English | اردو
  الرئـيسـية من نحن مشرف الموقع اتصل بنا سجل الزوار
  دروس في الدعوة: هل سنظل نقلد الفراعنة؟ - ديوان الشعر: غَـنَّيـتُ مِصْر للشاعرة/ نادية بو غرارة - قضايا معاصرة: مصر الغنيمة السياسية.. ومصر الشراكة الوطنية - وراء الأحداث: المتحدث العسكري: لا دور سياسي للجيش.. ولا توجد انشقاقات بالقوات المسلحة - مقالات: هل خان السيسى المصريين - اللقاء الأسبوعي: خالد حنفي: لابد من تهيئة الأجواء ووقف الاعتقالات قبل البدء في الحوار - الطريق الى الله: أخلاق الأزمة - قضايا معاصرة: إيقاظ الوعي فرض الوقت - دروس في الدعوة: أحدثكم عن/ ناجح إبراهيم - من التاريخ: ستة قطارات لحكام مصر من عباس الأول إلى الدكتور مرسى - قصة قصيرة: خطوط الجدار - دروس في الدعوة: أسباب نشأة الحركة الإسلامية في إسرائيل - دروس في الدعوة: قتل المدنيين.. صناعة القرن - الأسرة المسلمة: ماذا يحدث عند تضخم الكلية بعد استئصال الأخرى؟ - كتب ودراسات: نيلسون مانديلا.. سيرة مصورة لسجين ألهم العالم - قضايا معاصرة: ماذا يدبر للأزهر في الخفاء؟ - اللقاء الأسبوعي: د/ سيف الدولة :مازائيل اتهمني باختراق المادة الثالثة من اتفاقية السلام - الذين سبقونا: محمد يسري سلامة .. أيها الناس؟ - الطريق الى الله: أخلاقنا.. خلق التوسط والاعتدال -  
الاستطــــلاع
ترشح السيسي للرئاسة ؟
سيقرب المصالحة الوطنية
سيؤخرها
لا أعلم
اقتراعات سابقة
القائمة البريدية
ادخل بريدك الالكترونى
القرآن و علومه
الحديث وعلـومه
الأخبار
  • نشرة المال والاقتصاد لي27/3/2014
  • أخبار الحوادث والجريمة ليوم27-3-2014
  • الطريق الى الله
  • هذا رجل من أهل الجنة
  • قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ
  • الأحكام
  • دروس في فقه البيوع .. بيع المعاطاة3
  • من محظورات الإحرام
  • الدفاع عن الإسلام
  • حتى لا تختلط الأوراق
  • لماذا أنا مسلم؟!
  • من التاريخ

    أبو الغيط: الرئاسة حاولت إخفاء أنشطة جمال ولقاءاته مع مسئولي الدول الأجنبية

    بقلم/ نشوى الحوفى

    تولى أحمد أبو الغيط مهام منصبه كوزير للخارجية المصرية خلال فترة شديدة التعقيد والتحدي على جميع المستويات السياسية لمصر.

    يرصدها هو بالقول إن:

    ياسر عرفات كان محاصرا ً في رام الله.. بالإضافة إلى تدهور الأوضاع في الصومال والسودان.. وما يسببه الوجود الأمريكي في العراق من ضغط في اتجاهي سوريا وإيران.

    ناهيك عن الوضع المتدهور في أفغانستان.. في الوقت الذي كانت فيه ردود الأفعال المصرية حريصة وحذرة تجاه كل تلك القضايا.

    ليس هذا فحسب.. ولكن كانت هناك تعقيدات أكبر على مستوى القيادة عبر تراجع الحضور المصري في الساحات العالمية والتحالفات الإقليمية والدولية.. وهو ما يبرره أبو الغيط بـ «كبر سن الرئيس وطول فترة حكمه».

    يحكى لك في هذا الجزء من الكتاب الذي يحمل عنوان «استشفاف الموقف وتحسس الإطار العام للتحرك» .. كيف كان عليه إقناع «الرجل الكبير» بالتحرُّك والوجود لإثبات حضور مصر.

    مبارك.. «الرئيس الغائب» عن المجتمع الدولي

    كان الهاجس الأمني والملل الرئاسي أقوى من تلك المحاولات.. هكذا يأخذك أحمد أبو الغيط وزير الخارجية الأسبق للحديث عن جزء أساسي في السياسة الخارجية المصرية.. وأسباب تراجعها في السنوات العشر الأخيرة لحكم مبارك.

    وهو ما يعبر عنه بالقول:

    "كنت أتابع وبإحباط كبير غياب الرئيس عن المشاركة في أي من القمم الكبرى التي كانت تُعقد كل عام على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة كل سبتمبر.. وبخاصة قمة الألفية التي شارك فيها غالبية قادة الدول الكبيرة والصغيرة.

    كنت قد لاحظت أيضا ً بخيبة أمل كبيرة أن الرئيس توقف عن المشاركة في أي من القمم الأفريقية منذ محاولة الاغتيال في أديس أبابا في عام 95م.. الأمر الذي كان له تأثيره على الصورة العامة لاهتمام مصر بأفريقيا لدى الكثير من القادة الأفارقة".

    يحكى لك كتاب «شهادتي.. السياسة الخارجية المصرية 2004 – 2011م» .. كيف كان العالم يتغير وتنشأ به تحالفات وتجمعات وكيانات.. غابت مصر عنها بإرادتها رغم دعوات المشاركة التي تلقيناها.. مثل مجموعة الثمانية الكبار التي تضم "الولايات المتحدة/ الاتحاد الروسي/ بريطانيا / فرنسا / ألمانيا / كندا/ إيطاليا/ اليابان".. وكانوا يدعون الدول الممثلة للتجمعات الاقتصادية الإقليمية كل عام ومن بينها مصر.. واعتذر مبارك عنها جميعا ً عدا مرة واحدة مراعاة لرئيس فرنسا.

    كذلك تجمع «الإبسا» الذي أعلن في 2002م بين كل من الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، وغابت عنه مصر.

    رغم التأثير المصري القوى عند مناقشة قضايا مهمة الذي كان يتبدى في المحافل الدولية .. مثل قضايا نزع السلاح ومنع الانتشار النووي وغيرها من القضايا عبر التحرك في إطار حركة عدم الانحياز والمجموعة الإسلامية والعربية والأفريقية.. وهو ما كان يفرض ثقله على كل المشاورات والمناقشات التي تدور في إطار مجلس الأمن أو على مستوى الجمعية العامة.. على حد وصف أبو الغيط .. الذي يواصل حكي شهادته قائلا ً:

    بعد تقلدي المنصب في 2004م بدأت أمارس دوري وأتحسس طريقي في كيفية التعامل مع رئيس الجمهورية في ضوء عدم معرفتي الشخصية به أو معرفته بى.

    وأعترف أنها كانت علاقة صعبة في البداية.. إذ لم يمضِ على تكليفي أكثر من أسبوعين.. وإذ بالرئيس يغادر القاهرة إلى «رأس الحكمة» بالساحل الشمالي المصري للاستشفاء واستعادة الفاعلية، وغاب بالتالي طوال شهر أغسطس.

    ومع عودته إلى القاهرة في بداية سبتمبر 2004م بدأت ألاحظ أنه يجرى معي اتصالا ً أو اتصالين يوميا ً في المساء في غالب الأحوال.. كان يسأل ويريد إجابة حاضرة.

    وكثيرا  ما كانت إجابتي:

     (أنني أرسلت هذه المعلومات بالأمس.. أو أنني أوضحت في مذكرة للعرض عليه تقييمي بالنسبة لهذه المشكلة أو تلك).

    وكشفت الأيام والأسابيع التالية لبدء مهمتي أنه يفضل الاتصالات التليفونية المباشرة من جانبي.. مع اهتمامه بعدم التحدُّث من خلال التليفون المحمول الذي لا يثق في تأمينه وأمنه".

    مرة أخرى يتحدث أبو الغيط عن نفوذ ديوان رئاسة الجمهورية في العلاقات الخارجية للرئيس من خلال ترتيب الزيارات والسفريات التي يقوم بها الرئيس إلى الخارج .. بعيدا ً عن وزير الخارجية عبر الاتصال المباشر بسفير مصر لدى الدولة المراد السفر إليها .. مع التنبيه عليه بعدم إطلاع وزيره أو الاتصال بسفير الدولة المعنية في القاهرة! .. ولكن كان السفراء المصريون يبلغون ديوان عام الوزارة بما حدث.

    الغريب أن هذا الأسلوب امتد إلى أسفار ورحلات زوجة مبارك وابنه جمال..  وهو ما يقول عنه أبو الغيط:

    «أوضحت سنوات العمل أن هناك محاولات مستمرة لإخفاء نشاطات نجل الرئيس الخارجية أو لقاءاته مع مسئولي الدول في مصر أو بالخارج.. وزاد هذا الوضع جلاءً ابتداءً من عام 2006م عندما كان كبار المسئولين الأجانب يلتقون به دون كشف لهذه اللقاءات في مكتبه.. ولم نكن نعلم بخبايا هذه المقابلات.

    أما أثناء سفره إلى الخارج فكثيرا ً ما كان يتم الاتصال بسفير لنا.. وكثيرا ً مع سفيرنا في واشنطن لترتيب مقابلات له .. ومنها مقابلات مع مستشار الأمن القومي الأمريكي ومسئولين آخرين.. بل وصل الأمر إلى أنه تم ترتيب مقابلة له مع الرئيس الأمريكي بوش في فترة صعوباتنا مع الإدارة الأمريكية"

    لا بد أن تستشعر الحرج لو كنت وزيرا ً في الخارجية تعلم برحلات رئيس دولتك ممن يعملون معك أو من سفراء الدول الأخرى في بلدك.

    وهو ما دفع بأبو الغيط للتحدث في هذا الشأن مع رئيس الديوان الرئاسي الدكتور زكريا عزمي.. فأكد له ببساطة أن تلك هي تعليمات الرئيس للحفاظ على سرية الاتصالات.

    يوضح لك كتاب «شهادتي» خريطة تحركات مصر في عهد مبارك.. وكيف أن الإطار العربي اعتمد على المحور المصري- الخليجي مع التركيز الشديد على السعودية كقوة رئيسية بالخليج.. والاهتمام بالإمارات والكويت والبحرين.. في الوقت الذي حافظت فيه مصر على علاقة نشطة مع سوريا لأهمية تأثيرها في سياسات المشرق.

    مع الحذر والتشكك في المنطلقات السورية وأهدافها حتى تنحى مبارك.. والاقتراب من الأردن كلما تعقّدت العلاقة مع الجانب السوري، كما اتضح منذ الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان في عام 2006م.

    القذافى.. «طرائف وغرائب» مع سيادة العقيد

    أما السودان وليبيا فلم تكونا بعيدين عن الاهتمام المصري الرئيسي.. وهنا يتوقف أبو الغيط ليحكى قصة أول زيارة له إلى ليبيا بعد أيام من تقلُّده منصبه بصحبة اللواء عمر سليمان.. فيقول:

     «.. مع هبوطنا بالمطار العسكري اصطحبنا الإخوة الليبيون إلى بقعة في الصحراء تبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط بحوالي عشرين كيلومترا ً، بها بحيرة صغيرة جدا ً ونافورة في وسطها كتعبير عن فاعلية (النهر العظيم) الذي أهدرت ليبيا في إقامته مليارات ومليارات لاستجلاب المياه في أنابيب من الخزان الجوفي في الصحراء الكبرى إلى الشمال الليبي.. وجلسنا لمدة ساعتين ننتظر مقابلة القائد الليبي لنا..  وظهر القائد الليبي مرتديا ً قميصا ً وبنطلونا ، ورحب بنا وطلب أن نصحبه إلى خيمة مفتوحة لتناول الإفطار معه.. واستغرق هذا الإفطار حوالي ساعة زمن.. لم يتحدث أىٌّ منا -عمر سليمان وأنا- بل اقتصر الحديث من جانب معمر القذافى الذي هاجم المملكة العربية السعودية بأكبر قدر من الحدة والعدوانية..  وأن مصيرها هو التحلل إلى جمهوريات صغيرة.

    كما انتقد العائلة السعودية وأنها هي العائلة التي أجهضت المشروع الناصري.. وحاول عمر سليمان التعبير عن مواقفنا ورؤيتنا.. خاصة وقد اتهمنا القذافى أننا نسير وراء السعودية في إدارة سياستنا الخارجية.

    كان القذافى حادا ً عنيفا ً.. كان من الأمور المثيرة أننا جلسنا على مائدة خاصة بنا.. وجلس هو على مائدة بمفرده خاصة به وبعيدا ً عنا بنحو مترين.. وأخذنا نتبادل الحديث عبر الخيمة المفتوحة.. كان الجو حارا ً خانقا ً.. والذباب يسيطر على المكان ويهاجم أطباقنا التي احتوت إفطاراً متواضعاً من الخبز -الذي كنت أخفيه تحت مناديل ورقية لمنع الذباب عنه- والجبن والعسل.. وانتهت الزيارة، وغادرنا (سرت).. وعبّرتُ عن عميق أسفى واندهاشي للواء عمر سليمان من هذا الأداء للقائد الليبي الذي حكم ليبيا منذ عام 69.

    وأجاب رئيس المخابرات المصرية.. بـ:

    "إنك ستشهد الكثير.. وإن حماية المصالح المصرية ستتطلب أن نُظهر المرونة وأن نتحمل هذه المواقف المضحكة المبكية".

    ومع هبوط الطائرة مطار ألماظة الحربي تلقيتُ اتصالا ً من سكرتارية الرئيس يبلغونني فيه أن الرئيس يرغب في أن أتصل به فوراً على خط مؤمّن.. وهو ما قمت به..  وقال الرئيس.. (ها!!.. عملتوا إيه؟!).. وأجبت بوضوح ودقة:

     " إن القذافى يرغب في استخدامنا للتعرُّض للسعودية.. وإننا استمعنا ولم نعقب أو نصطدم به".

    وهو ما استشعرت رضا الرئيس عن أسلوبنا فيه.. ومضيت أقول إن هذا الرجل ورغم اتساع قراءاته مثلما أوحى حديثه معنا.. إلا أنه لا يزال يعيش في عالم الصحراء بكل قسوتها وبداوتها.

    وأضفت:

    أنني دُهشت من أن الملابس التي التقانا بها كانت لا تعكس الهندام.. بل إنها واضحة الاتساخ..  وأن أظافره غير مهذبة وطويلة.. واستفضت كثيراً في انتقاداتي للزيارة وشخصيتها الرئيسية..  واستمع الرئيس بهدوء للعرض التفصيلي الذي قدّمته.. ثم قال.. (هو أنت شُفت حاجة لسه؟!).

     واستطرد قائلا ً:

    " إن القذافى واعي جدا ً ومحنك.. كما أن خبثه عميق.. وإن من الضروري أن نتعايش معه حفاظا ً على مصالح كثيرة لنا مع ليبيا.. إلا أنه من الهام ألا نسمح له بتعقيد علاقاتنا مع السعودية أو بقية دول الخليج".

    تتذكر القذافى وملامحه وعباراته وأنت تقرأ صفحات كتاب أبو الغيط قد تضحك متخيلا ً أسلوبه.. ولكنك لا تملك إلا أن تفكر في أن الرجل كان يمتلك رؤيةً ما في بعض الأوقات.

    تستشف هذا من حديث أبو الغيط في كتابه عن انتقادات القذافى للسياسة المصرية ومواقفها وعلاقاتها مع أوروبا والخليج.

    واصفا ً أسلوبه في بعض الأحيان بالقسوة بشكل كان يحرج مبارك كثيراً.. وبشكل كان يدفع أبو الغيط وعمر سليمان إلى التصدي له بحكمة وهدوء وحزم في الوقت نفسه.

    وكان من أهم الانتقادات التي يتحدث فيها القذافى مع مبارك حرية الإعلام التي كان يخشى منها على مبارك وعلى نفسه.. وهو ما يقول عنه أبو الغيط:

     "كان بادي الانزعاج من مظاهر الحرية التي تسود الإعلام المصري في انتقاد الحكم والسلطة وكان يردد القول.. (إن هذا أمر خطير وسوف يكون له عواقبه.. وسيكون له انعكاساته عليكم.. وعلينا نحن أيضاً بالتأكيد فى ليبيا)".

    هل كان القذافى يقرأ المستقبل؟ .. ربما.

     ويبرر أبو الغيط صبر مبارك على أسلوب القذافى بالقول إنها كانت عائدة لوجود عدد كبير من المصريين في ليبيا.. بالإضافة إلى سعى مصر للحصول على استثمارات ليبية ضخمة.

    أفريقيا.. البعد «شبه الكامل» بعد حادث أديس أبابا

    وتتعجب حينما تقرأ في كتاب «شهادتي».. اهتمام مبارك بالسودان.. رغم كل ما قيل وبدا لنا من إهمال له في عهده.. وهو ما يعبر عنه أبو الغيط بالقول:

    "كان الرئيس يعطيه اهتماما ً كبيرا ً باعتباره التوأم الآخر في وادي النهر الذي تربطه بمصر أقوى الأواصر.. وكثيراً ما كان يردد في أحاديثه معي «ده السودان.. ده النهر العابر في أراضيه".

    لا ينسى أبو الغيط أن يُذكِّر القارئ مرة أخرى بجزئية سيطرة الرئيس على إدارة ملفات السياسة الخارجية المصرية واتخاذ القرارات الإستراتيجية بها.

    وهو ما يتبدى -على سبيل المثال- في منحه الإذن لأبو الغيط وسليمان بالسفر إلى السودان وقت أزمة دارفور لتحذير الرئيس السوداني من مغبة تجاهُل الغضب الدولي من أحداث الإبادة في هذا الإقليم.. وهو ما حدث ويحكى عنه أبو الغيط قائلا ً:

    «بعد عودتنا جرى اتصال هاتفي بيني وبين الرئيس.. فقلت له إنني قلت للرئيس البشير إنني أتصور أن من الهامّ أن تُظهر التجاوب لمتطلبات الوضع الدولي ومجلس الأمن .. وبأن تتحرك في اتجاه التحقيق مع بعض المسئولين السودانيين الذين تتهمهم المحكمة الجنائية بارتكاب أعمال تتناقض مع القانون الدولي الإنساني.. وإلا فإن الأمر قد يُعرِّض الرئيس البشير نفسه للمساءلة.. وأن الغرب يرغب في تفسيخ السودان.. وأن بريطانيا تستشعر أنها أخطأت عندما تركت السودان كدولة موحدة في عام 56.

    كان الرئيس مبارك يوافق على الكثير من اقتراحاتنا.. سواء المتعلقة منها بكيفية نصح السودان في التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية.. ومساعدتنا لهم بالخبراء والقانونيين.. وفى مقدمتهم الدكتور نبيل العربي القاضي الدولي ذو المعرفة العميقة بخبايا عمليات المحكمة.. وحيث التقى مرات كثيرة بالمسئولين السودانيين لتوجيه النصح القانوني.. أو الإجراءات المصرية التي يمكن اتخاذها لمواجهة التهديدات».

    ورغم كل هذا كان أبو الغيط يدرك كوزير للخارجية أن كل ما تفعله مصر لمساعدة السودان على تجاوز مشكلاتها عبر تكثيف النشاطات الاقتصادية المصرية في السودان.. وزيادة الوجود العسكري في إطار عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام على المسرح السوداني رغم ما يحمله للخزانة المصرية من أعباء كبيرة في ظروف اقتصادية وحياتية صعبة لمصر ذاتها لن يحقق الهدف منه في ظل عدم استشعار البشير أهمية الحفاظ على وحدة السودان!!

    أما أفريقيا فقد حاول الرئيس المصري السابق تعويض غيابه عن ملتقياتها ومؤتمراتها بدعم التواصل معها عبر إيفاد كبار مسئوليه إلى دولها والوجود في المناسبات المهمة بها.

    كما حدث بمشاركته في القمة الأفريقية في أبوجا بنيجيريا في يناير 2005م، وقمة غانا في يوليو 2007م.. بالإضافة إلى استضافة القاهرة عددا ً كبيرا ً من القادة الأفارقة على مدى عدة سنوات.. وكذلك عقد أكثر من مؤتمر قمة في شرم الشيخ للقادة الأفارقة.. ولكن كل هذا لم يكن كافياً.. وهو ما يعبر عنه أبو الغيط بقوله:

    «يجب الاعتراف أن ضعف العلاقات التجارية والاقتصادية بين مصر وهذه الدول له انعكاساته في عدم وضوح التأثير المصري بالشكل المناسب.. وفى هذا السياق ينبغي الاعتراف بأنني كثيرا ً ما شعرت بأن الرئيس يؤدى واجب الضيافة أو اللقاء مع الكثير من القادة الأفارقة بالكثير من التحفُّظ وبدون إظهار الحماس الكافي.. ولو الكاذب.. وبما قد يؤمِّن علاقات أكثر حميمية في الإطار الأفريقي.. آخذا ً في الاعتبار أن الكثير من هذه العلاقات تعتمد على التعرُّف والاتصال المباشر بين الرؤساء"

    مصر والقوى الصاعدة.. محاولات «بائسة» للحاق بقطار التقدُّم

    لم يكن هذا الأمر مقتصرا ً على أفريقيا وحسب.. ولكن مع جميع الدول الصاعدة الأخرى، ولذا اتجه التفكير لتكثيف الوجود المصري عبر وزير الخارجية والعديد من الوزراء المصريين في المناسبات الدولية والإقليمية لتعويض غياب الرئيس.. مع تحويل شرم الشيخ إلى نقطة محورية لعقد المؤتمرات والقمم الدولية، مثل «قمة عدم الانحياز، والقمة الأفريقية، والصين- أفريقيا، وفرنسا- أفريقيا» وغيرها من المؤتمرات.. رغم ما كانت تتحمله مصر من عبء التكلفة والإنفاق.

    لكن كان الهدف كما يقول أبو الغيط:

    «تأكيد آفاق الحركة المصرية وتأمين ظهور مصري دولي على مسرح الأحداث العالمية بما يوفر لمصر وضعية واضحة ومؤثرة تستطيع من خلالها التمكُّن من الانضمام إلى مجموعة صغيرة من الدول ذات التأثير الدولي والاقتصادي.. وبذلنا جهدا ً قويا ً للانضمام إلى مجموعة الدول الاقتصادية البازغة المسماة بالـ«BRIC».. وهى البرازيل/ روسيا/ الهند/ والصين.. وكانت هناك استجابة من البعض منها..  ومراوغة ومناورة من البعض الآخر.. وتوقف الجهد بعد سنوات وفضّلت هذه المجموعة أن تتقبل محاولات جنوب أفريقيا للانفتاح عليها.. خاصة وأنها الأقوى اقتصادياً.. بالمقارنة بمصر"

    لا بد أن تشعر بالقلق وأنت تقرأ كتاب أبو الغيط وشهادته على مجريات السياسة الخارجية المصرية في السنوات السبع الأخيرة من حكم مبارك.. فالاقتصاد المصري ودرجات نموه لا يسمحان بأن تنافس مصر على مواقع دولية كعضوية مجلس الأمن بعد توسعته.. فدولة مثل البرازيل كانت تتمتع بناتج قومي يفوق المصري أربع مرات.. كذلك الناتج المكسيكي الذي تجاوز المصري بثلاث مرات ونصف.. وكانت جنوب أفريقيا تفوق القدرات الاقتصادية المصرية بمرتين ونصف عدد السكان.. وتركيا بثلاثة أضعاف.. كذلك السعودية ثلاثة أضعاف الناتج القومي المصري وبثلث السكان كذلك القدرات الاقتصادية القطرية.. وكان الاقتصاد يسيطر على العقل الدولي في تصنيف الدول وقدراتها.

    كيانات تصعد وأخرى تتراجع ودبلوماسية مصرية تتحرك بأقل الإمكانيات.. وفى غياب قيادة كالحاضر الغائب لا تمتلك روحاً وثّابة لاقتناص الفرص لبلدها.

     وهو ما يقول عنه أبو الغيط في كتابه:

    "لم نعد في القمة في مجالات كثيرة إقليمياً، ولاحظت أن التقارير الدولية للقدرة التنافسية للاتصالات والمجتمعات تصدر سنوياً..  وتكشف عن تدهور في  وضعية مصر.. وقمت من جانبي وبكل الصدق والأمانة بعرض هذه التقارير على كل أجهزة الدولة المصرية.. الرئيس.. رئيس مجلس الوزراء.. والوزراء المعنيين وغيرهم.. إلا أنه وضح أن الهمّة ناقصة!! وعدم الحماس أصبح هو الأداء السائد"

    يلتقطك أبو الغيط مرة أخرى عبر سطور كتابه ليقدم لك سمة من سمات مبارك، عرفها بعد أقل من ساعة من حلفه اليمين وعن طريق رئيس سكرتارية الرئيس الذي طلب زيارة أبو الغيط في مكتبه.. وهو ما يقول عنه:

    "استقبلته في مكتبي مترقباً ما ينوى أن يتحدث به.. فإذا به يقول.. ربما بقدر من الإحراج.. إنني وقرينتي لا نعرف بالطبع أسلوب الرئيس وقرينته إلا أنه ينصح بأن نحتفظ بمسافة وعدم محاولة (رفع الكلفة).. وبخاصة من جانب زوجتي.. فأوضحت له بهدوء أن قرينتي لا تُعطى اهتماماً على الإطلاق للسلطة أو الاتصالات الرسمية.. وأنها كانت دائماً بعيدة ولا ترغب إطلاقاً في الاقتراب من أحد.. وهى لديها مسئوليات في رعاية شئونها وأرضها الزراعية.. وبقيت العلاقة هكذا.. المبادرة والمبادأة مع الرئيس وقرينته".

    ولا يتركك وزير الخارجية الأسبق في هذا الجزء إلا بعد أن يطرح الصورة الحقيقية للعاملين بـ«الخارجية» داخل مصر وخارجها.

    مشيرا ً إلى أن:

    عدد بعثاتنا في الخارج يقدر بنحو 135 بعثة، يبلغ عدد العاملين بها 480 دبلوماسياً.. بالإضافة إلى 300 إداري بينما يعمل في الوزارة بالقاهرة 500 دبلوماسي لممارسة أعمال الإدارة والتوجيه وغيرها من المهام.

    وتتعجب من ميزانية وزارة الخارجية التي لا تزيد على 200 مليون دولار، يُنفَق منها على مهام الوزارة ورواتب العاملين بها في الداخل والخارج.. وهو ما يعلق عليه الوزير الأسبق أحمد أبو الغيط بالقول:

    «أتعجب ممن كانوا يطالبون وزارة الخارجية بالمزيد من النفوذ في أفريقيا والدول العربية.. وهم لا يعلمون ضَعف ميزانيتنا التي نعمل بها ونحاول بما أتيح لنا من إمكانيات الظهور بالشكل الملائم الذي يليق بمصر".

    الأربعاء الموافق:

    26/2/1434هـ

    9-1-2013م



    عودة الى من التاريخ

    قضــايا شرعـــية
    منبر الدعوة
    واحـــة الأدب
    خدمات الموقع