق التي نصحت عمرو موسى بالتريث تجاه فكرة محور دول الجوار، وهي نفسها التي تحتفي بتركيا اليوم، بل وقامت بمناورات عسكرية معها قبل أيام، وها هو معاون نائب الرئيس السوري يقول إن «سورية وتركيا تتطلعان إلى بناء أوثق العلاقات والتعاون في جميع المجالات تمهيداً لبناء تكتل إقليمي جديد بيد أبنائه الذين يشتركون بروابط تاريخية وجغرافية». بل ونجد دمشق تريد التفاوض مع إسرائيل، وتهاجم العرب الذين يدعمون تفاوض الفلسطينيين مع الإسرائيليين في نفس الوقت. ولذا، فمع وزيرة الخارجية الأميركية كل الحق حين قالت إن التصريحات الصادرة من سورية قد تعني الحرب، وقد تعني السلام! ولذا فلا بد اليوم من أن نعيد طرح السؤال الذي طرحناه كعنوان مقال في 27 فبراير (شباط) 2010، وهو: «سورية وإيران.. من يخدع من؟».
زيارة لم تتم
محمد صلاح .. الحياة
تراجع الحديث عن زيارة كانت متوقعة للرئيس السوري بشار الأسد لمدينة شرم الشيخ المصرية لتهنئة الرئيس المصري حسني مبارك بنجاح عملية جراحية كان أجراها في ألمانيا لإزالة المرارة. وبعدما كانت وسائل إعلام عربية قد توقعت أن تتم الزيارة بمجرد تعافي مبارك مباشرة، حتى أن بعضها حدد الموعد، إلا أن الأيام مرت والتقى مبارك عدداً من الزعماء العرب من دون الرئيس السوري. يتساءل الناس ماذا حدث؟ خصوصاً أن العلاقات المصرية – السورية الباردة منذ فترة شهدت تطورات مهمة منذ القمة العربية التي عقدت في الأسبوع الأخير من شهر آذار (مارس) الماضي حين تسربت معلومات عن نية عدد من الزعماء بينهم الأسد السفر من مدينة سرت الليبية إلى شرم الشيخ مباشرة للقاء مبارك، إلا أن الإدارة المصرية أوضحت أن الرئيس المصري يحتاج إلى بضعة أيام للراحة بعد العملية الجراحية، وجاء بعدها التصريح الشهير لوزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط أثناء زيارته العاصمة اللبنانية بيروت وأكد فيه مساندة مصر لسورية إذا وقع ضدها عدوان اسرائيلي، وذهب الوزير المصري إلى وصف اسرائيل بـ «العدو» في كلامه، ما فتح عليه نار آلة الإعلام الإسرائيلية، وفي اليوم نفسه، أكد أبو الغيط أن الرئيس السوري مرحب به في مصر دائما وفي أي وقت عندما توقع الجميع أن تتم زيارة الأسد شرم الشيخ بسرعة. وجاءت الأحكام في قضية خلية «حزب الله» ورأى البعض أنها قد تؤثر في مسألة تجاوز الأزمة المصرية - السورية على خلفية العلاقة الخاصة بين «حزب الله» ودمشق. لكن الذين تابعوا القضية منذ الكشف عنها العام الماضي كانوا على يقين بأن أحكاماً مشددة ستصدر في حق المتهمين الذين أقروا بوقائع القضية ولم ينفوها، بل أن منتصر الزيات، محامي المتهم اللبناني، أبدى أثناء التحقيقات استغرابه من إصرار موكله على البوح بكل تفاصيل التنظيم، علاوة على تأكيد الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله أن الخلية تابعة للحزب بغض النظر عن المبررات التي أطلقها كهدف للعملية. وعلى ذلك فإن الأحكام كانت متوقعة، ومن المستبعد أن تكون سبباً في التأثير على اتمام الزيارة التي لم تتم.
المؤكد أن شيئا ما حدث فعطل زيارة الأسد أو أرجأها ولا نتمنى أن يكون تسبب في إلغائها. وبغض النظر عن تفاصيل الخلاف بين البلدين فإنها كانت فرصة لتجاوز ذلك الخلاف بصورة لا تجعل طرفا يبدو وكأنه قدم تنازلات للطرف الآخر. وعلى الأرجح وفي ضوء الأجواء التي سادت البلدين في الأسابيع الأخيرة فإن حديثا جرى بين مستويات في البلدين لترتيب الزيارة، لكن يبدو أن أسلوب الاتفاق على اتمامها سيكون سبباً في تعطيلها, عموماً تبقى الأوضاع العربية على حالها من سيء إلى أسوأ إلى أن تعالج معضلات في العلاقات العربية – العربية صارت تجعل من زيارة بروتوكولية لزعيم عربي لبلد عربي آخر معضلة في حد ذاتها، في حين تتم زيارات زعماء الدول العربية للدول الأجنبية وبالعكس من دون كل هذا الضجيج أو الصخب، والمهم فيها دائما ما يتم بحثه أو الوصول إليه. أما في العالم العربي فإن مجرد عقد قمة عربية أصبح حدثاً يستحق الإشادة، كما أن زيارة لم تتم لزعيم لبلد عربي آخر أصبح أمرها مثيراً للجدل، فماذا سيحدث إذا تمت بالفعل؟.
عودة الى مقالات
|