|
قراءة في مذكرات بيجن بقلم/ محمد الشربيني
اليوم نتحدث عن رجل متناقض في صفاته الظاهرية وإن كان لا يمثل لغزاً.. هو رجل معقد ولكنه غير غامض.. ديمقراطي ولكنه مستبد.. متآمر يجد من العسير الحفاظ علي سر.
وهذا ليس رأيي فيه.. بل ما قاله عنه زملاؤه والعاملون معه ومستشاروه وقد يكون صحيحاً .
ولكن أكثر ما قالوه عنه صراحة واتفق معهم فيه تماماً .. بل هو ما توصلت إليه قبل أن أقرأ ما قالوه هو أنه إرهابي لم يسبق له مثيل فاز بجائزة نوبل للسلام.. ثم شن حرباً أخري .
هو من سأله الرئيس الأمريكي كارتر أثناء مباحثات السلام في كامب ديفيد عما إذا كان يريد السلام حقيقة.. وكتب عنه في مذكراته يقول:
"لقد كان انطباعي أنه فعل كل ما في وسعه لعرقلة التوصل إلي اتفاق باستساغة واضحة .. وكان كل همه الاحتفاظ بكافة الأراضي المحتلة باستثناء سيناء .. وبدا غير مكترث بمأساة العرب الذين يعيشون محرومين من الحقوق الأساسية في ظل الحكم الإسرائيلي" .
هو من كتب عنه الصحفي الأمريكي "جيمس ريستون" في صحيفة "نيويورك تايمز" معبراً عن رأي الرئيس الأمريكي ريجان في ذلك الوقت:
"أن كبار المسئولين الإسرائيليين يشعرون بأنه كارثة مؤكدة علي إسرائيل وبقية العالم.. وأشارَ إلي أنهم ينتظرون لأن يفعل الشعب الإسرائيلي شيئاً تجاه ذلك "
عندما قام بضم الجولان وكان مبرره لأجهزة الصحافة العالمية أن هذا إجراء وقائي لحماية النفس.. وأننا إذا لم نستطع تحييد مرتفعات الجولان بمعاهدة للسلام فذلك هو السبيل الذي يتعين علينا أن نحققه .
هو الرجل الذي حدث في عهده عندما كان رئيساً للوزراء غزو جنوب لبنان ومذبحة صبرا وشاتيلا .. والذي أدانته اللجنة الإسرائيلية المختصة في التحقيق في هذه المذبحة بالفشل في متابعة ما حدث والسيطرة عليه.. وأوصت بإقالة وزير دفاعه أريل شارون من منصبه.. وهو أيضاً الرجل الذي اتخذ قرار ضرب المفاعل النووي العراقي.
إننا نتحدث عن "مناحم بيجين" مؤسس منظمة الأرجون العسكرية الصهيونية تلك المنظمة الإرهابية التي اقترن اسمها بأفظع الجرائم الإرهابية في حق الشعب الفلسطيني مذبحة (دير ياسين).. المذبحة التي سببت ذعرا ً أدي إلي إسراع سبعمائة ألف من العرب في الهروب من الأرض التي سرعان ما أصبحت إسرائيل .
المذبحة التي راح ضحيتها 250 من العرب المدنيين .. حيث تم مهاجمه القرية من جهتين من قوة من 120 مقاتلاً لديهم عشرين بندقية ومدافع ثقيلة وما بين ثلاثين إلي أربعين مدفعاً خفيفاً وعدد من المسدسات والقنابل اليدوية.. ولم يُذع أي تحذير قط .. وكان القرار من جانب سكان القرية هو القتال وعدم الاستسلام.
المذبحة التي ظل قائد الأرجون أكثر من ثلاثين عاماً بزعم أن دير ياسين كانت عملية عسكرية تقليدية حاربَ فيها رجاله بشجاعة وشرف محاولين التقليل من وقوع خسائر بين المدنيين إلي أدني حد.. وتلك هي شهادات حقيقية لبعض من ساهم في هذه المذبحة .
يقول بنريون كوهين قائد الأرجون في العملية والذي أصيب بجراح عند بداية تبادل إطلاق النار:
"عندما وصل الأمر إلي مناقشة وضع السجناء والنساء والشيوخ والأطفال تضاربتْ الآراء.. ولكن كان رأي الأغلبية يقف إلي جانب القضاء علي كافة الرجال في القرية وأي قوة أخري تعارضنا سواء كانت من الشيوخ أو النساء أو الأطفال"
"ومع انهيار الجانب الأكبر من دفاع العرب استأنف مقاتلو الأرجون وشتيرن القتال مصوبين نيرانهم إلي أي شيء يتحرك وللمنازل لنسفها سواء كان السكان بداخلها أم لا "
"كان لدينا أسري وقررنا القضاء عليهم قبل الانسحاب.. كذلك قضينا علي الجرحى لأننا لم نكن نستطيع علي أي حال علاجهم .. وفي أحد الأماكن قتل نحو ثمانون من الأسري العرب بعد أن قام بعضهم بإطلاق النار.. مما أسفر عن مصرع شخص ممن أتوا لعلاجهم.. كذلك تم اكتشاف العرب الذين تنكروا في زى النساء.. وهكذا شرعوا في إطلاق النار علي النساء اللاتي لم يسرعن إلي المنطقة التي تجمع فيها الأسري"
يقول يائير تاسبان وهو عضو في حزب مابام اليساري في الكنيست.. وكان حينذاك يبلغ من العمر السابعة عشر من عمره ودفعه مقاتلو الهاجاناه للاشتراك في دفن الموتى بعد انسحابهم من ساحة المعركة.. حيث تمت تعبئة يائير تسبان ومعه نحو مائة من رفاقه المدربين للقيام بعملية دفن الموتى.. لأن الجانب الأكبر من القيادة الصهيونية كان لا يريد أن يري البريطانيون والصليب الأحمر أو الصحافة العالمية الفظاعة الكاملة في دير ياسين.. وتمت عملية الدفن بسرعة شديدة .. لدرجة أن أحداً لم يتوقف ليحصي الجثث:
" ما رأيناه كان نساء وأطفال وشيوخ والذي أصابنا بالصدمة هو وجود حالتين أو ثلاث علي الأقل من الشيوخ الذين تنكروا في زي النساء.. وأتذكر عندما دخلنا حجرة المعيشة في أحد المنازل وجدنا امرأة صغيرة ميتة في أحد الأركان وكان ظهرها إلي الباب وعندما وصلنا إلي الجثة وجدنا أنه رجل عجوز بلحية.. وكان استنتاجي لما رأيته أن ما حدث في القرية قد أثار رعب أولئك العجائز.. لدرجة أنهم أدركوا أن كونهم عجائز لن يشفع لهم وكانوا يأملون في أن التنكر في زى النساء سينقذهم" .
يقول أيضا مائير بائيل الذي أصبح فيما بعد سياسيا ً ويساريا ً.. وكان وقتذاك ضابط مخابرات في الهاجاناه في القدس وشهد العملية برمتها.. واستهل بائيل تقريره لإزرائيل جاليلي بالأبيات الافتتاحية لإحدى القصائد العبرية المشهورة التي كتبها حاييم ناشمان بياليك بعد مذبحة كيشينيف سنة 1903م التي قام خلالها الروس بقتل 49 يهودياً وجرح خمسمائة آخرين:
"انهض واذهب إلي مدينة القتلى وستصل إلي الأفنية.. وستري بعينك وستلمس بيدك علي الأسوار والأشجار والأحجار والحوائط دماء القتلى المتجمدة وأدمغتهم المسحوقة".
ومازال تقرير بائيل محظوراً .. ولكن ما يتذكره هو مذبحة غير منظمة بعد أن خمدت معظم المقاومة العربية:
" كانت مذبحة فورية لم يسبق الإعداد لها.. كانت انفجارا داخليا ًلا يستطيع أحد السيطرة عليه.. كانت مجموعات الرجال تذهب من بيت إلي بيت تقوم بأعمال السلب والقتل .. وكنت تستطيع سماع صرخات النسوة والشيوخ والأطفال العرب في منازلهم .. حاولت العثور علي القادة لكني لم أنجح.. حاولت أن أصرخ وأن أمنهم ولكنهم لم يكونوا يلقون بالا ً إليَّ .. كانت عيونهم تلمع كانوا كما لو كانوا مخدرين مسممين عقليا ً كانوا في حالة من النشوة".
ويقول محمد عارف سامور الذي لم يكن الضحايا مجرد أشخاص مجهولين لديه كانوا أبناء عمومته.. وجيرانه وشاهد المذبحة من منزله الواقع في الجانب الآخر من دير ياسين:
"إن معظم الناس قتلوا داخل منازلهم وفي إحدى الحالات وهي حالة أسرة زهران نجا .. واحد من بين خمسة وعشرون .. وفي منزل آخر أمسكوا بابن الأسرة فؤاد البالغ من العمر ستة عشر عاماً وكانت أمه تمسك به وقاموا بقتله بسكين.. وقضت الأم بعد ذلك عشرون عاما ً في أحدي المستشفيات العقلية.. وفي إحدى الشوارع قتلت سيدة شابة وطفلاها البالغين من العمر سنتين فقط .. وتركت أجسادهم هناك.. وانتقل المهاجمون إلي قلب القرية وشرعوا في قتل كل من يرونه أو يسمعونه بمجرد أن يفتح بابه.. كانوا يستخدمون القنابل اليدوية والبنادق الآلية وشبه الآلية .. واستطاع ابن عمي الهرب بعد أن أصيبت ملابسه بثقوب من طلقات الرصاص .. وقام أحد الضباط بوضع بندقيته الآلية في إحدى النوافذ وشرع في إطلاق النار وقتل أي شخص يتحرك.. وقاموا بقتل عمي علي حسن زيدان وعمتي فاطمة التي سمعته ينادي أنقذوني .. فعرهت إليه ولكنهم قتلوها.. وجار آخر الحاج يارح الذي سمع بعض الأصوات وخرج يستطلع الأمر.. ولكنهم قتلوه هو أيضا وسمع ابنه محمد الذي يبلغ السابعة عشر من العمر أباه يناديه.. فذهب إلي نفس المكان فقتلوه .. وسمعت أمه صوته يطلب إنقاذه فجرت إليه فقتلوها.. حدث كل هذا قرب منزلي ورأيته" .
وتحدث سامور وبائيل عن قيام مجموعة من الجنود بتنفيذ حكم الإعدام في خمسة وعشرون رجلا ًفي أحد المحاجر بين دير ياسين وجيفات شاؤول .
وظلت الجرائم التي قام بها بيجين تطارده طوال حياته.. فنشرت صحيفة التايمز البريطانية عندما زارها بيجين بعد هذه المذبحة بعدة سنوات نقدا ً لاذعا ً لسياسة بيجين وتاريخه .. حيث ذكرته بتفجير فندق الملك داود في القدس وقتل الجنود البريطانيين.
وذكرته بمذبحة دير ياسين وشبهتها بمذبحة ماي لاي في فيتنام.. وهاجمته علي سياسته وموقفه من التفاوض مع الفلسطينيين.. حيث قالت:
"إن هدفه هو سحب التأييد من حكومته المستعدة للتفاوض من أجل الانسحاب.. وما يقوم به مستر بيجين يجعل مشكلة الشرق الأوسط أكثر تعقيدا ً.. ويزيد من احتمال نشوب حرب.. أنه ليس عامل مساعد أو موضع فخر لإسرائيل " .
"إذا كان حزب الليكود يعد الإسرائيليين بإسرائيل الكبرى من النيل إلي الفرات.. فأنا أعدكم بإسرائيل العظمي من الخليج إلي المحيط ".
تستطيع أن تنظر إلي الجزء الأول من الجملة علي أنه نكته حمقاء أو دعاية انتخابية من ذلك النوع من المرشحين الذي يستخف ويستهزأ بعقول ناخبيه.. ولكن إذا قرأت الجزء الثاني من الجملة لا شك تدرك أن قائله يهزى.
قائل هذه الجملة هو "مناحم بيجين" .. وهنا علينا أن نبحث عن أية أفكار تلك التي يؤمن بها هذا الرجل ..
إنه يؤمن بأفكار معلمه "جابوتنسكي" ذلك الرجل الذي قال عنه بيجين:
"لقد أظلمت الدنيا في نظري بعد وفاة جابوتنسكي.. لم يكن جابوتنسكي بالنسبة لنا مجرد رئيس أو زعيم.. بل كان أكثر من ذلك.. فقد كان محل أمالنا وكنا نتطلع إليه ليخرجنا من العبودية.. لقد ضاع الأمل ذاته.. لقد رحل عنا ولم يعد هناك أمل".
"إن جابوتنسكي كان له أكبر تأثير في حياتي.. ولقد أخذت بآرائه وتلقيت منه تعاليم الصهيونية.. لقد تأثرت حياتي كلها به.. ولقد تأثر عملي أثناء انضمامي إلي المنظمات السرية.. وكذلك عملي في المجال السياسية.. فقد أخذت عنه إدارة النضال من أجل تحرير الوطن.. وكذلك التحليل المنطقي للحقائق فيما يتعلق بالأمور السياسية"
جابوتنسكي هو زعيم حركة التصحيح أو حركة الشباب .. والتي انبثقت منها جماعة البيطار وهي حركة شبابية صهيونية لا تخفي ميولها العسكرية فكان أعضاؤها يتدربون ويرتدون زياً عسكرياً.
وقد سيطر علي الحركة آراء جابوتنسكي وأسلوبه وشخصيته وقد تبعه بيجين في أنحاء أوربا مستمتعاً إلي خطبه.. دارساً أسلوبه مستوعباً لمبادئه.. وكان بيجين المسئول الأعلى عن تنظيم البيطار في بولندا.. وبلغ عدد أعضاء الحركة بحلول عام 1939 سبعون ألف عضو موزعين علي 700 فرع.
ويقول ديفيد جونان وهو أحد معاصري بيجين: "لقد غرس جابوتنسكي فينا ضرورة أن نتعلم كيف نطلق النار "
جابوتنسكي هو الرجل الذي عقد ديفيد بن جوريون وغيره من زعماء حركة العمل الصهيونية .. مقارنة بينه وبين هتلر.. ووصفوه وأعضاء حركة التصحيح باليهود النازيين .
جابوتنسكي هو القائل في إحدى مقالاته الأولي تحت عنوان "إن الإنسان عدو الإنسان":
"إننا نبني أحياناً آمالاً براقة حول الأكذوبة التي تقول بأن شعباً معيناً قد عاني الكثير.. ولذا فإنه سيتعاطف مع آلام شعب آخر ويشعر بها ، وأن ضميره لن يسمح له بأن يبتلي الشعب الأضعف بما ابتلي به من قبل.. ولكن الواقع يؤكد أن هذه مجرد كلمات منمقة جوفاء.. والكتاب المقدس فقط هو الذي يقول لنا ( إن إلحاق الظلم بالغريب يعتبر إثما فإنكم تعرفون شعور الغربة.. حيث إنكم كنتم غرباء في أرض مصر".. إن مثل هذه المثل الإنسانية الطفولية لا محل لها في الأخلاقيات المعاصرة" .
جابوتنسكي أيضا هو القائل عن عرب فلسطين:
"من المستحيل إمكانية التوصل إلي اتفاق تلقائي بيننا وبين عرب أرض إسرائيل .. سواء كان ذلك الآن أو في المستقبل المنظور .. إن كل أمة سواء كانت متحضرة أو بدائيه تؤمن بأن أرضها هي وطنها القومي التي تريد أن تبقي مهيمنة عليها إلي الأبد.. ولا يمكن أن تفكر مثل هذه الأمة أو تقبل بوجود سيد جديد أو حتى بوجود شريك لها .. وكل قوم يقاتلون المستوطنين طالما كانت هناك بارقة أمل في التخلص من خطر الاستيطان الأجنبي .. وهكذا يفعلون.. وهكذا سيفعل العرب المقيمون في أرض إسرائيل طالما كانت لديهم بارقة أمل في أن يتمكنوا من منع تحويل فلسطين إلي دولة إسرائيل".
وهنا يجب الرد علي جابوتنسكي .. وقبل الرد عليه يجب أن نسأل:
هل هناك فعلاً من يؤمن في إسرائيل بهذه الأفكار.. تلك الأفكار التي اقتبسها هذا الرجل بالكامل من الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي تقوم فلسفته علي مبدأ البقاء للأقوى.. وعلي أن الأديان فلوكلور لا تصلح لهذا العالم.. وعلي أن الرحمة ليس لها مكان في هذا العالم .
فريدريك نيتشه الملهم للنازية ولهتلر.. نعم أن هتلر استخدم كل أفكار نيتشة ومبادئه كمبرر لأفعاله الإجرامية ضد اليهود وغيرهم .
إن الكتب المقدسة وما بها من أفكار وقيم ومبادئ تصلح لكل زمان .. كما أنه من المؤكد أن الشعوب التي تعرضت للاضطهاد تشعر به وترفضه ولا تلجأ إليه أكثر من أي شعوب أخري إذا كانت هذه الشعوب حقاً غير مغيبة .
أما بالنسبة للمستوطنات والاستيطان فهو لن يدوم.. قم ببناء مستوطنات كما شئت وأعلم أنها ستهدم.. يكفي أن الدنيا لا تعترف بها.. يكفي أن الاتحاد الأوربي يقاطع كل منتجات هذه المستوطنات ولا يعترف بهذا الاستيطان .
وهنا يجب أن نتوجه إلي جيل الشباب في إسرائيل .. ليس المستوطنات هي من يضمن لكم الوجود.. ليس الجدران العازلة هي من تضمن لكم الأمان.. ليست السيطرة علي الأراضي بالقوة هي الحل للعيش في طمأنينة.. بل السلام هو الحل الوحيد.
اعتراف شعوب المنطقة بكم وليس الحكومات هو الأمل الوحيد للعيش في أمان.. إذا اتفقنا جميعا ًأن السلام الآن هو الهدف والحل الوحيد قبل أن ننجر جميعاً إلي الحرب .
فيجب أن نقر بكل صراحة أن الوصول إليه والحفاظ عليه يحتاج إلي قرارات شجاعة من الجانبين.. ورغبه حقيقية في الوصول إليه.. فهناك الكثير من القادة والرؤساء في الجانبين ترددوا في اتخاذ قرارات شجاعة خوفاً من رد الفعل الشعبي .. ولذلك يجب أن تشترك الشعوب في اتخاذ القرارات وطرح الحلول مشاركة حقيقية .
"فإن مجرد وجود مقاومة سرية لا تتأثر بالاضطهاد أو الشنق أو التعذيب أو الترحيل .. إن هذه الوسائل لا تؤدي إلي قهرها أو إضعافها.. لابد وأن يؤدي في نهاية الأمر إلي تقويض أي نظام حاكم استعماري يبني وجوده علي تصور غير واقعي لقدراته الشاملة.. ويعتبر كل هجوم توجه المقاومة ويفشل النظام الاستعماري في منع وقوعه بمثابة ضربة موجهة إلي مكانته.. وحتى لو لم ينجح الهجوم فإنه يترك ندبة في تلك المكانة وتبدأ تلك الندبة تتسع لتصبح شرخا يمتد مع كل هجوم لاحق" .
"أن هناك شباباً في سن صغيرة مستعدون لأن يضحوا بأرواحهم" .
"وتوصل المؤرخ الإسرائيلي مايكل ج. كوهين ذو الميول السياسية الصهيونية اليسارية بعد أن أجري دراسة مستفيضة للوثائق البريطانية والأمريكية إلي أن التاريخ يوحي علي ما يبدو بأن الأساليب العنيفة التي انتهجتها جماعة الأرجون والمكروهة فعلاً من الناحية المعنوية كان لها تأثير حاسم في تحويل مسألة الجلاء من كونها حلاً بديلاً في فبراير 1947 إلي قرار حازم بحلول شهر أغسطس.. ينص علي التخلي عن أعباء الانتداب".
هذه الجمل قالها بيجين عن المقاومة التي قامت بها منظمة الأرجون ضد الانتداب البريطاني .. عندما أصدر الكتاب الأبيض الذي يضع قيود علي الهجرة اليهودية إلي فلسطين.
إذا كانت هذه الأساليب العنيفة كان لها هذا التأثير الحاسم وليس هناك سبيل غيرها .. فيجب علينا نحن أيضا أن لم نجد في المفاوضات والسلام حلاً نهائياً عادلا ً ًللقضية الفلسطينية أن ندعم المقاومة بكل قوة.
إلي متى سنظل نمد أيدينا بالسلام فترفض ؟!
"يجب الوقوف فوراً في وجه الخطط البريطانية الرامية إلي إيجاد دولة فلسطينية تتمتع بأغلبية عربية.. وذلك بصرف النظر عن الإعداد والنتائج ".
"استقال مناحم بيجين وخمسة من زملائه في جاحال من الوزارة في 4 أغسطس سنة 1970م.. وهو اليوم الذي أبلغت فيه جولدا مائير الأمريكيين والكنيست أن إسرائيل قبلت القرار رقم 242 بكافة بنوده والذي علي إجراء مفاوضات بين إسرائيل والعرب للتوصل إلي حل شامل.. عدم السماح بالاستيلاء علي الأراضي عن طريق الحرب.. انسحاب إسرائيل إلي حدود 67 ".
"بيجين وافق علي عدم ضم الضفة الغربية .. وأكد استعداد حكومته للاشتراك في محادثات السلام في جنيف عندما تعقدها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي علي أساس قراري مجلس الأمن رقمي 242، 338 عام 1977 ".
هذه أيضا جمل قالها بيجين ومواقف اتخذها.. وإذا أضفنا إليه هذه الجملة:
"قال السادات لبيجين لا أستطيع أن أوافق علي تسليم بوصة واحدة من الأراضي العربية إنها مقدسة.. ورد بيجين بقوله سيدي الرئيس إنني لا أستطيع أن أتنازل عن بوصة واحدة من أرض إسرائيل إنها مقدسة"
ويقول بيجين محدثاً نفسه لقد أدركت وجود مشاعر عميقة من وراء هذه الكلمات أنها لم تكن مجرد كلمات تلقي .. وساورني الشك في أن إسرائيل عليها أن تواجه بديلين كلاهما صعب.. فإما أن تقدم تنازلات قوية ثقيلة .. أو أنها لا تصل إلي معاهدة سلام مع مصر"
بعد هذه الجملة والتأمل الشديد في هذه المواقف الأربعة ندرك كيف بدأ الرجل حياته لا يريد التنازل عن أي شيء؟
وكيف أنها علي استعداد لتقديم تنازلات قوية وثقيلة.. وعلي الجيل الموجود الآن في إسرائيل أن يدرك أن هذه التنازلات إن هي إلا حقوق للطرف الآخر ما كان يمكن التغاضي عنها.
كما عليه أيضا أن يمعن النظر ليدرك أن بيجين لم يقدم هذه التنازلات إلا بعد حرب 1973.. فهل نحن في حاجة إلي حرب أخري لتحريك القضية ؟
أم أننا نستطيع الوصول إلي حل نهائي وعادل للقضية عن طريق التأمل والنظر بدقة والتعلم من التجارب السابقة ؟! .
"اليوم عاد أحد مندوبي الأرجون في الولايات المتحدة إلي فلسطين حاملاً معه ألبوماً يتضمن صور تبين كيف قام التصحيحيون بتجنيد نجوم السينما والمسرح في حملتهم من أجل إنقاذ اليهود في أوربا التي تخضع للهيمنة النازية" .
هذه جملة قالها بيجين في الماضي عندما كان اليهود ضحايا هتلر.. ولكن إذا نظر الجيل الموجود الآن في إسرائيل إلي الفنانين ونجوم السينما في العالم سيجدونهم يتعاطفون بشدة مع الشعب الفلسطيني الذي يعاني من الظلم الواقع عليه .. والذي لابد له أن ينتهي.
فأنتم أكثر شعوب الدنيا التي تعرف هذه الحقيقة .. أن لكل ظلم نهاية مهما طال أمد هذا الظلم .
وأخيراً قرأت قبل يومين عن جمعية أمريكية تسمى بذور السلام تعمل علي الإتيان بالشباب من مناطق الصراعات لمناقشة التعايش السلمي وحل الصراعات.. وقد نظمت هذه الجمعية أكثر من معسكر لشباب من مصر والأردن وفلسطين وإسرائيل.
والسؤال الآن: أما أنا الأوان لهذه البذور أن تنبت ؟.
الأربعاء الموافق:
25 من ذي الحجة 1434
30-10-2013م
عودة الى من التاريخ
|