|
د/ حبيب: الاعلام هو أداة التغيير والريادة المصرية حديث من الماضى حاوره/ هشام النجار
القضية جد خطيرة ومصيرية.. والمسألة عند من يقدرها ويقف على مكامن الخطر فيها.. ويدرك تأثيرها وأثرها الكبير في خضم الحراك الفكري والثقافي القائم.. محل دراسة ومتابعة وتخطيط وتطور ونهوض وارتقاء متواصل.
ولازلنا هنا نتساءل - في ذكرى مرور خمسين عاماً على انطلاق التليفزيون المصري-:-
ما معنى الريادة؟.. وما مفهومها؟.
وما هي حيثياتها وأماراتها؟.
هل لأننا كنا البادئين؟.
نعم بدأنا.. لكن كيف نحن الآن؟.
وهل لأننا كنا الوحيدين على الساحة؟.
نعم.. لكن أين نحن الآن؟.
لقد كنا بريادتنا وسبقنا أولى من غيرنا.. باستيعاب المتغيرات والتحولات.. وامتلاك الإمكانيات.. وإجراء الإصلاحات والتغييرات.. التي تؤهلنا وتمكننا من الحفاظ على تلك الريادة واحتلال مركز القمة.
وكنا بريادتنا وسبقنا أولى بأن نكون الأسبق في تقديم إعلام حر مستقل مسئول شفاف.. يحترم عقلية وفكر المواطن العربي في القرن الحادي والعشرين في عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة.
وكنا بريادتنا وسبقنا أولى بأن نكون لغيرنا القدوة والنموذج في تقديم إعلام راقي متوازن.. يحترم الرأي والرأي الآخر.. ويؤمن بالحوار البناء المثمر الهادئ.
فما الذي أعاق نهضتنا الإعلامية.. وجعل حديثنا عن ريادتنا بلا مذاق وسط مائدة عامرة من المشهيات والأطايب مقدمة من دول ومؤسسات ليس لها تاريخ كتاريخنا.. ولا ماض عريق في هذا المجال وغيره كماضينا؟.
وأيضا نتساءل من منطلق انتمائنا للحركة الإسلامية:
ما الذي أزهد الإسلاميين في امتلاك هذه المنابر المؤثرة.. إن لم يكن لخدمة الدعوة ونشر الإسلام وقيمه وأخلاقه.
فللدفاع عن الإسلام وإجلاء الحقائق ومحو الصورة السيئة التي طبعها اليساريون في أذهان العامة عن المسلم الملتزم.. الذي قدموه مثالاً للكآبة والتجهم والتحجر والتنطع والجمود.. كارهاً للمرح والفرح.. رافضاً للحياة.. ميالاً للنفاق والخداع والعنف والقسوة.. محلاً للسخرية والتندر والاستهزاء.
نتساءل:
متى نعى أبعاد وأخطار عزوفنا وزهدنا في امتلاك هذه الوسائل الحديثة في التواصل مع الجماهير؟
ومتى نمتلك الكوادر والتقنيات والطاقات البشرية المبدعة والمؤسسات الإنتاجية الكبيرة التي تقدم الإبداع الإسلامي والأدب الإسلامي والفن الإسلامي المعبر عن همومنا وعن قضايانا وواقعنا؟
متى نرتقي إلى النظرة المقاصدية.. ونتعامل مع هذه القضية الخطيرة بذهنية فقه المصلحة.. وليس بالذهنية الذرائعية التي حرمت الجماهير المسلمة لعقود من التمتع بإعلام شفاف متزن وفن هادف راق.. وعزلتنا ردحاًمن الزمن عن جمهور عريض لم يعرف عنا ولم يسمع منا شيء؟.
أسئلتنا حملناها وذهبنا بها هذه المرة إلى المفكر والكاتب الإسلامي المتميز الدكتور/ كمال حبيب.
الذي نشكره على سعة صدره رغم انشغالاته والتزاماته الكثيرة.
وفى بداية هذا اللقاء السريع.. سألنا الدكتور حبيب عن الريادة المصرية في مجال الإعلام.. ما السبب الرئيسي في إعاقتها.. وما الذي جعلها اليوم حديثا من الماضي؟.
بالنسبة لريادة التلفزيون المصري فإنه ليس له الريادة التي كانت.. فروح العاملين فيه لا تزال تتلبسها روح التبرير والدعاية التي من المفترض أنها عادة تلازم أنظمة الحزب الواحد التي تبرر للحاكم ولا تراقبه.
وهنا فإن التحول الجاري اليوم في النظام السياسي المصري ناحية ظهور إعلام مستقل سواء أكان مقروءً أو مرئيا..ً يمثل تحدياً لتلفزيون الدولة الرسمي.
لكن هذا لا يمنع أن هناك محاولات حثيثة اليوم لمواكبة الأحداث واللحاق بالركب.. فهل تراه ينجح ويعود إلى سابق عهده مرة أخرى؟.
هو يحاول اللحاق.. ولكن في حدود التعليمات التي تكبل حركته وتجعل إيقاعه ووقعه لا يلاحق المهنية التي يتسم بها الإعلام المستقل.. وإعلام الدول التي حاولت أن يكون لها دور من خلال قنوات فضائية.. كما هو الحال بالنسبة لقناة الجزيرة.
بغض النظر عن الأسباب المهنية.. هل هناك بعد سياسي للقضية؟.
لا بد لنا من القول هنا أن الإعلام يعبر في التحليل النهائي عن مشروع للدولة.. ومن ثم فحينما كان الإعلام المصري معبرا عن المشروع القومي في عهد عبد الناصر.. فقد كان يتحدث بصوت العرب جميعاً.. وكان تأثيره يتجاوز مصر إلي العالم العربي جميعا.
أما اليوم فإن الدولة المصرية منزوية علي نفسها.. لم تعد قادرة علي التأثير في محيطها الخارجي العربي.. بسبب ضغوط النظام الدولي وأميركا خاصة.
كما أن تغليب المشاكل الداخلية علي السياسة الخارجية جعل الدور المصري يتراجع.. ومن هنا تراجعت ريادة الإعلام.
وما قولك في الفرق بين كوادر وكفاءات اليوم والأمس.. وهل تقديم أهل الثقة اليوم له دور في تضاؤل تأثير وجماهيرية وانتشار الإعلام المصري؟.
ربما يكون أحد أسباب تراجع الريادة للدور الإعلامي المصري هو اختيار مقدمي البرامج وفريق إعدادها.. بناءً علي علاقات صداقة مع قادة الإعلام والنخبة القريبة منهم.
ومن ثم حرمان الإعلام المصري من كفاءات قد يكون لها موقف معارض من النظام المصري.. أو لها مواقف مستقلة.. أو لها مواقف نقدية.. وهنا تتراجع المعايير المهنية ويتم تقديم الثقات علي الكفاءات.
ولا يجب أن نغفل فيتو بعض الأجهزة على استضافة أسماء بعينها.. فهناك أسماء ممنوع ظهورها في الإعلام الحكومي الرسمي.
حدثنا باختصار عن الفترة الذهبية للإعلام المصري؟
لاشك أن الإعلام المصري كان سباقاً في الوجود.. سواء علي مستوي الإذاعة في الفترة الليبرالية.. ثم التلفزيون في الفترة الناصرية الذي كان نقلة هائلة.. لأن الصورة في النهاية بألف كلمة ومقال.
كما أن مجتمعا تنتشر فيه الأمية.. فإن الصورة تمثل بالنسبة له مصدراً للتوجيه والتنشئة السياسية الثقافية والاجتماعية.
ويكفي القول إن الإعلام المصري التلفزيوني بدأ في البث.. بينما كانت دولاً عربية لم تحصل بعد علي استقلالها.
وكان الإعلام هو نافذة النظام الناصري إلي الناس.. فتكونت لدينا كوادر وكفاءات كبيرة كانت تؤمن بالمشروع الناصري مثل صلاح جاهين.. وقطاع من الرموز الفنية.. والكتاب في الأهرام كانوا يمثلون كتيبة مهمة تعانقت مع أهداف الثورة.
وظل الأمر كذلك في عهد السادات.. حيث كان الإعلام لسان حال النظام السياسي.. فهو من نقل أحاديث عبد الناصر.. ونقل أحاديث السادات.. وسجل الأحداث التي شكلت الوجدان المصري والعربي.
ولم تكن قيم الثورة ولا القيم التي دعا إليها الإعلام سيئة.. بل كانت تدعم الانتماء للعروبة وللعالم العربي وللقضية الفلسطينية وللقدس.. والاهتمام بما يجري من أحداث في مواجهة النظام العالمي ضد المنطقة.
إذا كان الأمر كذلك.. فما سبب الانتكاسة.. وما أسباب التراجع والفشل بعد ذلك؟
مشروع الإعلام الناصري فشل فشلاً ذريعاً مع هزيمة يونيه 1967م.. حيث كانت البيانات تتحدث عن واقع مختلف.. وهو ما جري مراجعته ضمن ما تم مراجعته من أخطاء وقعت فيها التجربة الناصرية.
هل كان بعد الفشل من نجاح؟.. وهل اختلف الإعلام في عصر الرئيس السادات عنه في عصر الرئيس عبد الناصر؟
مع تصاعد الشعور بالانتماء الإسلامي في عصر السادات والعودة إلي الله وظهور حرية نسبية علي المستوي السياسي.. ظهرت وجوه جديدة علي مستوي الدين الإسلامي مثل الشيخ/ الشعراوي.. الذي مثل إضافة مهمة في شرح وتفسير القرآن عبر الصورة والمشافهة والتواصل المباشر مع الناس لأول مرة في تاريخ العالم العربي والإسلامي.
وظهر برنامج العلم والإيمان للدكتور/ مصطفي محمود.. وظهرت وجوه جديدة وأصيلة مثل الشيخ/ عبد الحليم محمود.
فتاريخ هذه المنطقة هو تاريخ علاقتها بالدين والإسلام.
ومن هنا كان ترسيخ معني العلم والإيمان في نفوس الناس.. بصرف النظر عن المواقف السياسية التي اختطها السادات.. والتي قادت لمعارضته من القوي الإسلامية والقوي المعارضة الأخرى.. وخاصة زيارته للكيان الصهيوني.
الإنتاج الفني الذي قدمه التليفزيون على مدى خمسين عاماً.. هل كان معبراً بصدق عن الواقع المصري؟.. وهل كان انعكاساً لطموحات المصريين وأحلامهم وقضاياهم وهمومهم واهتماماتهم الحقيقية؟.. وهل كان منطلقاً من أفكارهم وتقاليدهم وثوابتهم؟
الإنتاج الفني من المسلسلات والأفلام والدراما وغيرها.. لم يكن يعبر عن واقع مصر باستثناءات قليلة جداً.. وإنما كان يجري وراء الموضات الغربية.. وخاصة أن غالب من يعملون في ذلك المجال كانوا بعيدين عن الانغراس في روح الأمة والشعور بها.
فقد كانوا يستلهمون الغرب.. المسرح والإنتاج الثقافي الشعري وغيره كان يستلهم ولا يزال إلي اليوم الخط الغربي.
بحيث إنني حين أراجع الإنتاج المصري في عالم الفن سأجد أغلبه يناقش قضايا الحب والمرأة وحقها في التمرد وغيرها.. مما لا يعبر عن واقعنا.
هل ترى ذلك كنتاج طبيعي لسيطرة اليسار على الإعلام؟.. وهل أراد عبد الناصر أو صنع حقاً إعلاماً كهذا؟
في الواقع فإن الاتجاهات اليسارية حدثت قسمة بينها وبين عبد الناصر.. بعد الصدام بينهم انتهي إلي أن يأخذ اليسار مجال الإعلام والثقافة والفن ليعمل فيه.. ويترك السلطة لعبد الناصر.
وماذا عن التيار الإسلامي؟..وهل تم تهميش وإقصاء الإسلاميين وحرمانهم من ارتياد هذا الميدان؟.. أم كان تقصيراً منهم في الوعي بخطورة وأهمية هذه الميادين المؤثرة؟.
وجود التيارات اليسارية استمر إلي اليوم بقوة في المجال الإعلامي.. بينما تم تهميش أصحاب الرؤية الإسلامية بسبب صراع الإخوان مع الدولة.. وبسبب الظن أن الإسلاميين سيحولونها إلي (ضلمة) لا تعبر عن إبداع.
كما أنه علينا أن نعترف أن اهتمام الإسلاميين بمجال الفن والإعلام والثقافة جاء متأخراً.. ولم تكن هناك كوادر حقيقية تزاحم في هذا المحال.. وهو ما بدأ يتغير الآن.
في ختام هذا الحوار الممتع الشيق.. نريد سماع كلمة مختصرة تصلح عنواناً كبيراً في الاحتفال باليوبيل الذهبي للتلفزيون المصري من الدكتور/ كمال حبيب.
أقول:
"الإعلام هو أداة التغيير الحقيقية في أي مجتمع.. وعلي الإسلاميين أن يدركوا ذلك ويزاحموا في ذلك المجال ببناء حالة إبداعية بديلة في كل المجالات الثقافية في الشعر والمسرح والفن وغيرها من المجالات.. وتشكيل العقول بالإعلام هي المعركة الحقيقية في عالم اليوم.
وبينما نري إعلاماً جديداً يأخذ الناس باسم الواقعية إلي اليأس والعدمية.. فإنه علي الإسلاميين أن يطرحوا بديلاً".
وفى ختام هذا الحوار المثمر الراقي مع الكاتب الإسلامي الدكتور/ كمال حبيب لا يسعنا إلا أن نتقدم له بوافر الشكر والامتنان.
سائلين المولى عز وجل أن يتقبل منا ومنه صالح الأعمال.. وأن يجزيه خير الجزاء على ما يقدم للفكر الإسلامي من اضاءات وإضافات.
وأن يعيد عليه وعلى أسرته الكريمة وعلينا وعلى الأمة الإسلامية هذه الأيام المباركة بالخير والبركة والنصر والعزة.
الجمعة الموافق
10-9-1431هـ
20-8-2010م
| الإسم | بخيت خليفة |
| عنوان التعليق | أمجاد يا عرب أمجاد |
| لا يزال هذا الرجل الحكيم تستهويني كلماته، الدكتور / كمال حبيب قارئ جيد للواقع بصفة عامة وما يخص الإسلام بصفة خاصة، وكلامه عن الإعلام جاء صريحاً وصادقاً، وأكبر خطأ نحياه أننا ما زلنا نعيش على أمجاد الماضي حتى صرنا بلا حاضر وطبعا بلا مستقبل، سوف أستعير كلمة سمعتها من إعلامي شهير جداً وهو المحاور/ مفيد فوزي وان كنت أختلف معه في بعض الأشياء، لكن من أسابيع قليلة كان ضيفا في برنامج "صالون المستكاوي" على إحدى الفضائيات وعندما سئل عن الإعلام الآن قال بالحرف الواحد: "ما يقدم حالياً هو الهلس فأنت ترى هلس وتسمع هلس ................." وكرر هذه الكلمة عشرات المرات، وهو شاهد من أهلها لكنه من الجيل الذهبي للتليفزيون المصري، يكفي خيبة للإعلام المصري أن يغيب عنه كل المفكرون المصلحون، ويحضره كل الراقصين واللاعبين فمن أين يأتي الجد ونحن في قمة الهزل.
تحياتي للكاتب وللضيف
|
عودة الى دراسات أدبية ونقد
|