|
يوميات مواطن عادي (154) .. المنسي.. حوار مع أيام اللواء/ محمد نجيب بقلم أ/ صلاح إبراهيم
"هناك من الناس من يُنسى قدرا ً.. وهناك من يُنسى عمدا ً".
فالقليل من العاملين في الصحافة والإعلام يذكر مؤسس أول صحيفة في العالم.. وهي صحيفة "جازيت دافرنس".. وصدرت في ليلة 29مايو عام 1631م على يد صاحبها الطبيب الفرنسي "تيوفراست رينو دو".. وهذا شيء قدري بحت لا يد لأحد فيه.
أما ما جرى مع اللواء/ محمد نجيب.. والذي ظل "رئيسا ً للجمهورية المصرية" منذ إعلانها.. وحتى إقالته الشهيرة في عام 54 .. من تعمد للتجاهل وحكم بالنسيان.. ومحاولة لشطبه من التاريخ قاطبة فشيء يفوق للخيال.
وسوف نناقش مذكرات الرجل رحمه الله وما كتب عنه.. لنعرف الحقيقة بأقل قدر ممكن من الأكاذيب.. والتي تشوب معظم الكتابات التاريخية لأغراض نفسية تتعلق بمصالح الرواه.
فمع نص الحوار:
هل لك أن تعرف القراء بك؟
محمد يوسف نجيب.
مولود في 7 يوليو سنة 1902م.. على أرجح الأقوال أبي يوسف نجيب من قرية النحارية مركز كفر الزيات محافظة الغربية.
تخرج أبي من المدرسة الحربية في 26مارس عام1896م.. والتحق بالكتيبة 17مشاة في السودان.. وتزوج من السيدة زهرة والدتي وهي بنت الأميرلاي "محمد عثمان بك".. والذي استشهد في المعارك التي نشبت بين القوات المصرية الإنجليزية والثورة المهدية عندما وقعت العاصمة الخرطوم في أيدي الثوار في 26يناير سنة 1885 -.
تم زواج أبي في عام 1900.. وعاش طوال عمره في السودان.. ومات رحمه الله عندما بلغت من العمر 13عاما ً.. وكنا نسكن في منزل بسيط في الخرطوم بجوار الجامع العتيق.. وكنا نشد الرحال إلى حيث ينتقل أبي.. فقد عمل في وادي حلفا ً ووادي مدني.
وفي واد مدني حفظت القرآن الكريم وأجدت القراءة والكتابة.. ثم انتقل أبي ونحن معه إلى سنار.. ثم دلقو بمديرية حلفا.. ثم الرصيرص.. والتي توفى فيها أبي رحمه الله بحمى "الكالازار".. وعمره 43سنة.
من والدي وجدي ورثت حب الحياة العسكرية.. ولكني التحقت بكلية غوردون.. والتي أنشئت عام 1903م.. وعندما وصلت للسنة الثانية عام 1914م.. بدأت المشاكل بيني وبين الأساتذة الانكليز لسوء معاملتهم لنا.
ولتأثري بكتابات مصطفى كامل.. ثم التحقت بعد تخرجي منها بمعهد الأبحاث الاستوائية في الخرطوم أيضا ً.. حيث أجدت العمل على الآلة الكاتبة والعلوم الإدارية.
ولكن حلمي بالانخراط في الحياة العسكرية لم يفارق خيالي.. حتى قابلت "إبراهيم أحمد عرابي" ابن الثائر عرابي.. والذي كان يعمل باشكاتب في الخرطوم.. وعرضت عليه الفكرة فقال لي:
"أن الضابط في أي بلد محتل.. مجرد مقاول أنفار".
هل وجدت ما قاله حقا ً عندما خاطرت وخضت العديد من المغامرات من السفر إلى القاهرة وخوض الاختبارات.. ثم العودة للخرطوم.. والسفر مرة أخرى إلى القاهرة.. بناء على برقية المدرسة الحربية في 26مارس 1917م.. ثم التغلب على مشكلة قصر قامتك وتخرجك عام 1918م بدرجة ملازم ثان.. وعملك بالخرطوم والذي بدأ في 19فبراير عام 1918م؟
كان كلامه صابئا ً تماما ً.. فما كدت أتسلم عملي في الكتيبة 17مشاة.. والتي كان يعمل بها أبي حتى صدرت لنا الأوامر بالتحرك مع 450جنديا ً من الكتائب 4، 13، 17 مشاة.. وفصيلة من الاستحكامات بقيادة الملازم عبد الله خليل للسفر فورا ً إلى منطقة وادي بناجا.. بالقرب من شندي.
وذلك للعمل في مد وتقوية جسور السكك الحديدية.. "خشية انهيارها من الفيضان القادم".
وأمضيت ستة أشهر أشرف على الجنود.. وهم يحملون المعاول والمقاطف وبينهم الضباط والأتربة تغطي الجميع.
وعندها عرفت كيف تم حفر قناة السويس؟!!!
وماذا فعلت إزاء هذا الموقف غير المتوقع؟
فكرت في ترك الجيش وعملت على أن أدرس دراسة مدنية فحصلت على شهادة الكفاءة "تعادل الصف الثالث الثانوي".
ثم حصلت على البكاليوريا "الصف الرابع الثانوي".
ثم انتسبت إلى مدرسة الحقوق.. وطلبت نقلي من المشاة إلى السواري.. وتحقق طلبي.
ولكني واجهت متاعب مع القائد الانجليزي.. فعدت إلى سلاح المشاة في عام 1919م.
تقصد عام ثورة مصر هل علمت بها وأنت في السودان؟
علمت بها عن طريق إبراهيم عبود زميلي في المدرسة الحربية وفريق الملاكمة.. والذي أصبح "رئيسا ً لجمهورية السودان" بعد انفصالها عن مصر.. بعد مؤامرات الانجليز وتفريط الثورة.
وماذا فعلت وأنت القارئ النهم لمصطفى كامل؟
سافرت إلى القاهرة بعد رحلة شاقة من بورت سودان إلى السويس بالسفينة.. ثم من السويس.. ثم من السويس إلى القاهرة بالقطار وشاهدت الثورة الشعبية بأحلى صورها.
فقد شارك فيها جميع الشعب.. من طلبة المدارس إلى البنات والنساء إلي الشيوخ والقساوسة.
ولازالت صور أكوام الجثث والحجارة وعربات الترام المقلوبة في الشارع والمصابين برصاص الانجليز "تترائي لعيني" في كل لحظة.
وانضممت لمجموعة من الضباط.. وذهبنا إلي بيت الأمة وجلسنا على "سلالم البيت" غير عابئين بالكاميرات التي كانت لا تكف عن تصوير الحاضرين تمهيدا ً لاعتقالهم والتنكيل بهم.
ثم عدت إلي الخرطوم لأحصل من الضباط على توقيعات لتأييد الثورة.. مما ترتب عليه "إغلاق نادي الضباط بالخرطوم.. واعتقالي لأول مرة".
من المعروف أن تجربة الاعتقال تجربة ثرية .. فماذا استفدت منها؟
تعرفت على اليوزباشي/ أحمد الصاوي .. واليوزباشي/ محمود هاشم.. واليوزباشي/ عبد الوهاب البهنساوي .. واليوزباشي/ أحمد عطية .. والملازم أول/ طبيب سليمان أباظة .
وتعلم قلبي الرقة على المرءوسين.. والغلظة على المستعمرين .
وتجرأ قلبي على طبع المنشورات وتوزيعها .. وشاركت في كثير من الأعمال الوطنية.
فاستقلت من الجيش عام 1942 بعد حادث 4فبراير الشهير.. ورفض الملك الاستقالة .
وقابلت النحاس باشا وعرضت عليه تدخل الجيش .
وكان منزلي مركز تجمع للسودانيين في منزلي نمرة "7".. شارع سكة الميدانية سراي القبة .
وأنا أول من وقف في وجه إبراهيم عطا الله وكان رئيساً للأركان وقتها.
وذلك عندما اتهم السادات بالتخابر مع الألمان عام 1942.. ولجأ إلي والده وكان صديقا ً لي ومعرفة منذ أيام الخرطوم.. وكنت وقتها نائبا ً للأحكام.
وكتبت مذكرة في صالح السادات رفضها إبراهيم.. وخرج السادات بعدها من الجيش لينضم إلي الحرس الحديدي.. والذي كان يعمل لصالح الملك فاروق.
وكنت معارضا ً للحرب في فلسطين بطريقة الجيوش النظامية.
حيث كانت الجيوش العربية مهلهة لحرص الاستعمار على بقائها ضعيفة.. ولكني مع ذلك حضرت الحرب وأبليت فيها بلاء ً حسنا ً وأصبت إصابات شبه قاتلة.
وعندما كنت حاكما ً لسيناء سهلت للجيش المصري التحرك إلي فلسطين.
واشتركت في 21 معركة ضد اليهود .
وأبلغت النحاس باشا أن الجيش سيقف معه ومع الوفد إذا أراد أن يقيم الحياة النيابية بالقوة.
ولكنه قال لي ما جعلني أحبه طوال حياتي:
"أن الأفضل للجيش أن يبتعد عن الحياة السياسية لأن الأمة مصدر السلطات".
ولو اتبعت نصيحته لجنبت نفسي وبلادي ما حدث بعد ذلك.. "عندما استولت الثورة على الحياة السياسية.. وصبغت البلاد كلها باللون الكاكي".
لأن الضباط خاضوا الحياة السياسية بلا خبرة ولا بصيرة وتحولوا إلي ملوك حتى قال الناس:
"طردنا ملكا ً وأتينا بثلاثة عشر ملكا ً".. ويقصدون بذلك مجلس قيادة الثورة.
كما زرت وأنا بملابسي العسكرية المعتقلين السودانيين بسجن الاستئناف بباب الخلق.
دعنا نرجع للخلف ونطلع على مؤهلاتك العلمية والحربية؟
قلت أني حصلت على الكفاءة.
ثم تقدمت بها إلي مدرسة البوليس.. فدرست هناك القانون الإداري ولوائح البوليس.
وخدمت في قسم عابدين وقسم مصر القديمة وقسم بولاق.. وتعرفت خلال هذه الخدمة والتي بلغت ستة عشر شهرا ً على المجتمع المصري بصورته الطبيعية.. وعرفت بسطاء الناس وأغنيائهم.
وكنت حصلت على ليسانس الحقوق عام 1929.
ثم حصلت على دبلومة الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي 1929 .
ودبلومة الدراسات العليا في القانون الخاص عام 1931.
وبدأت في تحضير الدكتوراة عن العنصر الإنساني في الجيش .
ثم بعد تركي للبوليس عدت للسودان .. وحصلت هناك على فرقة تخصص في مدافع الماكينة .
ثم سافرت مع مجموعة من الزملاء إلي انجلترا وفرنسا بمنحة خاصة لمدة شهرين.. زرت خلالها المدارس العسكرية والمصانع الحربية.. وشاهدت مع زملائي تحصينات خط ماجينو الشهير
معنى ذلك أنك لم تحصل على الدكتوراة؟
لم أتمكن من ذلك لتنقلاتي من القاهرة للسودان.. ومن القاهرة للعريش.. ومن العريش إلي الصحراء الغربية.. حيث كانت نذر الحرب العالمية الثانية تلوح على الأفق .. وكان تأمين الصحراء الغربية شاغل السلطات المصرية والبريطانية في ذلك الوقت على أني حصلت على شهادة كلية أركان الحرب.. وهي تعادل الدكتوراة في العلوم العسكرية.
وفي أثناء امتحان دبلوم الاقتصاد السياسي عام 1929 كان يجاورني الأستاذ/ نجيب الهلالي الذي كان رئيسا ً للوز راء عندما قامت الثورة .. ورأس الوزراء لمدة يوم واحد من 22يوليو حتى 23يوليو 1952.
ما أسعد أعوام حياتك؟
عام 1934 نقلت إلي سلاح الحدود.. ثم تزوجت زوجتي الثانية السيدة عائشة محمد لبيب.. والتي عاشت معي "على الحلوة والمرة" كما يقولون.
ما سبب انتصاراتك على المهربين في سيناء؟
كان حب البدو لي.. حيث كنت معهم كأحدهم.. ولم أبخل عليهم حتى بطعامي أو سجائري.. وكنت أداوي مرضاهم .. وكانوا يرشدوني إلي مخابئ المهربين.. وأنسب الطرق للقضاء عليهم.
حتى كتب "هاتون بك" في تقريره السري عني:
"إن محمد نجيب ضرب رقما ً قياسيا ً في دوريات الصحراء.. سواء على ظهر الجمال أم بالسيارة .. هو رجل شجاع ذو مخالب قوية".
وللحديث بقية إن شاء الله
الاثنين الموافق
30-12-1431هـ
6-12-2010م
| الإسم | احمد صبحى الصاوى |
| عنوان التعليق | ثورة يوليو ثورة حقيقية على الفساد والملك |
| لما ذا الجماعة الاسلامية تنساق لكل المهاجمين لثورة يوليو ارجو قراءة التاريخ جيدا وبحيادية حتى تعلموا انها ثورة حقيقية ونحن الان فى حاجة ماسة لثورة مثلها بعد بيع مصر وبيع شعبها |
عودة الى من التاريخ
|