|
يوميات مواطن عادي(173) ماذا أعددت لها؟ بقلم أ/ صلاح إبراهيم
عندما سأل أحد الصحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الساعة.. بادره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بسؤال آخر هو:
"ماذا أعددت لها؟!!"
وهذا والله من أعظم الدروس في هدي سيدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لجميع أمة المصطفى عليه الصلاة والسلام يعني أن كل واحد منا قبل أن يسأل عن شيء أن يسأل نفسه أولا ً:
ماذا أعددت لهذا الأمر؟!!
وفي نشوة الفرحة بنجاح الثورة والعهد الجديد الذي أطل على الناس فجره بعد غياب طويل تعددت المطالب المشروعة وغير المشروعة.. الممكنة والمستحيلة.
وأغرب هذه المطالب كان مطلب الحرب.
يا داهية دقي.. الحرب هكذا مرة واحدة.
ومن نحارب؟!!.
إسرائيل طبعا ً.
من الذين يطلبون الحرب "وطنيون"؟!!
ولم أر في شعوب العالم وطنية أكثر من الشعب الياباني.. ورغم قوة اليابان الاقتصادية الهائلة.. وإمكان تجهيزها حربيا ً بأعلى تقنية لو أرادت.. إلا أننا لم نسمع يابانيا ً واحدا ً يطالب بالزحف لاسترداد "جزر الكوريل" من روسيا الآن .. والتي ورثتها من الاتحاد السوفيتي السابق بعد أن ضمها في الحرب العالمية الثانية عقب استسلام اليابان.. كما لم تزحف الصين بقواتها الجبارة لتسترد "فرموزا".. وذلك لأن للحرب حسابات معقدة جدا ً لها رجالها.
ومن الذين يطالبون بالحرب؟
"رجال دين"؟!!
ومع احترامي وتوقيري الشديد لرجال الدين.. ولكل رجال أي دين.. إلا أن العسكرية والحرب هو تخصص "رجال الجيوش الإستراتيجية" وحدهم.
وإذا سمحنا لأنفسنا بالكلام عن رأي الدين الإسلامي في الحرب.. وجدناه الدين الوحيد الذي لا يدعو للحرب أبدا ً.. فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
"لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية .. ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا"
فالإسلام لا يدعو إلى الحرب ابتداء ً .. ولكنه يدعو إلى توقيها بدوام الاستعداد لها.. مما يخيف العدو من مجرد التفكير في شن الحرب علينا.
والحرب الوحيدة التي نجحنا فيها في حروبنا العديدة مع العدو هي حرب "73".. والغريب والعجيب أن الذي قاد هذه الحرب هو الوحيد الذي جاهر بطلب السلام مع إسرائيل وبح صوته واندمل لسانه من أجله .. ولكن لا مجيب من الجانب الإسرائيلي.. حتى صرح الساسة الفرنسيون لنظرائهم الأمريكان كما أثبتت الوثائق بأن أمريكا لم تترك من خيار للسادات سوى الحرب.
فكانت الحرب والتي أثبت فيها الجانب المصري فدائية متناهية واتزان وتحضر فاقا الوصف.
فقد جاءت الأيام الثلاثة الأولى للحرب على غير ما يشتهي ويتمنى الجانب الإسرائيلي إذ بلغت خسائره الجوية والبرية أكثر من 50% من المعدات.. حتى قالت "جولدا مائير" أن السلاح الجوي الإسرائيلي يتآكل.. واستنجدت بأمريكا لتنقذها من الهلاك.
وكان رد نيكسون كما ورد في مذكراته.. وكما ورد في مذكرات كيسنجر:
"ابعثوا لإسرائيل كافة ما تحتاجه وأكثر من أسلحه بأقصى سرعة على أي شيء يطير"!!
وقال لمائير:
"احرصوا على التقليل من الخسائر البشرية ولا يهمكم أي خسائر في المعدات.. فمخازننا مفتوحة لتغرفوا منها ما تشاءون.. ولكن أكرر عليكم التقليل من الخسائر البشرية بقدر الإمكان.. حتى لا تضطر وزارة الدفاع الأمريكي إلي دفع الجيش الأمريكي للتدخل علنا".
وورد هذا الكلام علنا ً في مذكرات "مائير" .. كما ورد في مذكرات كلا ً من "نيكسون" و"كيسنجر".
ووصلت لإسرائيل معدات وأسلحة وذخائر بأكثر مما تتوقع.. كما وصلتها قطع غيار وأجهزة الكترونية متقدمة.. فبدأ موقفها يتحسن ثم جاءت الثغرة.
لم نكن أيامها نصنع إلا أقل من 20 % من الأسلحة المستخدمة.. وكان الباقي يقع تحت رحمة المورد الوحيد وهو الاتحاد السوفيتي.. ويقع أيضا ً تحت رحمة وسائل المواصلات.
وكان ثمن الدبابة لا يزيد عن سبعين ألف جنيه.. وهو ثمن لا يشتري موتوسيكل من نوع جيد في هذه الأيام .. وكنا ندفع حسب التساهيل بالقروض والبصل والقطن والأحذية صنع باتا .. وأحيانا ً نقدا ً.
وكان تحت السلاح حوالي 850 ألف جندي مقاتل.. يخدمهم أكثر من ثلاثة ملايين جندي أداريا ً وتعبويا ً.
واستغرق الإعداد لهذه الحرب التي استمرت حوالي عشرين يوما ً ست سنوات كاملة.. جندت لها كل موارد الدولة ومصانعها ومرافقها تحت شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة" .
وكانت كل المصانع والشركات مملوكة للدولة.. وكان المجتمع المدني في أروع حالاته من التماسك والتضحية.. ولم يفكر أحد في نفسه إطلاقا ً.
فهل هذا الجو موجود الآن؟
لقد تقدمت إسرائيل وتأخرنا.
فإسرائيل تقدمت في صناعة الأسلحة وخاصة الأسلحة الذكية.. ولا يوجد سلاح لا يصنع بالكامل في إسرائيل من الطائرات المقاتلة إلي الدبابات.. والتي يوجد منها أكثر من طراز.
وهي تصدر السلاح إلي أرقى دول العالم المتقدم مثل روسيا والصين والولايات المتحدة نفسها .. وتستند إلي حائط ذري ونووي متين.
ونحن لا نصنع أكثر من 8 % من الأسلحة والذخائر وقطع الغيار اللازمة لقواتنا المسلحة
وقواتنا المسلحة مشغولة بتأمين الجبهة الداخلية والقضاء علي عناصر الفوضي وتأمين البلاد حتى يستقر الحكم العادل الذي يرضي الشعب.
وبعد ذلك كله تربطنا بإسرائيل معاهدة سلام سارية المفعول.. وأي مسلم يعرف مدى تقديس الإسلام للعهود والمواثيق.. فالله يقول:
" أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ"
" وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ "
وعقد الرسول (صلى الله عليه وسلم) العقود والمواثيق مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى.. واحترمها (صلى الله عليه وسلم) أشد الاحترام .
ويذكر التاريخ كيف أوفي بعهد الحديبية مع ما كان فيه من جور حتى نقضه المشركون.
ووفي بعهوده كلها إلي اليهود حتى نقضوها عهدا ً عهدا ً.
ووفي بعهوده إلي نصارى ساحل الأدرن.. وهي العهود الوحيدة التي احترمها جميع الأطراف .
وكان يقول لكل من يحدثه عن جور بعض العهود
"إن بيننا وبين القوم عهدا ً وميثاقا ً"
ويخلط بعض الناس بين الجهاد والحرب.. مع أن الفرق بينها شاسع والبون بعيد.. فالفرق بينهما كالفرق بين الإستراتيجية والتكتيك.
فإذا كان الجهاد هو الإستراتيجية الشاملة التي تجعل الأمة مستعدة دائما ً للدفاع عن حدودها ودينها ومصالحها .. فإن الحرب تكون تكتيكا يدفع العدوان ويحقق مصالح الأمة.. ولا يعنى التريث في الحرب أو التمهل في قرارها والحساب له بدقة إبطال الجهاد .. فمن يقول ذلك لا عقل له .. وهذه حماس نفسها تعقد الاتفاق تلو الاتفاق مع إسرائيل .. ولا تحاول نقضه بعكس إسرائيل التي تنقضه دائما ً.
ولم يعرف التاريخ أمة خاضت حروبا ً طويلة إلا تفككت وتلاشت .
ولننظر ما حدث للإمبراطورتين الروسية والتركية بعد حروب القرم التي استمرت سبعين عاما ً.
وما حدث لأمريكا وهي أقوي إمبراطورية في التاريخ في فيتنام وأفغانستان والعراق .. وما حدث للإتحاد السوفيتي من تفكك بعد دخوله أفغانستان
إن الجهاد هو المطلوب.. وهو يبدأ بجهاد النفس والشيطان.. ثم يستمر حتى يجاهد الناس دوافع الأنانية والإثرة والطمع حتى يستطيعوا بناء أمة قوية تخيف العدو .. أمة مترابطة تنتج وتصدر .. أمة غنية بمواردها وعقول شبابها وسواعدهم ثم تتدرج في الاستعداد العسكري والسياسي والتقني والاقتصادي .. حتى تخشاها كل الدول المجاورة .
فتلك هي أوراق الضغط التي يمكنها أن تحقق للأمة أفضل المكاسب.
أما وضعنا اليوم.. فنحن لا نملك من أوراق الضغط إلا ضغط الدم .. وقاكم الله شره.
الاثنين الموافق
25-3-1432هـ
28-2-2011
عودة الى من التاريخ
|