English | اردو
  الرئـيسـية من نحن مشرف الموقع اتصل بنا سجل الزوار
  من التاريخ: النكسة بين الزعيم الملهم.. والشعب المخدوع.. والهزيمة الصادمة - دروس في الدعوة: هل سنظل نقلد الفراعنة؟ - ديوان الشعر: غَـنَّيـتُ مِصْر للشاعرة/ نادية بو غرارة - قضايا معاصرة: مصر الغنيمة السياسية.. ومصر الشراكة الوطنية - اللقاء الأسبوعي: خالد حنفي: لابد من تهيئة الأجواء ووقف الاعتقالات قبل البدء في الحوار - الطريق الى الله: أخلاق الأزمة - قضايا معاصرة: إيقاظ الوعي فرض الوقت - دروس في الدعوة: أحدثكم عن/ ناجح إبراهيم - من التاريخ: ستة قطارات لحكام مصر من عباس الأول إلى الدكتور مرسى - قصة قصيرة: خطوط الجدار - دروس في الدعوة: أسباب نشأة الحركة الإسلامية في إسرائيل - دروس في الدعوة: قتل المدنيين.. صناعة القرن - الأسرة المسلمة: ماذا يحدث عند تضخم الكلية بعد استئصال الأخرى؟ - كتب ودراسات: نيلسون مانديلا.. سيرة مصورة لسجين ألهم العالم - قضايا معاصرة: ماذا يدبر للأزهر في الخفاء؟ - اللقاء الأسبوعي: د/ سيف الدولة :مازائيل اتهمني باختراق المادة الثالثة من اتفاقية السلام - الذين سبقونا: محمد يسري سلامة .. أيها الناس؟ - الطريق الى الله: أخلاقنا.. خلق التوسط والاعتدال -  
الاستطــــلاع
سيطرة الحوثيون على اليمن ؟
تكرار لسيطرة حزب الله اللبناني
تقسيم اليمن
نهاية الدولة اليمنية
بداية دولة الشيعة باليمن
اقتراعات سابقة
القائمة البريدية
ادخل بريدك الالكترونى
القرآن و علومه
الحديث وعلـومه
الأخبار
  • أخبار الحوادث ليوم1/10/2014
  • نشرة المال والاقتصاد ليوم 1/10/2014
  • حديث وشرحه
  • إن من خياركم أحسنكم أخلاقا
  • رسالة إلى أهل البلاء
  • الأحكام
  • قواعد هامة في فقه الخلاف
  • الحج والعمرة.. بين سعة الشريعة وتضييق البشر
  • ديوان الشعر
  • ألم.. ألم للشاعر/ فاروق جويدة
  • مصر إنى أبكي من أجلك
  • من التاريخ

    قناة السويس ملحمة أمة

    أعدت الملف/ كريمة عبد الغنى

    حفر المسار الجديد لقناة السويس بسواعد مصرية خالصة بدء ً من الفكرة .. مرورا ً بالتخطيط والتمويل وصولا للتنفيذ وهو الأمر الذي قابله المصريون بالفرحة العارمة فور الشروع بالعمل به.. فالتفاف المصريين حول المشروع ليس لعائده الوفير فقط بل لأنهم يعتبرونه أبلغ رد على الادعاءات الأجنبية بأنهم أصحاب الفضل فى حفر قناة السويس وتناسوا تضحيات الشعب المصري فى التنفيذ العملي للمشروع

    والتي سيق له مئات الألوف إلى ساحات الحفر زمرا مقيدين بالحبال يقطعون الصحراء من الزقازيق إلى القناة سيرا على الأقدام ليتلقفهم الموت من العطش أو الجوع أو الأوبئة، وفى تلك الفترة لم يتعد تعداد السكان فى مصر الخمسة ملايين نسمة «٤٫٨ مليون» .. وهؤلاء هم أصحاب الفضل الأول فى تنفيذ مشروع قناة السويس وأصحاب القناة والأرض التي تمر فيها .

    وتلك حقائق تعمد الاستعمار الأوروبي ليها على مدار فترات طويلة ، وعاونهم فى ذلك المؤرخون والباحثون الذين كتبوا عن تاريخ القناة فى نهاية القرن التاسع عشر ومشارف القرن العشرين وتناولوه من زاوية واحدة وهى الزاوية الأوروبية ،فكتبوا عن تاريخ القناة باعتبارها جزء من تاريخ أوروبا ومظهرا من مظاهر الصراع السياسي بين فرنسا وإنجلترا فى القرن التاسع عشر ، وتركوا الناحية الأصيلة فى الموضوع وهذا ما دفع الباحث عبد العزيز محمد الشناوي الذي كان مقيدا بقسم الماجستير بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1938 أن يتناول موضوع بحثه لرسالة الماجستير موضوع "السخرة فى حفر قناة السويس - عصر الوالي محمد سعيد".

    ويذكر الشناوي أن فترة البحث استغرقت منه عشر سنوات وأقرت الرسالة فى فبراير 1948 وأجيزت مع امتحان تحريري يونيو من نفس العام لدرجة الماجستير بتقدير جيد جداً.

    ورأى الشناوي حينها ضرورة إصدار هذا العمل فى كتاب بعنوان "السخرة فى حفر قناة السويس "وهو موضوع حديثنا الذي يتضمن رؤية لم يتناولها أحد ممن سبقوه فى التأريخ عن القناة ليبرز به صفحة مطوية من تاريخ مصر دون فيها جهود الشعب فى تنفيذ مشروع القناة ومشكلة الأيدي العاملة فى حفرها وجمع العمال المصريين وترحيلهم إلى منطقة القناة والأخطار التي تعرضوا لها فى ساحات الحفر من الموت والعطش وتفشى الأوبئة بينهم .

    ويذكر الكاتب فى مقدمته أن كتابه بحث علمي ينشد الحقيقة المجردة ولا يمكن لأحد أن يتهمه بالتحامل على شركة القناة أو بمحاباة للشعب المصري لأن البحث استقى مادته العلمية من مصدرين أساسيين، هما وثائق قصر عابدين وهى وثائق لا يرقى إليها الشك فى قيمتها العلمية ، ومراجع أجنبية كانت تستهدف فى مجموعها المصالح الأوروبية فى مصر .. والمواد التي تتناول الموضوع فى مصادر متباينة ومتباعدة، فمعظم المراجع الأجنبية لا تشير إلى موضوع البحث إلا لماماً وفى سياق موضوعات لا تمت إليها بصلة مباشرة، والبحث فيها لم يكن بالأمر اليسير وتم بصعوبة ومعاناة لتجميع مواده بصورة مدققة .

    أما محفوظات قصر عابدين التي ضمت تقارير ومكاتبات قناصل الدول الأجنبية لحكوماتهم عن الأوضاع القائمة فى ذلك الوقت والتي كانت تلقى ضوء على فترة حافلة بالأحداث الجسام فى تاريخ مصر الحديث وتعبر عن جميع وجهات النظر فى شتى المسائل المصرية، إلا أنه لم يسمح للباحثين المصريين بالإطلاع إلا على جزء يسير من تلك التقارير والمكاتبات التي يبعث بها قنصل الولايات المتحدة وفرنسا إلى وزارات خارجيتهم .

    ويتعجب الكاتب من تصرف رجال القصر والذين وضعوا كافة التقارير تحت تصرف اثنين من الباحثين الأجانب إحداهما هو المؤرخ الإيطالي الفاشي انجلوا ساماركو والذي كلفه الملك فؤاد بوضع كتاب بالغة الفرنسية فى أربعة أجزاء عن تاريخ مصر الحديث منذ عهد محمد على وحتى بدء الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 لقاء "ثلاثة آلاف جنيه" وتم ذلك باتفاق رسمي - تمكن المؤلف من الإطلاع عليه بعد ثورة 1952- والذي وقع عليه محمد زكى الإبراشى باشا ناظر الخاصية الملكية حينها.. وأغرب ما تضمنه هذا الاتفاق أنه أعطى القصر الحق فى حذف الفصول أو الصفحات أو الفقرات التي لا تروق له و علق الكاتب على ذلك قائلا "هكذا كان يكتب تاريخ مصر" ولم يقف الأمر عند ذلك الحد بل كان ساماركو يعمد إقحام أثر إيطاليا فى بناء مصر الحديثة ويبرز العلاقات الوثيقة بين الأسرتين المالكتين فى مصر وإيطاليا.

    أما المؤرخ الآخر فهو جورج دوا وكان ضابطا بالبحرية الفرنسية وعمل مدير إدارة التحركات التي تشرف على تنظيم مرور السفن بالقناة وجمع بين منصبه والكتابة فى تاريخ مصر الحديث وألف ثلاثة عشر مرجعا هاما بفضل ما سبغه عليه القصر من أسباب المتعة وتوفير وسائل البحث وأدواته وتنقل الوثائق التي يطلبها لبحثها فى منزله ووضع تحت تصرفه أقدر مترجمي القصر فى اللغات الفرنسية والتركية والعبرية ، وتلك التصرفات من قبل كبار رجال القصر تبرز التفرقة الصارخة فى المعاملة بين الباحثين المصريين والأجانب والتي كان ابرز نتائجها أن ظل الجانب المصري بمنأى عن الأوراق التي يبحث فيها المؤرخون الأجانب .

    ويؤكد الشناوي إنه لم يحفل بهذه الأوراق ليقينه بأنهم تناولوها من اتجاه مخالف لاتجاهه .

    والكتاب تم تقسيمه لخمسة عشر فصلا ً والفصل الأول منه تناول عهد التسلط القنصلي فى مصر والذي وضح عقب 1840 -1841 ، واشتدت وطأتهم بعد وفاة محمد على لضعف شخصية ولاة مصر فتدخل قناصل الدول فى صميم الشئون الداخلية للحكومة واتبعوا سياسة التعسف والظلم والجشع وتزايد عدد أفراد الجاليات الأجنبية والذين وفدوا من إيطاليا واليونان وفرنسا والنمسا من أجل البحث عن المأوى والخبز تحت حماية قناصل دولهم .

    ويقول قنصل الولايات المتحدة فى مصر وهو شاهد عيان لأحداث ذلك العصر " أن شوارع القاهرة والإسكندرية كانت تموج وقتئذ بأخلاط غريبة من الأجانب وفدوا من كل فج عميق ، وكان من صفوف أولئك المخاطرين والأفاقين من أحاطوا بسعيد باشا بحثا عن الأرباح الضخمة بأيسر الوسائل المشروعة وغير المشروعة " .

    وساعدهم فى ذلك نظام الامتيازات الأجنبية والتي بدأت مظاهرها تتجلى فى عهد سعيد وإسماعيل وكان من أفج تلك المظاهر مطالبة الحكومة بالتعويضات المالية الضخمة عن أضرار وخسائر أحيانا تكون حقيقة وهمية فى أحيانا كثيرة.. وهذه الظاهرة تفشت فى محيط الأجانب وأطلق عليها "وباء التعويضات".

    وأبرز نموذج على ذلك حادثة برافاى فكان رجلا جاهلا قدم إلى مصر واشتهر بالنكات والأحاديث الشيقة فقربه سعيد باشا إليه وجعله مديرا لشئونه الخاصة.. ثم منحه امتياز استغلال المناجم الواقعة على شاطئ البحر الأحمر على الرغم من إنه لم يكن يعرف من أعمال التعدين شيئا وقد استرد سعيد بعد ذلك هذا الامتياز منه ومنحه مليون فرنك بصفة التعويض وتمكن هذا الرجل من جمع ثروة بلغت الثلاثين مليون فرنك.

    وهذا ما لمسه قنصل فرنسا وسجله فى تقرير أرسله لوزارة خارجية بلاده بتاريخ 2اكتوبر 1854وأهم ما جاء فى ذلك التقرير "أنه لم يكد يذاع نبأ وفاة عباس باشا حتى هطلت على مصر جموع غفيرة من المنافقين والمقامرين من كافة أنحاء أوروبا والتفوا حول الوالي آناء الليل والنهار وقدموا له مشاريع خيالية لا تستقيم مع منطق أو عقل وأبدى القنصل أسفه لان الوالي ينفق وقته فى دراسة مشروعات هؤلاء الأفاقين الذين يرددون على مسامعه فى كل حين العبارات الرنانة التي تستهويه، ويطرب لها لحد بعيد " .

    وبهذه الطريقة أصاب كثير من الطفيليين ثروات عريضة وامتيازات واسعة وأصبحوا على رأس الجاليات الأجنبية فى مصر ولكنها لا تمثل أي نسبة بالمقارنة بعقد الامتياز الأول لإنشاء قناة السويس الذي ظفر به فرديناند ديليسبس فى 30 نوفمبر 1854 من صديقه محمد سعيد باشا والى مصر وقد أطلق عليه اسم الفرمان الأول وهذا العقد بشهادة شخصيات أجنبية انطوى على امتيازات مجحفة بحقوق مصر، ومنها تعليق ديروستى قنصل تسوكانا فى مصر على الامتيازات التي وردت بهذا العقد فى تقرير أرسل إلى وزير خارجية فرنسا بتاريخ 25 ديسمبر 1854 وأرفق به نسخه من العقد فقال "لست فى حاجة لان أظهر لمعاليكم مقدار الامتياز التي منحها سمو الوالي، فإنها عظيمة الفائدة للمسيو ديليسبس وللشركة المزمع تأسيسها ، فلم يحدث مطلقا أن ظفر أي شخص بمثل هذه الميزات العظيمة وبمثل هذا السخاء من أية حكومة كانت........"

    وفى نفس السياق قال كرابيتسى المستشار السابق فى محكمة الاستئناف المختلطة السابقة بالإسكندرية بشيء من التهكم المرير" .. من الغريب أن سعيدا لم يطالب صديقه بأي ثمن مقابل الامتيازات التي منحها إياه ، بل باع إرث الفراعنة لرجل فرنسي وقبض الثمن ابتسامة زائلة".

    وفى الحقيقة لم يبع سعيد ارث الفراعنة مقابل ابتسامة زائلة فقط ولكنه حصل على الوشاح الأكبر وسام الشرف من إمبراطور فرنسا نابليون الثالث بعد ثلاثة أسابيع من صدور عقد الامتياز، وقدمه له قنصل فرنسا فى حفل كبير أقيم بالقلعة فى 22ديسمبر 1854 ، وهذا التكريم السريع من نابليون الثالث لسعيد يبرز مدى تقدير الإمبراطور لقيمة العقد الذي حصلوا عليه والذي أثار شكوك إنجلترا حول القناة والنوايا الحقيقية للفرنسيين وراء سعيهم لهذا المشروع .

    ولذا عارضت إنجلترا مشروع القناة منذ البداية لاعتقادها أنه مشروع سياسي يهدف إلى امتلاك مصر لضرب الممتلكات البريطانية فى الهند وبريطانيا كانت تؤثر بإنشاء خط حديدي يمتد من الإسكندرية ويمر بالقاهرة وصولا للسويس والذي بدأت فعليا فيه أواخر عام 1851.

    ومن أهم المخاوف التي أبدتها إنجلترا من هذا المشروع مشكلة العمالة والتي خلا عقد الامتياز الأول من الإشارة لها أو وضع قيد خاص يحدد عدد العمال الأجانب وهو الأمر الذي سيتيح استقدام جموع هائلة من فرنسا يستقرون فى منطقة القناة ويكونون أداة قوية تستفيد منها الحكومة الفرنسية فى تنفيذ مخططهم القديم وموقف إنجلترا حيال المشروع ومدى تخوفهم يتبلور فى كلمة اللورد إلين بروف فى مجلس اللوردات بجلسة 6مايو 1861 وأبرز ما جاء فيها مقولته:

    " فإن بوسفور واحد كان مبعث متاعب جمة لنا وأنى اعتقد أن هذا المشروع الذي نحن بصدده إنما هو محاولة لإنشاء بسفور آخر ووضعه فى أيدي الفرنسيين".

    ويستكمل الكاتب فى الفصل الثاني "الصديقان يعالجان مشكلة الأيدي العاملة"فالاعتراضات على استخدام العمال الأجانب على نطاق واسع استفاد منه ديليسبس ورحب به بل وبالغ فى تصوير خطورته لسعيد باشا طامعا فى أن يقوم الشعب المصري وحده بعبء حفر القناة ، لان استخدام العمال الأوروبيين على نطاق واسع ضرب مستحيل وسيرهق ميزانية الشركة لارتفاع أجورهم التي لا تتناسب مع حجم إنتاجهم الضئيل والتي تزيد على أجور العمال المصريين والذين يمتازون بالجلد وقوة الاحتمال والصبر والقدرة على متابعة العمل المضني فى المناخ الصحراوي .

    وأجواء المعارضة هيأت الفرصة لـ ديليسبس للحصول على عقد الامتياز الثاني وقانون الشركة الأساسي فى 5يناير 1856 وأهم المواد بهذا العقد المادة الثانية والتي نصت علي:

    "للشركة الحق فى تنفيذ الأعمال المنوط بها وبمعرفتها أو بواسطة مقاولين وتعطى لهم بالمناقصة العامة والممارسة وفى جميع الحالات يكون على الأقل أربعة أخماس العمال الذين يستخدمون فى هذه الأعمال من المصريين"

    فهذه المادة كانت ركيزة قوية فى تنفيذ المشروع وجعلها ديليسبس أساسا لنظام السخرة فى حفر القناة ورتب عليها حقوقا جديدة للشركة صاغها فى لائحة سميت "لائحة استخدام العمال الوطنيين المصريين فى أشغال قناة السويس " والتي استصدرها من صديقه سعيد باشا فى 20 يوليو1856والتى أظهر ديليسبس براعة فائقة فى صياغة موادها وتجنب أن يضمنها لفظ السخرة إطلاقا وإن كانت بعض موادها تفيض بها روحا ومعنى ، فبراعة ديليسبس برزت فى مجال الخداع والتدليس والتلاعب بالألفاظ ليخفى وراءها ما يبيته من تسخير الشعب المصري فى حفر القناة .

    ولقد قرر ثلاثة من أقطاب القانون فى فرنسا وهم ويديلون بارت ودى فوار وجولس فافر فى نوفمبر1863 أن الإبقاء على هذه اللائحة.. إنما هو إبقاء للسخرة، لان اللائحة والسخرة مرتبطان بعضهما ببعض بعروة وثقي لا انفصام لها.

    وبتطبيق هذه اللائحة سيق المصريون لساحات الحفر زمرا ً لشق قناة السويس وقد بلغ عدد المصريين الذين أكرهوا على الحفر خلال عام 1862 ما يزيد على ربع مليون مصري وهو عدد رهيب بالنسبة لتعداد السكان فى تلك السنة وهو4٫833٫000 نسمة.

    وفى ذلك قال السير أوكلاند كلفن فى كتابه صناعة مصر الحديثة " إن سعيد جلب الشقاء على الفلاحين بل كان هو أكبر العاملين على إتعاسهم بسبب امتياز قناة السويس الذي فرض عليهم السخرة فى اشد حالاتها وأبعدها عن المكافأة.

    و فى الفصل الثالث تناول الكاتب "البدء فى تنفيذ المشروع وتعطيل اللائحة ،فقد بذل ديليسبس محاولات مضنية طيلة أربع سنوات "1855-1858" بالقسطنطينية وباريس ولندن فى سبيل موافقة السلطان على العقد إعمالا بالشرط الذي وضعه سعيد بالعقد ولكنه عجز على أن يظفر به بسبب معارضة إنجلترا للمشروع وضغطها على الباب العالي لرفضه .

    ولكن ديليسبس لم يقف كثيرا أمام رفض الباب العالي بل استقر رأيه على الشروع فى تأليف شركة القناة وإغفال ذلك الشرط بالعقد ليبدأ الحفر وفى تاريخ 28 يوليو 1858 وأرسل خطابا للوكيل الأعلى لشركة القناة فى مصر "سنرفع الستار عن الفصل الأخير و لن نضيع الوقت فى مفاوضات لا طائل منها مع الأتراك"وأطلق المؤرخون على تصرف ديليسبس سياسة الأمر الواقع، مع أنها كانت سياسة الاستخفاف بالقانون والتنكر للمبادئ الخلقية لأنه اتبع فى خططه التضليل والتغرير والأكاذيب والمخالفة ويزيد على ذلك تنكره لسعيد باشا وتهديده بالمطالبة بتعويضات ضخمة إذا ما تمسك بحرفية القانون .

    وفى ذلك التصرف قال كرابيتس المستشار السابق بمحكمة الاستئناف المختلطة بالإسكندرية "إن الطرق الملتوية التي اتبعها ديليسبس فى تأليف الشركة تؤدى به إلى المحاكمة الجنائية، ولكن الشركة ضمت شخصيات كبيرة فى فرنسا كان يهمها نجاح المشروع فتغاضت عن تصرفاته غير القانونية" إلا أن ديليسبس لم يعنيه ذلك.

    وفى 25 إبريل 1859 أقام ديليسبس حفلا ً متواضعا ً فى المنطقة التي اختارها لبدء الحفر وشهد الحفل بعض من مستخدمي الشركة والمقاول العام وفريق من العمال المصريين بلغوا أكثر من مائة عامل وهم الذين بدأت بهم الشركة أعمال الحفر وهو الأمر الذي أثار الحكومة الإنجليزية والتي ضغطت بدورها على الباب العالي إصدار أمر صريح لسعيد باشا لوقف عمليات الحفر وهذا عَرض الشركة فى صيف وخريف 1859 لأزمتين كادتا تعصفان بها وتغير موقف سعيد المؤيد للشركة للمعارض نظرا للضغط الشديد الذي تعرض له من النمسا وإنجلترا مما جعله يتخذ تدابير غير ودية وأصدر أوامر شفوية لمدير الدقهلية ودمياط لمنع ديليسبس من شراء الطعام أو استئجار قوارب لنقل المياه ، ولكن إنجلترا لم تقنع بموقف الحكومة المصرية بسحب العمال المصريين من المشروع واتخذت خطوة عملية عنيفة.

    وأرسلت وحدات من الأسطول الإنجليزي بقيادة منداى إلى الإسكندرية فى يوليو 1859 للاشتراك فى خلع سعيد من منصبه كـ «وال» على مصر وإيقاف العمل فى حفر القناة بالقوة، ولم ينقذ سعيد من عزله إلا وقوع تطورات عسكرية بالموقف الحربي فى أوروبا وجعلت الأسطول الإنجليزي يعود أدراجه، وكان تطلع الشركة كلها بعد انفراج أزمة أكتوبر 1859 ومع بدء عام 1860 استخدام عمال السخرة تنفيذا للائحة .. ولذا وضعت الشركة مادة بالاتفاق النهائي مع مقاول الشركة الفونس هاردن فى 20 فبراير 1860 وكان نصها "أن الشركة تتعهد بان تقدم للمقاول كافة الوسائل الممكنة وجميع العمال المصريين الذين وعد بهم حضرة صاحب السمو والى مصر" .

    وبالفعل تغير الموقف فى ساحات الحفر تغيرا ًملموسا ًمنذ النصف الثاني من شهر أبريل 1861 وبعد أن كانت الساحات تستقبل العشرات من العمال المصريين باتت تستقبل الآلاف من أفراد الشعب المصري ، وهو الأمر الذي تناولته الصحافة الإنجليزية بالنقد ووصفت الصورة المزرية التي يُكره بها المصريون على الذهاب لساحات الحفر ومن تلك المقالات مقال لمراسل جريدة التايمز بالإسكندرية والتي نشرت فى عدد 6يونيو 1861 ، وديليسبس لم يقنع بالسخرة وعمل المصريين نهارا وأرغمهم على العمل ليلا ونتيجة هذا الطمع وجور سعيد ظفرت الشركة بعدد وافر من عمال السخرة بلغ 19687 سيقوا للقناة فى شهر رمضان 1278 هجرية بمارس 1862 والذين عمل الكثير منهم ليلا حيث ابتاعت الشركة ألف مشعل لإنارة مواقع الحفر .

    وفى ذلك شهادة للسائح الفرنسي برشير حيث قال " إنه شاهد مائتين من عمال السخرة يشتغلون ليلا خلال شهر فبراير 1862 فى حفر ترعة الماء العذب وأن المشاعل ويطلق عليها (ماشا الله) كانت تنير ساحات الخفر وتكشف جموع العمال الذين يرفعون الرمال ويضعونه فى القفف والمشايخ يصيحون بأعلى أصواتهم على المضي فى أعمالهم".

    ويستخلص الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي من بحثه أن السخرة فى حفر قناة السويس كانت عبارة عن تعبئة عامة فرضت على الشعب المصري لخدمة الشركة وسيظل الأسلوب الذي اتبعته وصمة فى تاريخها ومثلا صارخا لظلم حكام مصر من أسرة محمد علي



    عودة الى من التاريخ

    قضــايا شرعـــية
    منبر الدعوة
    واحـــة الأدب
    خدمات الموقع