|
صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ــ قال النووى : أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار و الروايات قديما و حديثا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا و جائز ممكن له لقاؤه و السماع منه لكونهما جميعا كانا في عصر واحد و إن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا و لا تشافها بكلام فالرواية ثابتة و الحجة بها لازمة.
ــ إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئا .
حاصل هذا الباب أن مسلما ادعى إجماع العلماء قديما و حديثا على أن المعنعن , و هو الذي فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال و السماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا يعني مع براءتهم من التدليس .
و نقل مسلم عن بعض أهل عصره أنه قال : لا تقوم الحجة بها , و لا يحمل على الاتصال , حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة فأكثر , ولا يكفي إمكان تلاقيهما .
قال مسلم : و هذا قول ساقط مخترع مستحدث , لم يسبق قائله إليه , و لا مساعد له من أهل العلم عليه , و إن القول به بدعة باطلة و أطنب مسلم - رحمه الله - في الشناعة على قائله ,
و احتج مسلم بكلام مختصره : أن المعنعن عند أهل العلم محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي , مع احتمال الإرسال , و كذا إذا أمكن التلاقي . وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون , و قالوا : هذا الذي صار إليه ضعيف , و الذي رده هو المختار الذي عليه أئمة هذا الفن : علي بن المديني , و البخاري وغيرهما . و قد زاد جماعة من المتأخرين على هذا ; فاشترط القابسي أن يكون قد أدركه إدراكا بينا , و زاد أبو المظفر السمعاني الفقيه الشافعي ; فاشترط طول الصحبة بينهما , و زاد أبو عمرو الداني المقري ; فاشترط معرفته بالرواية عنه .
و دليل هذا المذهب المختار الذي ذهب إليه ابن المديني والبخاري و موافقوهما :
أن المعنعن عند ثبوت التلاقي إنما حمل على الاتصال ; لأن الظاهر , ممن ليس بمدلس , أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع , ثم الاستقراء يدل عليه . فإن عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك إلا فيما سمعوه , إلا المدلس , و لهذا رددنا رواية المدلس . فإذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال ,
الباب مبني على غلبة الظن ؟ فاكتفينا به . وليس هذا المعنى موجودا فيما إذا أمكن التلاقي و لم يثبت ; فإنه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز الحمل على الاتصال , و يصير كالمجهول ; فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه أو ضعفه بل للشك في حاله .. هذا حكم المعنعن من غير المدلس . وأما المدلس فتقدم بيان حكمه في الفصول السابقة . هذا كله تفريع على المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه السلف والخلف من أصحاب الحديث والفقه والأصول : أن المعنعن محمول على الاتصال بشرطه الذي قدمناه على الاختلاف فيه . وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يحتج مطلقا لاحتمال الانقطاع , وهذا المذهب مردود بإجماع السلف , ودليلهم ما أشرنا إليه من حصول غلبة الظن مع الاستقراء ــ إذا قال : حدثني فلان : أن فلانا قال , كقوله : حدثني الزهري : أن سعيد بن المسيب قال : كذا , أو حدث بكذا , أو نحوه : فالجمهور على أن لفظة أن كعن فيحمل على الاتصال بالشرط المتقدم . و قال أحمد بن حنبل , و يعقوب بن شيبة , و أبو بكر : لا تحمل أن على الاتصال . و إن كانت عن للاتصال . و الصحيح الأول , وكذا قال , و حدث , و ذكر , و شبهها ; فكله محمول على الاتصال و السماع .
عودة الى من علوم الحديث
|