|
ج1 حتيتة: أزمة اليسار انفصاله عن الواقع .. ومبارك اعتبر توشكى مشروعه القومى حاوره / سمير العركى
الثورة المصرية فتحت الأبواب المغلقة وأزالت الحواجز الوهمية التي فرقت المصريين ومزقتهم شيعا ً وحولتهم إلى جزر منفصلة متباعدة.. مما أدى إلى شيوع حالة من التخوين والإقصاء والجفاء السياسي.. مما أعطر الفرصة لمبارك ونظامه من افتراس مصر على مدار ثلاثين عاما ً.
واليوم كان لابد من اللقيا واعتماد الحوار كآلية لإدارة الخلاف السياسي.. ومحاولة الوصول إلى المشترك الذي تنطلق منه القوى السياسية كافة لبناء الوطن..والنهوض به ووضعه على المسار الصحيح اللائق به.
من هنا كان لقاؤنا بـ"أ/ عبد الستار حتيتة" الصحفي الذي قضى فترة طويلة من حياته المهنية في جريدة "الأهالي" قبل أن يتركها.. ميمما ً وجهه صوب تجارب صحفية أخرى ناجحة في "رويترز".. وتولى رئاسة تحرير جريدة "الجيل" ثم جريدة "الكرامة".
وقد كان عمله لفترة طويلة كمحرر برلماني فرصة كبيرة للاقتراب من رموز النظام السابق.. وقادة الحزب الوطني.. وتقييم أدائهم تحت قبة البرلمان.
إضافة إلى نشأته في أحضان اليسار المصري ومعايشته لسنوات الصعود والهبوط.. مما يجعله قادرا ً على تسجيل شهادته على النكبة التي ألمت باليسار ولم يستطع أن يفيق منها حتى الآن.
إلى غير ذلك مما تلتقون به في حوارنا معه..
أنت من بيئة بدوية.. وقد اشتهر قبل انتخابات مجلس الشعب الأخيرة أن مثل هذه المناطق ستكون البوابة التي يعبر منها الفلول إلى المجلس.. نظرا ً لدور العصبية القبلية.. كيف تنظر إلى هذه الرؤية الآن؟
هذه الرؤية كنت أعلم أنها غير سليمة ولا صحيحة.. إذن أن ارتباط هذه القبائل ومثلها العائلات الكبرى في الصعيد بالحزب الحاكم في مصر هو ارتباط مصلحة وليس ارتباطا ً أيديولوجيا ً.
فهذه العائلات ارتبطت بحزب الوفد قبل الثورة.. ثم يممت وجهتها صوب الاتحاد الاشتراكي.. ثم حزب مصر.. وأخيرا ً الحزب الوطني.
فهي تبحث عن السلطة التي تؤمن لها مصالحها وتضمن وصولها إلى البرلمان.. ولى في هذا السياق قصة مازلت أذكرها تدلل على كلامي.
تفضل .
كان من المعتاد في مرسى مطروح أن ينجح أربعة من رجال الحزب الوطني اعتاد أن يدفع بهم على الدوام.. ولكن في عام 87 رأت القبائل أن تلك الشخصيات قد استهلكت فرشحت أربعة غيرهم وعرضتهم على الحزب الوطني.. ولكنه أصر على مرشحيه القدامى.
فما كان من الأربعة الجدد إلا أن ذهبوا وانضموا لحزب الوفد وخاضوا الانتخابات من خلاله.
فتجربة الانتخابات في البيئة القبلية ليست مرتبطة بالمفهوم الديمقراطي.. ولكنها مرتبطة بالمصلحة في الأساس.
ولكن الانتخابات الأخيرة شهدت سقوطا ً ذريعا ً للفلول في الصعيد .. حتى أن عائلات كبيرة كانت قد اعتادت احتكار الكرسي سقطت.. فكيف تفسر ذلك ؟
المسألة هنا تعكس تمردا ً من جانب الناخب على مجمل أوضاع فرضت عليه على مدار ستين عاما ً وليس ثلاثين كما يقول البعض.
فالناس زهقت من الحكم الفوقي والأوامر الموجهة والتعليمات الصادرة من قيادة الحزب في القاهرة بانتخاب فلان وعدم انتخاب فلان.
لذا أرادت أن تغير وأن تجدد الدماء فعصفت بالحزب الوطني.. وعصفت بالترتيبات القبلية.. وعصفت بما هو معتاد .
ولكن هل تعتقد أن هذا الأداء السياسي سيتطور بعد الذي رأيناه وتابعناه في الانتخابات؟
لا أعتقد ذلك.. لأننا ما زلنا في احتياج إلى ثورة على عاداتنا وأخلاقنا.. وهذه لم تحدث بعد.. ففي قصص التاريخ القريب أن شعب مدينة زفتى عندما أعلن قيام جمهورية زفتى في القرن الماضي كان أول ما فعله هو النزول لتنظيف الشوارع.
فنحن لم نتغير حتى الآن بما في ذلك القوى السياسية.. لأن الثورة فاجأت الجميع.. فالإسلاميون والليبراليون والأحزاب التقليدية كما هي لم تطور من نفسها ولا من أدائها حتى الآن !!
ولكن من المعروف أن أي ثورة تحدث تغييرات عميقة في البني الاجتماعية والثقافية والسياسية.. ولكنها تحتاج إلى عدد سنوات لإنجاز هذا التغيير وثورة يوليو 52 مثال واضح على ذلك؟
رغم أنني اشتراكي.. ومن المحبين لعبد الناصر.. إلا أنني أعتبر أن ما حدث في يوليو 52 لم يكن ثورة كذلك.. ما حدث في 25 يناير لم يكن ثورة هو الآخر.. ولكنه عبارة عن هبة شعبية.
فحتى الآن لم يوجد برنامج سياسي طويل الأمد.. وبعد الثورة تفرغ كل فصيل للحصول على المكاسب التي تقع تحت يديه.. عدا فصيل واحد فقط وهو ذلك الشباب الذي كان يقف أمام المساجد يوم جمعة الغضب العام الماضي ينظم الصفوف.. ويحث الناس على المشاركة.
وبتعبير آخر أكثر وضوحا ً هو الشباب غير المسيس الذي لا يتبع تنظيما ً معينا ً ولا تيارا ً محددا ً.. ومعظمهم من المناطق الفقيرة وهؤلاء لم ينخرطوا في العمل السياسي من قبل.
وكيف ترى الواقع السياسي في مصر قبل الثورة؟
نظام مبارك اتبع سياسة إبقاء الوضع ساكنا ً.. وهذه السياسة مستمدة من شخصية حسنى مبارك نفسه.. فقد كان يفتقر إلى الخيال والإبداع.. ويميل إلى الركود.. فعمل على تجميد الحياة السياسية الداخلية وتحجيم القوى السياسية الإسلامية واليسارية وغيرهما.. كما حرص على عدم الدخول في مواجهات إقليمية عنيفة.
مما أدى إلى تحول الدولة المصرية إلى بركة راكدة أصابها العطن والعفونة في نهاية المآل.. ووصلنا إلى حال اعتبر فيه مبارك أن مشروعه القومي يتمثل في توشكي.. وذلك في معرض إجابته عن سؤال للمثقفين عن أهمية وجود مشروع قومي يلتف حوله الشعب فرد عليهم:
أهي توشكى موجودة.. بدلا من أن يكون مشروعه القومي في التعليم مثلا.. ومن هنا كان لابد من قيام هذه الهبة الشعبية التي رأيناها في 25 يناير الماضي.
والشباب المصري كيف تقرأ أحواله قبل الثورة؟
الشباب المصري تعرض لظلم بين وغبن شديد.. فقد منع من ممارسة العمل السياسي في الجامعة والاتحادات الطلابية.. ولم يجد أحزابا قوية تلبى طموحه.. بل صدم بالأحزاب الكرتونية التي كانت موجودة قبل الثورة.
لذا ظل عازفا عن ممارسة السياسية حتى أواخر التسعينات عندما تفجرت ثورة الاتصالات والتقدم الهائل في التكنولوجيا وانتشار الانترنت.. وذيوع صيت مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر.. فهذه الأدوات دفعت بالشباب إلى اقتحام السياسة من جديد.. ولكن على مرجعية مختلفة عن المرجعية التي تربت عليها أجيالنا.
فهذا الشباب قد لا يكون قرأ لماركس ولا حسن البنا ولا سيد قطب ولا ناجح إبراهيم.. ولكنه شاهد العالم وتجول فيه وهو جالس في بيته أمام شاشة الكمبيوتر.
من المؤكد أن القوى السياسية قد تتغير أوضاعها بعد الثورة من حيث الصعود والهبوط كيف ترى وتتابع هذا المشهد؟
إذا تحدثنا عن القوى الصاعدة.. فلابد وأن نذكر الإخوان المسلمين فهي الجماعة صاحبة الرصيد الشعبي الأكبر والقوة التنظيمية الأبرز والخبرة التي تمتد لنحو ثمانين عاما ً.. والإخوان ظلوا طيلة عشرات السنين يعدون أنفسهم لهذا اليوم.
ولكنى من جانبي أتوقع أن يفشل الإخوان في الاختبار التنفيذي.. ومن هذا الباب تستطيع فهم مناورات الإخوان الآن بعدم تصدر مشهد الحكم والدفع بغيرها.. وتظل هي قابضة على البرلمان حيث التشريع والرقابة.. فهم يدركون أن الحمل ثقيل.. والتركة التي تركها مبارك ليست بالسهل اليسيرة.
كيف تنظر إلى اليسار ودوره بعد الثورة.. خاصة أنه يواجه تعثرات من زمن طويل؟
في الحقيقة اليسار مشاكله معقدة ومركبة.. فمن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لم يستطع اليسار أن ينهض من جديد.. وأن يعيد إنتاج خطاب سياسي جديد يتواءم ويتناسب مع المتغيرات الحادثة على أرض الواقع.
وبالجملة اليسار المصري في أزمة عميقة.
هل ترى أن حالة الجمود التي يحياها اليسار هي التي سببت له هذه الأزمة.. لأنه لم يعمد إلى إجراء مراجعات شاملة لأفكاره خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي؟
للأسف.. فإن إيقاع الزمن سبق المنظرين داخل الحركة اليسارية والماركسية بمسافات بعيدة.. ففي مصر مازال اليساريون ينظرون إلى المجتمع نفس النظرة التي كان ينظرها لينين في القرن الماضي على عكس اليسار في أوروبا الذي تمكن من تجاوز صدمة انهيار المعسكر الشرقي عبر سلسلة كبيرة من التنازلات قدمها اليسار هناك لصالح المجتمع.. فنحن هنا في مصر أمام تنظير تجاوزه الزمن.
أليست مفارقة أن يشكو اليسار اليوم من قلة المنظرين.. وهو الذي كان لديه الكثير منهم في وقت من الأوقات؟
بالفعل لأنها – كما قلت لك – أزمة مركبة – إضافة إلى حالة عدم اليقين التي يعيش فيها اليسار بجميع أطيافه وتنويعاته مثل حزب التجمع والكرامة والحزب الناصري.. مما أدى إلى حالة تشتت للشباب.. مما حدا به للبحث عن ملاذ آخر يمارس من خلال فعل الاحتجاج ضد السلطة التي كانت موجودة.
فحركة مثل كفاية كانت ممتلئة بشباب اليسار في الوقت الذي كان رؤساء أحزابهم يرفضون هذه الفكرة لاقتناعهم بمبدأ الولاية على الشباب.. وأن الحزب لابد وأن يتحرك وفق أهوائهم وآرائهم.. وبإشارة من أصبعهم.. مما أدى إلى أزمات كبيرة وكثيرة.
يستثنى من ذلك القيادي الكبير خالد محيى الدين والذي تعلمت منه الكثير.
بمناسبة صحبتك لهذه الشخصية اليسارية الكبيرة كيف كانت شخصية خالد محيى الدين ؟
خالد محيى الدين شخصية متسامحة ومنفتحة ومتقبل للآخر.. ومستمع جيد للشباب.. ويحاول أن يستفيد منهم.
وأذكر أنني عندما كنت في مقتبل عمري المهني في العمل الصحفي البرلماني استدعاني ذات مرة.. وكان عمره آنذاك 75 سنة.. وكان يشغل رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع.. وصاحب تاريخ نضالي كبير من أجل إقرار الديمقراطية ووقفته الشهيرة في عام 54 معروفة ومشهورة.. وبالرغم من هذا التاريخ الطويل قال لي:
ما هو اقتراحك ورؤيتك من أجل النهوض بجريدة الأهالي؟
وطلب من أن أكتب رؤيتي وأسلمها إليه وهذا التصرف نادر الحدوث.. فقد كان من الصعب أن تجد سياسيا أو زعيما يؤمن أن الحقيقة الكاملة ليست موجودة عنده.. وذلك التصرف لم يكن قاصرا ً على شخصي فقط.. بل يفعله مع الجميع دون استثناء.
هذا التواصل بين الأجيال الذي أشرت إليه.. هل تراه ضرورياً من أجل الاستمرار؟
بدون شك.. فلابد من الاستماع للأجيال التالية وعدم الانفصال عنهم.. لأن الانفصال يؤدى إلى مهزلة ومسخرة ويجعل الحاكم أو الزعيم.. أو حتى شيخ القبيلة لا يرى إلا نفسه.
كما حدث مع حسنى مبارك الذي انفصل عن الناس والواقع والأجيال التالية.. فأصبح لا يرى إلا نفسه ولا يسمع إلا ذاته.. فكانت الميادين تموج بالملايين الغاضبين.. وهو وحده المقتنع أن الناس لا تريد سواه.. وأن الشارع مازال يلهج بحبه وذكره.
وهذا ما يعانيه اليسار اليوم أنه انفصل عن الواقع.. فأصبح لا يسمع إلا صوته ولا يرى إلا ذاته.
عملت لسنوات طويلة كمحرر برلماني.. واقتربت من خلاله من رموز الوطني.. فكيف ترى الآن كمال الشاذلي ويوسف والي وغيرهما من عتاولة الحزب الوطني؟
رغم كل ما قيل عن الشخصيتين وأخذ عليهما.. ولكنهما كانا صمّام أمام للحزب الوطني.. فكمال الشاذلي كان يدير المجلس باحترافية ويترك ما يريد للمعارضة من أجل احتوائهم وتفريغ غضبهم.. كما أنه كان ممسكا بكل خيوط الحزب الوطني في يديه بحيث تمكن من احتواء تمرد أفراده على مدار سنوات طويلة من خلال علاقاته الشخصية والكاريزما التي كان يتمتع بها.
هل نفهم من كلامك أن كمال الشاذلي.. لو كان في موقعه في الانتخابات الأخيرة كان سيسمح بنجاح عدد لا بأس به من الإخوان ورموز المعارضة؟
ردى على تساؤلك تفهمه من القصة التالية.. فقد كنت مع د/ فتحي سرور في سلطنة عمان سنة 2003.. وبالتحديد قبل ضرب العراق بأسبوعين فقال لي:
إيه رأيك في الأولاد الجدد اللي في الحزب الوطني ( يقصد جمال وعز وبقية الشلة).
فقلت له: أكبر خطأ قد يرتكبه الحزب الوطني التضحية بيوسف والي وكمال الشاذلي.
وهو كان رأيه أن الشاذلي عمود كبير في الحزب.. وبالفعل ففور أن ترك الشاذلي أمانة التنظيم تراكمت على أحمد عز أعداد هائلة من الشكاوى من المحافظات وصلت إلى حوالي 40 ألف شكوى.. وذلك الوضع جعل مبارك يستعين مرة أخرى بالشاذلي لحل تلك المشاكل.. وقد دخلت عليه مكتبه وأمام تلال من أوراق المشاكل وقال لي:
شوف كل ده مشاكل متراكمة.. وأن لا أقول إنه كان منزها ً.. ولكنى أتحدث عن أدائه السياسي.
وكيف تصف لنا الفرق بين أداء الشاذلي من ناحية.. وجمال وأحمد عز في إدارة الحزب الوطني وحل مشكلاته؟
الشاذلي كان يعمد إلى طريقة تشبه ما يحدث في الريف.. حيث يلجأ الناس هناك لكبير القرية لحل مشاكلهم دون اللجوء إلى التقاضي وزحمة الأوراق.. وهذا ما كان يفعله الشاذلي في حل مشاكل المتنازعين في الحزب.
أما أحمد عز فقد لجأ إلى أسلوب الشكاوى حتى تراكمت الأوراق والشكاوى عليه ولم يستطع حلها.. فأحالها كما قلت إلى الشاذلي.
إضافة إلى أن الناس في القرى والأرياف قد لا تعرف القراءة والكتابة.. فضلا عن الفاكس الذي سترسل من خلاله الشكوى.
وإلى اللقاء في الجزء الثاني من الحوار.
الأربعاء الموافق:
16-3-1433هـ
8-2-2012م
| الإسم | ابو محمد الشرقاوى |
| عنوان التعليق | شخصيات عفا عليها الزمن |
| السلام عليكم يا شيخ سمير يسار ايه ويمين ايه هذه شخصيات وافكار عفا عليها الزمن واكل عليها الزمان وبا ل وليس من العقل نبش القبور واخراج الموتى من قبورهم فاليسار واليمين سقط فى معاقله وكفر الناس بنظرياتهم حتى فى معاقلهم فى روسيا واوربا الشرقية افلا يراجع بنو قومنا توجهاتهم فيولوا وجوههم شطر المسجد الحرام ولو مرة قبل فوات الاوان |
| الإسم | سالم الصنقري |
| عنوان التعليق | تنوع الاختيارات يثبت مصداقية الموقع |
| أتابع منذ شهور موقع الجماعة الإسلامية ويثبت تنوع الاختيارات مصداقية الموقع. والأهم هو الوصول إلى الشخصيات المغمورة التي تملك موضوعية في الحديث وغير منحازة لأي طرف باستثناء المصلحة العامة وقول الحقيقة.. |
عودة الى اللقاء الأسبوعي
|