|
يوميات مواطن عادي (155) .. أنا وفاروق .. حوار مع محمد نجيب بقلم أ/ صلاح إبراهيم..
التقى الملك فاروق ومحمد نجيب أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة .. حتى كان يوم 26 من يوليو عام 1952.. وكان اللقاء الأخير بين من كان ملكا ً .. وبين من أصبح قائدا ً عاما ً ثم رئيسا ً للوزراء .. ثم أول رئيس جمهورية مصري .
ويسرنا أن نستعيد الذكريات مع الرجل:
رغم أنك نسيت كثيرا ً من الذكريات والتفاصيل كما سنذكر في حينه.. إلا أنك كنت قوي الذاكرة في كل ما حدث بينك وبين الملك السابق فاروق "رحمه الله".. فكيف كان ذلك؟
ربما يكون ذلك عائدا ً إلي تشابه المصير رغم اختلاف المقدمات .. فقد أضاع الرجل عرشه وعرش أجداده بيده.. لا بيد الثورة.. وكنت حريصا ً علي أبنائي الثوار.. وعلي بلدي الرحيب الممتد من البحر المتوسط إلي فاشوده بأقصى جنوب السودان.
كان سلوكه معيبا ً.. وكان سلوكي طيبا ً بشهادة الجميع .. وحرصت علي أن يخرج وهو خصمي بكل تكريم وإجلال وصحة وعافية.. واعتقلني زملائي وعاملوني معاملة لا تليق بأسير.
ولكنا اتفقنا في محاولة الثورة إسدال ستائر وحجب النسيان علي أسمينا وصورتينا وأخبارنا وأعمالنا.0
وقد نجحت الثورة معي نجاحا ً منقطع النظير.. بينما فشلت مع فاروق حتى مع طمس صوره من الأفلام القديمة.
فقد كان عشرات الآلاف قد تسموا باسمه .. وكان في بيتي ابني والذي أصرت زوجتي علي تسميته فاروق لتجلب له الحظ الحسن .. كذلك بقي الكثير مما تسمي باسمه ويمس حياة الناس علي حالة مثل شركة أمير الصعيد .. وهو لقب له.. والترعة الفاروقية وغير ذلك .
نريد أن تقص علينا قصة هذه اللقاءات من البداية.. وتحكي لنا مشاعرك نحوها؟
عندما اجتزت امتحانات فرقة مدافع الماكينة كنت الأول علي الفرقة رغم أني قبلت استثنائيا ً.. فقد كان المصريون لا يقبلون في فرق التخصص الموجودة علي أرض السودان.. وذلك تعميقا ً للفجوة التي صنعها الإنجليز بين الشعبين.
أقول أني بعد هذه النتيجة المذهلة .. تقرر نقلي للخدمة في الحرس الملكي في القاهرة.. وكان ذلك في 28 إبريل عام 1923 .. ولكن كان الملك وقتها هو فؤاد الأول والد فاروق.
وقد تجرأت ودعوت الثوار من الضباط السودانيين والذين أفرج عنهم بعد اعتقالهم في سجن الاستئناف إلي تناول الطعام في مقر الحرس الملكي .
وكانت نتيجة ذلك طردي من ذلك الحرس إلي الأبد والحمد لله.. ولكن خدمتي في الحرس أتاحت لي رؤية الحياة في قصور الملوك .
كما زارت أمي وأختي بطريق الخطأ الملكة نازلي والأميرات.. ولقيتا من مودتهن وكرمهن شيئا ً كثيرا ً .
وقد حاولت الملكة والأميرات رد الزيارة حيث فهمت أني ربما أكون من كبار القادة أو الأعيان .. وقد أفهمت الأغا الخطأ فلم تكتمل الزيارة .
والجدير بالذكر أن الملكة نازلي هي أم الملك فاروق.. وكانت سببا ً من أسباب انهيار عرشه.
كيف كانت الملكة نازلي سببا ً في ضياع عرش فاروق ابنها؟
أذكر أني قابلت الملك فاروق لأول مرة بعد ميلاد ابني فاروق.. وكان عمري وقتها 37 سنة.. بينما كانت سنه 18 سنة .
وكنت قد رقيت إلي رتبة الرائد وأصبحت مسئولا ً عن المتحف الحربي في القاهرة .. وكان فاروق في الإسكندرية وطلب حمل بعض التحف من المتحف ليشاهدها.
حملنا سيارتي لوري .. وذهبنا إليه حيث قابلنا الملك بلباس البحر وصندل وقبعة.. بينما كنا في ملابسنا الرسمية .
وبينما كنا نعرض عليه التحف سحبت مسدسين مصنوع أحدهما من النحاس والآخر من معدن آخر.. وكان المسدسان من عصر الخديوي إسماعيل .
وعندما أمسكت بالمسدسين بيد واحدة قال فاروق :
أنت قوي.. ماذا تأكل ؟
قلت له : فول .
وبعدها طلب أقدم مسدس في مصر.. فأحضرته له.. ولاحظت أنه فرح به فرح الطفل بلعبة جديدة .
وأردت فك المسدس أمامه فتقدم أحد "الحشاكيل" وكان اسمه عبد الغفار عثمان ليقوم بهذه المهمة بعد أن قبل يد الملك.. والتي لم أقبلها أبدا ً ففشل في ذلك.. وقمت بهذه المهمة خير قيام .. رغم أن الرجل كان قد تلقي تعليمه العسكري في بريطانيا .
ثم قابلته في نفس العام بمناسبة حفل تخريج دفعتي في كلية أركان حرب .. وقد حرضت زملائي علي عدم تقبيل يد الملك .. ولكنهم خالفوني في ذلك.. حتى إذا جاء دوري مثلت دور المرتبك وأديت له تحية حارة فغمز لي بعينه دليلا ًَ علي الفهم.
والغريب أن صورته وهو يغمز بعينه لي ظهرت في صحف اليوم التالي.
وهل قابلت الملك مرات أخرى.. وخاصة في أيام أزماته الطاحنة مع الانجليز؟
نعم.. ففي 4 فبراير انتهك السير لامبيسون المندوب السامي البريطاني كرامة مصر وكرامة الملك . واقتحم القصر الملكي بالدبابات البريطانية رغم معاهدة 36 .. ودخل غرفة نوم الملك بعد أن حاول الياور الخاص إرشاده إليها فأزاحه بيده قائلا ً:
أنا أعرف الطريق جيدا ..ً وواجه الملك بأنه مخير بين التنازل عن العرش.. أو تولية النحاس باشا رئاسة الوزارة.
عندها أحسست باحتقار بدلتي العسكرية والتي لم تستطع الزود عن ملك البلاد.. وتقدمت باستقالتي وقتها.
وهل قبل الملك استقالتك؟
الملك رفض قبولها.. وأعادها إلي ّ مع ياوره عبد الله النجومي والذي قال لي:
بما أن الملك منع الحرس الملكي من مقاومة الإنجليز.. لذا فهو لن يسمح لك بالاستقالة.
ثم أمر الملك بترقيتي ترقية استثنائية إلي رتبة اللواء وحمل لي ياوره الخاص علامة الرتبة هدية منه.. وهنأني بالنيابة عن الملك قبل عودتي إلي فلسطين مرة أخري بعد عملي فترة " قائدا ً لمدرسة الضباط العظام " .
ولكن حيدر باشا رئيس الأركان أقنع الملك بأن الترقية الاستثنائية لا تمنح للأحياء.. فتم سحبها.
وما هي علاقتك بالملك فاروق في أثناء الحرب في فلسطين سنة 1948؟
لقد أقنعتني الهزائم المتوالية في فلسطين بأن العدو الحقيقي لنا هو الفساد الذي يأكل لحم مصر كالسوس .. وكان علينا أن نخوض المعركة الحقيقية ضد الملك والإقطاع وكبار القواد والحاشية .. وجميع دعائم النظام القائم .. وكنت صاحب عبارة "إن المعركة الحقيقية في مصر.. وليست في فلسطين".
وأعجبت العبارة ناصر فنسبها إلي نفسه.. ثم تورط الملك في لعبة توريد السلاح الخردة للجيش بأغلى الأسعار.. وكان شريكه في هذه العمليات وغيرها من الأعمال القذرة كتهريب المخدرات وبيع أراضي الدولة بطرق غير مشروعة حسين سري عامر.. والذي عمل تحت رئاستي لسلاح الحدود فأمرت بالتحقيق معه.. وقد وجهت لجنة التحقيق لعامر 600 تهمة.. منها سرقة ونهب أموال البدو ومصوغات نسائهم .
وماذا كانت نتيجة هذه التحقيقات العملية؟
رفعت نتيجة التحقيقات إلي إسماعيل شيرين لرفعها إلي الملك .. ولكن الرجل قال لي:
إن الملك لن يفعل شيئا ً لصديقه سري عامر.. ولترح جوادك فلن تنال إلا العداوة.
وهل تحققت نبوءة إسماعيل شرين؟
نعم.. فقد كان الرجل علي حق.. فقد رقي عامر ترقية استثنائية.. وعين مديرا ً لسلاح الحدود بدلا ً مني.
وكان لطلبي بعدم عمل الجنود في قصر الملك برأس الحكمة كخدم سبباً في كسب عداوة الملك.. وكان الملك قد أقام القصر بخامات مسروقة من الجيش وغير الجيش.. وعلي أرض مملوكة للدولة أكبر الأثر في انتقام الملك مني وبعدها لقبني الملك بدون كيشوت.. والذي كان يحارب طواحين الهواء بحمار أعرج وسيف مكسور.
وهل جعلك هذا تضمر الثورة على الملك؟
لا.. فحتى ذلك الوقت لم أضمر الثورة ضد الملك.. وإنما كان أملي أن يتم الإصلاح عن طريق الأمة وحزب الأغلبية.
وكان الوفد قد نجح بأغلبية ساحقة في الانتخابات البرلمانية فتقدمت بمذكرة للنحاس باشا من 12 بندا ً لإصلاح أحوال الجيش ووقعتها باسمي.
وماذا فعل النحاس بهذه المذكرة؟
النحاس كان شهما ً.. فبعد أن عرفني وقدر رجولتي خاف عليّ.. وطلب مني شطب توقيعي فرفضت.
وكان النحاس قد شمر عن ساعده لإجراء تحقيقات في وزارة الحربية أسفرت عن اتهام 13 شخصا ً.. وأخذت التحقيقات مجراها وظهرت أموال العمولات الضخمة وأبطال الفضائح التي أخذت برقاب أقرب الناس للملك.. وكان منهم عمه عباس حليم .. ولكن ما إن ضاقت الدائرة وكادت تمسك برقبة الملك حتى أقفل النائب العام التحقيقات.
وماذا حدث بعد ذلك؟
جاءت حادثة انتخابات نادي الضباط.. والتي كنت فيها مبارزا ً جيدا ً للملك فاروق.. وحصلت وقائمتي علي ما يشبه الإجماع.
وجاء حريق القاهرة والذي كان متوافقا ً زمنيا ً مع حفل في قصر الملك احتفالا ً بمولودة الجديد من ناريمان صادق وحضره كبار قادة الجيش والشرطة.. وذلك في يوم 26 يناير 1952م.
وماذا فعل الملك بعد أن علم بحريق القاهرة وهو في الحفل؟
يومها رفض الملك فض الحفل حتى انتهي في موعده العادي الساعة الرابعة مساء.. وذلك بعد أن أكلت النيران معظم معالم القاهرة .
لقد كان الحريق بمثابة النار التي أكلت كل حب واحترام له في قلبي .
وللحديث بقية إن شاء الله
الخميس الموافق
3- 1-1432هـ
9-12-2010م
عودة الى من التاريخ
|