|
البلاغة في القرآن.. الجزء الأول. - الحروف الزائدة -
· حرف الجر الزائد: و هو الذي لا يجلب معنى جديد, و إنما يؤكد و يقوي المعنى العام في الجملة كلها, فشأنه شأن كل الحروف المؤكدة يفيد الواحد منها توكيد المعنى العام للجملة كالذي يفيد تكرار تلك الجملة كلها.. سواء أكان المعنى إيجابا أم سلبا, ولهذا لا يحتاج إلى شيء يتعلق به, ولا يتأثر المعنى الأصلي بحذفه نحو: (وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً), معنى يكفي الله شهيدا فقد جاءت الباء زائدة لتفيد تقوية المعنى الموجب وتوكيده. فكأنما تكررت الجملة كلها لتوكيد إثباته وإيجابه.. ومثل: ليس من خالق إلا الله, أي ليس خالق إلا الله فأتينا بحرف الجر (من) لتأكيد ما تدل عليه الجملة كلها من المعنى المنفي وتقوية ما تتضمنه من سلب, ولو حذفنا الحرف الزائد في المثالين السابقين ما تأثر المعنى الأصلي بحذفه.
· ولا فرق في إفادة التأكيد بين أن يكون الحرف الزائد في أول الجملة أو في وسطها أو في آخرها نحو بحسبك الأدب – كفي بالله شهيدا – الأدب بحسبك أشهر حروف الجر الزائدة هي (مِنْ – الباء – اللام – الكاف), فائدة الحرف الزائد هو التوكيد, والتوكيد ينفي المجاز, فقولك: ما عندي درهم.. يجوز أن يكون عندك بعض الدراهم القليلة وأنك تقول: ما عندي درهم مجوزا, لكن لو قلت: ما عندي من درهم فقد نفيت المجاز وليس عندك حقيقة لا قليل ولا كثير من الدراهم.
من أمثلة الحروف الزائدة في القرآن الكريم:
1. قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا), آثار التعبير القرآني أن يذكر حرف الجر الزائد (من) ليؤكد أنه ليس من دابة صغير ولا كبيرة حقيرة كانت أم عظيمة إلا على الله رزقها وإلا يعلم مستقرها ومستودعها.
2. قال تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا).. أخبر سبحانه وتعالى أنه لا تسقط أدنى ورقة صغير كانت أو كبيرة إلا ويعلمها ربنا ليس في هذا مجاز, بل عين الحقيقة.. لذا استخدم حرف الجر الزائد (من) في قوله: (مِن وَرَقَةٍ) ليؤكد عظم علم الله تعالى.
3. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ), هل يعلم الناس خالقاً صغيراً كان أم كبيراً عظيماً كان أم حقيراً يرزق الناس؟, طبعاً لا يوجد, من اجل ذلك آثر التعبير القرآني أن يؤكد هذه المعلومة بحرف الجر الزائد (من) في قوله: (هل من خالق).
4. قال تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ), قد استخدم التعبير القرآني حرف الجر الزائد (من) ليؤكد المعنى الذي سيقت الآية من أجله في عدة مواطن فما من آية أو جزء آية يتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من المسلمين إلا وربنا شاهد على ذلك مطلع عليه لا يخفى عليه شيء ولو يسير من هذه التلاوة كذلك ما يعمل الإنسان من عمل صغيراً كان أو كبيراً مهما كان أو حقيراً إلا كان ربنا تبارك وتعالى شاهداً عليه لا يغيب عنه دقيق الأعمال ولا كبيرها, كذلك لا يغيب عن علم الله من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فقد جاء التعبير القرآني بحرف الجر الزائد (من) في ثلاثة مواطن من الآية ليؤكد فيها المعنى المراد وهو سعة علم الله وإحاطته بكل شيء مهما كان صغيراً.
5. قال تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ), فالباء زائدة تفيد توكيد النفي.
6. قال تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ* يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ* وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ), الباء في قوله تعالى (بغائبين) حرف جر زائد لإفادة توكيد المعنى أي أن الفجار لا يغادرون الجحيم مطلقاً ولا يفارقونها أبداً.
- الحـروف -
· لما كان القرآن من عند الله العليم الخبير جاء كلامه تبارك وتعالى معجزاً في أعلى درجات البلاغة, من أجل ذلك ما من حرف في القرآن إلا وقد جاء لمغزىً بلاغي يتناسب مع المعنى العام للسورة ويؤكد و يوضح المراد من الآية ويخدم السورة.. وإليك أمثلة على ذلك..
1. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ), تختص (إذا) بدخولها على المتيقن والكثير المتكرر بخلاف (إن) فإنها تدخل على المشكوك فيه والنادر.. فأتى القرآن الخالد بلفظ (إذا) في الوضوء لتكراره وكثرة أسبابه كالوضوء لصلاة الفرض, والوضوء لصلاة السنة, والوضوء لقراءة القرآن, وللبث في المسجد, وللتبرك به فإن الوضوء سلاح المؤمن, ولذكر الله, وللآذان ولمس المصحف, وغيرها من الأسباب.. من أجل ذلك آثر القرآن لفظ (إذا) في الوضوء وأتى بـ (إن) في الجنابة لقلة وقوعها بالنسبة للحدث الأصغر.
2. قال تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ), أتى في جانب الحسنة (إذا) لأن نعم الله على عباده كثيرة و مقطوع بها: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا), وأتى بـ (إن) في جانب السيئة – أي المصيبة والبلوى – لأنها قليلة الوقوع ومشكوك فيها إذا ما قورنت بنعم الله.
3. قال تعالى: (فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ), فقد جاءت الآية في جانب الحسنة بـ (إذا) الدالة على الكثرة والتحقيق تفيد كثرة تتابع الخيرات وتواردها على هؤلاء القوم (بني إسرائيل) وفي هذا تجسيد لما هم عليه من غفلة وجحود.. أما في جانب السيئة فلقد جاءت أداة الشرط (إن) الدالة على الشك والقلة.
4. قال تعالى: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ), قال القرآن العظيم (في تسع آيات) ولم يقل (مع تسع آيات) لأن الآية تقرر أن معجزة خروج يد موسى عليه السلام بيضاء من غير سوء واحدة من الآيات التسع التي أيد الله تبارك وتعالى بها موسى عليه السلام كما قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ), فإن جعلت (مع) بدلاً من (في) كانت الآيات عشر.
5. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً), في قوله تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا), فالتعبير بـ (فيها) أبلغ من التعبير بـ(إليها) لأن (فيها) توحي بأن المهاجر في سبيل الله تكون الأرض غطاء له تحيط به فلا يراه احد من الظالمين, فاللفظ (فيها) أعطى هذا الإيحاء الجميل.
6. قال تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ), يريد السياق أن يوضح أن سفينة نوح كانت في خطر عظيم وسط هذه الأمواج المتلاطمة المرتفعة ولكن الله تعالى بقوته وقدرته نجّا نوحاً ومن معه. فانظر إلى دلالة الحرف (في) التي تدل على الظرفية أي أن سفينة نوح غطتها الأمواج من كل ناحية لكن قدرة الله تعالى هي التي نجت هذه السفينة من التحطم تحت ضربات هذه الأمواج العالية كالجبال.
7. قال تعالى: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ), لما كانت (الواو) لمطلق الجمع لا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً جاء عطف السقيا على الإطعام بالواو لأن لا فائدة من تقديم أحدهما على الآخر فلولا مراعاة حسن النظم لكان يستوي أن تقدم الإطعام أو السقيا فيقال: (والذي هو يسقين ويطعمني), لكن حسن النظم يقتضى (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) لتناسب الآيات لذا لم تستخدم الآية العطف بحرف (الفاء) التي تفيد الترتيب مع التعقيب ولم تستخدم أيضاً (ثم) التي تفيد الترتيب مع التراخي ولما كان الشفاء يعقب المرض بلا زمن خال من أحدهما استخدم حرف العطف (الفاء) التي تفيد وقوع الشفاء بعد المرض مباشرة ولأن المقام مقام مدح وثناء لله رب العالمين أثنى إبراهيم على ربه لسرعة إشفائه بعد مرضه.. ولما كانت (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي استخدمها في عطف الحياة على الموت لأن البعث يكون بعد الموت بزمن كبير فناسب أن يعطف الحياة على الموت بحرف (ثم).
8. قال تعالى: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ* ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ* ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ* ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ), لما كان تقدير الإنسان تابعاً للخلق وملازماً له عطف عليها بالفاء (من نطفة خلقه فقدره), ولما كان بين خلقه في بطن أمه وبين إخراجه منه زمناً عطف بـ (ثم) التي تفيد التراخي, وكذلك قوله (ثم أماته) لأن بين خروجه من بطن أمه وموته مدة وزمناً, ولما كان بين الإقبار بعد الموت والنشور زمناً ومدة عطف بـ (ثم), (ثم إذا شاء أنشره) أنظر إلى دقة استخدام الحروف فحقاً إن هذا القرآن معجز في بلاغته.
9. قال تعالى : (فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً* فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً), لما عطف الله تعالى بالانتباذ على الحمل دل على أنه كان مباشرة بعدما حملت توجهت مباشرة إلى مكان المخاض وهو الطلق ولما عطف المخاض على الانتباذ بالفاء دل على أن الطلق جاءها مباشرة بعد الانتباذ فدل ذلك على أن الحمل والوضع كانا في زمن يسير ولو كان لغيرها من النساء لعطف بـ (ثم) الدالة على التراخي والمهلة.. فلعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء كقولك: أعطيته فأخذ, ودعوته فأجاب.. ولا تقول: أعطيته وأخذ ولا دعوته وأجاب, كما لا يقال: كسرته وانكسر.. وعلى ذلك فإن قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ), ليس من باب أفعال المطاوعة إذ قوله (أغْفَلْنَا قَلْبَهُ), هاهنا بمعنى صادفناه غافلاً وليس بمعنى صددناه لأنه لو كان كذلك لكان معطوفاً عليه بالفاء, وقيل: (فاتبع هواه), وذلك لأنه يكون حينئذٍ فعل مطاوعة وفعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء.. لما كانت (في) تدل على الظرفية وعدم الرفعة والعلو كان الأجدر أن يقول المرء: فلان في ضلال مبين وليس على ضلال مبين.. وقد قال إخوة يوسف لأبيهم: (قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ), أي منغمس فيه قد أحاط بك من كل ناحية, وكذا يقال في ما يشابهه كقولك: فلان في ظلام دامس.. أو لقد سقط في وهرة عميقة, هو في لجة من الخزي والعار.. أما إن كان الأمر فيه رفعة وعلو فيقال: (على) كقول الله تعالى في حق المؤمنين: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ), كذلك نقول: (هو على تقوى من الله), (هو على نور من ربه), (هو على الحق المبين) ولا تقل هو في الحق أو في النور أو في التقوى لأن (في) لا تشي بالعلو والرفعة بخلاف (على) التي للاستعلاء.
10. قال تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ* وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ* وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ* وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ* وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ* وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ* وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ* وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ* وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ* وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ* وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ* وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ), استخدم القرآن الكريم كلمة (إذا) التي تفيد التحقق والتوقع واليقين لأن كل ما ذكر كائن لا محالة وحق لا ريب في وقوعه وحدوثه.
11. قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى), عبر القرآن بـ (إن) لأنها تفيد الشك والتقليل لأن الذكرى قل من ينتفع بها فكان دخول (إن) عليها دون (إذا) مناسباً.
12. قال تعالى: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً), عبر القرآن بحرف إذا الدال على اليقين لبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصر الله قادم لا ريب فيه وقد كان.. فقد جاء نصر الله وفتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً وصدق ربنا العظيم.
13. قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا), استخدم النظم القرآني الحرف (إن) التي تفيد الشك والقلة أي ما ينبغي على المؤمنين أن يقتتلوا وإن حدث ذلك فهو قليل جداً, ولم يستخدم النظم القرآني الحرف (إذا) لأن (إذا) تفيد الكثرة واليقين فتدل على أن القتال بين المؤمنين شيء معتاد وكثير.
14. قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ), استعمل (إن) هنا لتفيد الشك في صدقهم أي أنهم كاذبون وغير صادقين, والأسلوب القرآني يعرض هنا بكذبهم دون أن يصرح به ولكنه يصل إلى الغرض بطريق غير مباشر.
15. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ), عبر بـ (إن) التي تفيد عدم التحقق أي إن كانت لديكم النية مجرد النية في نصرة دين الله وليس الجزم بذلك فإن الله سينصركم لا محالة.
- المجاز المرسل -
· تعريف المجاز المرسل:
· هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولاً لعلاقة الملابسة.
· لابد وأن يقوي المجاز المرسل المعنى المطلوب وإلا لم يكن مستحسناً بل إن كل صورة الغرض منها هي تقوية المعنى المطلوب وإن لم تكن كذلك فهي عيب ووعي.
· تقوم العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي على علاقات كثيرة متنوعة من أشهرها:
1. الكلية: وهو أن يذكر الكل ويراد الجزء كقوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ), فذكر الأصابع وأريد جزءاً منها وهو الأنامل فهو مجاز مرسل علاقته الكلية.. والعلاقة هي الشيء المذكور, فلو ذكر الكل وأريد الجزء كانت العلاقة هي الكلية, وإن ذكر الجزء وأراد الكل كانت العلاقة الجزئية, وإن ذكر السبب وأراد المسبب كانت العلاقة السببية.. وهكذا ولكن يا ترى ما سر جمال المجاز المرسل في هذه الآية؟, سر جمال المجاز المرسل في هذه الآية هو إبراز مبالغة الكفار في نفورهم من سماع القرآن فكأنهم وضعوا أصابعهم كلها داخل الأذن مبالغة من الله تعالى في كراهيتهم لسماع القرآن وهي مبالغة جميلة تكشف عما في قلوب هؤلاء المنافقين من كره لسماع هذا القرآن العظيم.. من أجل ذلك عدل اللفظ القرآني من كلمة (أنامل) إلى كلمة (أصابع) طمعاً في المبالغة.
2. العلاقة الجزئية: أي يذكر الجزء ويراد الكل, ويشترط في هذا النوع من المجاز أن يكون الكل مركباً من أجزاء تركيباً حقيقياً وأن يكون الجزء المعبر به له أهمية خاصة بالنسبة للكل ومثاله في القرآن قال تعالى: (وجوه يومئذٍ ناعمة), فقد ذكر الوجه وأريد الجسد كله فهو مجاز مرسل علاقته الجزئية.. والغرض البلاغي من هذا المجاز هو.. لقد ذكر الله تعالى الوجه وأراد الجسد كله لأن الوجه هو أبرز مناطق الجسم التي يبدو عليها مظاهر النعيم ولذلك قال تعالى: (تعرف في وجوههم نضرة النعيم), ثم إن الوجه عادة وحده الذي يكون مكشوفاً وسائر أضاء الجسد مغطى بالثياب.. وقال تعالى: (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ* نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ), وهذا مجاز مرسل علاقته الجزئية حيث ذكر الجزء (ناصية) وأراد الجسد كله لأن الرأس لا يوصف بالكذب والخطأ إنما الذي يوصف بهما الإنسان كله.. الغرض البلاغي من هذا المجاز.. يرجع إلى أن الرأس هي موضع العقل الذي هو موضع الفكر والعقائد والذي يصدر الأوامر لجميع أجزاء الجسم فتستجيب له.
3. السببية: وهو التعبير بالسبب عن المسبب قال تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ* أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ), هذا مجاز مرسل علاقته السببية حيث ذكر السبب وأراد المسبب, فإن السبب هو (السمع) والمسبب هو القبول والعمل بما يسمع.. الغرض البلاغي من هذا المجاز هو المبالغة في إظهار شدة رفضهم للإيمان بالله فهم لا يستطيعون حتى مجرد السمع فما بالكم بالعمل بما فيه الكلام.
4. علاقة اعتبار ما كان: أي التعبير بالماضي عن الحاضر قال تعالى: (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ), قد عبرت الآية عمن بلغوا سن الرشد بأنهم يتامى وذلك باعتبار ما كان.. والسر في ذلك.. وكأن الآية تريد أن توصي من كانوا يتكفلون أمر اليتامى بألا ينفضوا أيديهم ويمهلوهم بمجرد أن يؤتوهم أموالهم وإنما عليهم أن يواصلوا رعايتهم وعنايتهم بهم حتى ينضجوا نضجاً حقيقياً ويكونوا على خبرة بتجارب الحياة.. وأيضاً الآية تحث الأوصياء على العطف والرحمة بهؤلاء الذين كانوا منذ قليل يتامى فلا تأخذوا من مالهم شيئاً بل ردوه كله إليهم فلفظ اليتامى هاهنا للاستعطاف.. مثال آخر: قال تعالى: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ* ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ* ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ), يلقى الكافر الجبار المتغطرس في نار جهنم و يذل بألوان العذاب و يهان ثم يقال له: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي من كنت كذلك في الدنيا, فهذا مجاز مرسل علاقته ما كان وسر جماله.. تبكيت ذلك الجبار المتغطرس والاستهزاء به وإيلامه عند تذكر ما كان عليه في الدنيا من عز وكرامة فتتملكه الحسرة.. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً), ذكرت لفظة (ويذرون أزواجاً) رغم أنها ليست زوجة بعد وفاة الزوج لأنها لو كانت زوجة لحرم عليها التزوج بعد موت الزوج ولو تزوجت لكانت قد جمعت بين زوجين ولكن الآية آثرت لفظ (أزواجاً) لحث هذه المرأة على التربص للعدة أربعة أشهر وعشرا فإنها كانت منذ وقت قصير زوجة لذلك الميت فلا يحق لها أن تنسى ذلك وتتزوج قبل مضي العدة فلفظة (أزواجا) تذكير للمرأة بزوجها السابق حتى لا تتعجل وتترك حقه في العدة والحداد عليه.
5. اعتبار ما سيكون: أي التعبير بالمستقبل عن الحاضر.. قال تعالى: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ), لقد بشر الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام بغلام ووصفه في حال البشارة بما يؤول إليه في المستقبل وهو العلم.. والسر في هذا المجاز المرسل.. لكي تتم البشارة والفرحة أي قد جمع له في البشرى بالولد وأنه سيكون عالماً.
6. العلاقة المحلية: أي يذكر المحل ويريد الحال.. قال تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ), حيث ذكر المحل (القرية) وأراد الحال (سكان القرية) ثم ذكر المحل (العير) وأراد (الحال) ركاب العير على سبيل المجاز المرسل الذي علاقته المحلية.. وسر جمال هذا المجاز المرسل الاختصار لأن العرب تجنح إلى الإيجاز وتعتبره من قمة البلاغة فما دام السياق يفهم من غير لفظة ما فالأحسن إسقاطها وعدم ذكرها ويسمى هذا الإيجاز إيجاز الحذف.
7. الحالية: حيث يذكر الحال ويريد المحل.. قال تعالى: (فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ), حيث ذكر رحمة الله وهي (الحال) وأراد الجنة وهي (المحل), فهذا مجاز مرسل علاقته الحالية ولعل سر جمال هذا المجاز أن تذكر الجنة موصوفة بهذه الصفات الجميلة المشوقة فهي بلا شك أبلغ من أن يقال: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لأنها هاهنا لم تصف بأي صفة مشوقة.
8. العلاقة مشارفة وقوعه ومقاربته: أي يذكر الفعل ويراد مشارفته ومقاربته وإرادته قال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ), أي وإذا طلقتم النساء فقاربن بلوغ الأجل فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن, فهذا مجاز مرسل علاقته مشارفة وقوع الحدث.. ولعل سر جماله الإيجاز فبدلاً من أن يقول: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ), حدث إيجاز حذف وهو نوع من البلاغة تستحسنه العرب.
- التضمين -
· هو اشراب اللفظ معنى لفظ آخر وإعطاؤه حكمة لتؤدي الكلمة معنى كلمتين.
· لا يختص التضمين بالفعل فقط بل يأتي في الاسم والحرف أيضاً.
· كل من المعنيين مقصود لذاته في التضمين.
· يجوز تضمين الفعل اللازم والمتعدي.
· فائدة التضمين الاختصار والإيجاز لأن الكلمة تؤدي معنى كلمتين.
· للتضمين قرينة تدل عليه هي تعديه الفعل بالحرف وهو يتعدي بنفسه أو تعديته بنفسه وهو يتعدي بالحرف.
· لابد من وجود مناسبة بين الفعلين في التضمين فإن لم توجد هذه المناسبة كان التضمين باطلاً.
· التضمين قياس بشروط ثلاثة..
1. تحقيق المناسبة بين الفعلين.
2. وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر ويؤمن معها اللبس.
3. ملائمة التضمين للذوق العربي.
· يضمن الفعل معنى فعل آخر فيكون فيه معنى الفعلين معاً وذلك بأن يأتي الفعل متعدياً بحرف ليس من عادته التعدي به فيحتاج إلى تأويله أو تأويل الحرف ليصبح التعدي به والأول تضمين الفعل والثاني تضمين الحرف.
· أمثلة على التضمين..
· قال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً*عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً). [الإنسان: 5 – 6 [, فقد ضمن الفعل يشرب معنى يتلذذ وذلك لأن يشرب لا يتعدى بالباء فإن العين لا يشرب بها إنما يشرب منها فكان حق الفعل يشرب أن يتعدى بالحرف من فيقال يشرب منها عباد الله ولكن الفعل يشرب تضمن وأشرب معنى الفعل يتلذذ والفعل يتلذذ يتعدى بالباء فيقال فلان يتلذذ بكذا.. لذا أصبح معنى الآية: عيناً يشرب متلذذين بها عباد الله.. فهذا التضمين قد أفاد معنى جميلاً أن عباد الله يشربون من عين فى الجنة وهم متلذذين بهذا الشراب مسرورين به ولو كانت الآية: عيناً يشرب منها عباد الله لما كان فيها هذا المعنى الجميل.
· ومنه قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ), الأصل أن يتعدى الفعل (سأل) بالحرف (عن) فيقال سأل: (سائل عن عذابٍ واقع), ولكن فعل (سأل), ضمن معنى (استعجل) ، فالفعل (استعجل), يتعدى بالباء كما قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ), وكأن الآية: استعجل سائل بعذاب واقع أو سأل مستعجلاً بعذابٍ واقع، فبين التضمين أن هذا السائل مستهزئ فى سؤاله و كأنه يقول: إن كان هناك عذاب كما زعمت فأتنا به، كما قالوا (و قالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب).
· و منه قوله تعالى: (لِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ), فإن الفعل (تكبروا) تضمن معنى (الحمد)، أي لتكبروا الله حامدين على ما آتاكم.
· و منه قوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ), الأصل أن يتعدى الفعل بالحرف (مع) فيقال (ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم)، لكن الفعل (تأكلوا) ضمن معنى الضم، أي (ولا تأكلوا أموالهم ضامينها إلى أموالكم)، أو (ولا تضموها آكلين).
· و منه قوله تعالى: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ), الأصل أن يقال: (من أنصاري مع الله), لكن المعنى: من ينضاف في نصري إلى الله.
· و منه قوله تعالى: (فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى), أي: هل أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى، والأصل: هل لك فى أن تزكى فضمن معنى أدعوك.
· ومنه قوله تعالى: (وتفعلوا من خيرٍ فلن تكفروه), أي: فلن تحرموه.
· و منه قوله تعالى: (وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ), الفعل (عزم) يتعدى بالحرف (على)، تقول (عزم فلان على فعل كذا), فلما تعدى (عزم) بنفسه فى الآية دل على أن هناك تضمين فقد ضمن الفعل (تعزموا) تنووا لأن الفعل (نوى) يتعدى بنفسه نقول (نوى فلان خيراً), وأصبح معنى الآية: (و لا تعزموا ناوين عقدة النكاح).
· و منه قوله تعالى: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى), فالفعل (يسمعون) يتعدى بنفسه، نقول: (فلان يسمع كذا) فلما عدى بالحرف (إلى) فى الآية دل على أن هناك تضميناً فقد ضمن الفعل (يسمعون) معنى الفعل (يصفون), فأصبح المعنى: لا يسمعون مصغين إلى الملأ الأعلى.
· و منه: (سمع الله لمن حمده), فقد ضمن الفعل (سمع) معنى الفعل (إستجاب)، فأصبح المعنى: سمع الله مجيباً لمن حمده, و ذلك لأن الفعل سمع يتعدى بنفسه نقول: (سمع فلان كلام فلان، وسمع فلان صوتاً عجيباً), فلما تعدى فى تلك الجملة باللام دل على أن في الكلام تضميناً.
· و منه قوله تعالى: (وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ), فالفعل يعلم يتعدى بنفسه، نقول (يعلم فلان كذا), فلما تعدى فى الآية بحرف الجر (من) علم أن في الآية تضميناً فقد ضمن الفعل (يعلم) معنى (يميز) فأصبح معنى الآية: (والله يعلم مميزاً المصلح من المفسد).
· و منه قوله تعالى: (حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق), فقد ضمن الفعل (حقيق) معنى الفعل (حريص)، فإن الفعل (حقيق) يتعدى بالباء لا بـ (على) نقول (فلان حقيق بالمكافأة) إنما الذي يتعدى بـ (على) هو حريص، نقول: (حريص على فعل كذا) ، لذا كان فى الآية تضمين فقد ضمن الفعل (حقيق) معنى الفعل (حريص) وأصبح معنى الآية: (حقيق وحريص على ألا أقول على الله إلا الحق), أي أنا محقوق بقول الحق وحريص عليه أيضاً.
· و منه قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ), فالرفث لا يتعدى بـ (إلى) إنما يتعدى بالباء فاصل الكلام: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث بنسائكم), و لكن عدل عن هذا إلى التعدي بـ (على) فدل ذلك على أن فى الآية تضمينا فقد ضمن الاسم (الرفث) معنى الإفضاء، فيصبح معنى الآية: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث والإفضاء إلى نسائكم).
عودة الى دراسات أدبية ونقد
|