|
البلاغة في القرآن.. الجزء الثاني. - التوكيد -
· يحتاج الإنسان أحياناً إلى أن يؤكد كلامه ويبين شدة عزمه على أمر ما وأحياناً أخرى لا يحتاج المتكلم إلى توكيد كلامه, فيا ترى متى يحتاج المتكلم إلى توكيد كلامه؟, ومتى لا يحتاج إلى ذلك؟.
· يأتي الكلام خالياً من التوكيد إذا كان المخاطب خالي الذهن لا هوشاك ولا مكذب فهو غني عن أن يؤكد له الكلام لأنه متقبل ما يقال له.
· أما إذا كان المخاطب شاكاً متردداً أو سائلاً – لأن السائل متردد – حسن أن يؤكد الكلام بمؤكد واحد.
· وإذا كان المخاطب منكراً مكذباً للحديث احتاج أكثر من مؤكد.. وإذا كان الأمر هاماً في نفس المتكلم وأراد إشعار الآخرين بأهمية هذا الأمر أكد كلامه ليبين للسامعين شدة عزمه على المعنى في هذا الأمر أو ليبين لهم أهمية هذا النوع ليستعدوا له أحسن استعداد وليأخذوا الأمر على محمل الجد.
· من أمثلة القرآن الكريم في الكلام الغير مؤكد..
· قوله تعالى: (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ), لما كان المؤمنون مصدقين لربهم غير شاكين في كلامه جاء الكلام خالياً من أي مؤكد.. كذلك لما كان الأمر واضحاً وضوح الشمس أن السماوات والأرض ملك لله تعالى لأنه لم يدع أي أحد سوى الله ملكيتهما ولا يستطيع أحد أن يدعى ذلك وإلا وصم بالجنون, لم يحتج الكلام إلى توكيد.
· ومنه قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ), فهل هناك أحد ادعى أنه خلق أي دابة؟, طبعاً لا لذا هذا الأمر مسلم به من الجميع فلم يحتج هذا الكلام إلى توكيد وكأن الآية تقول ما ينبغي لأحد أن ينكر ذلك لوضوحه.
· ومنه قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً), فهل هناك أحد يستطيع أن ينكر ذلك؟, طبعاً لا فهذا أمر ملموس مشاهد مسلم به من الجميع لذا لم تحتج الآية إلى توكيد.
· من أمثلة القرآن الكريم على الكلام الذي يحتاج إلى مؤكد واحد لأن المخاطب شاك أو متردد أو أن الكلام جواب سؤال..
· قال تعالى: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ), لما كانت قلوب المؤمنين طيبة طاهرة ويظنون بالناس ظناً حسناً وقد أخبرهم الإسلام أن لهم الظاهر والله يتولى السرائر, والمنافقون يعلمون ذلك منهم لم يؤكدوا كلامهم للمؤمنين: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا) فخرج كلامهم خالياً من أي توكيد ارتكانا إلى أن قلوب المؤمنين طيبة طاهرة مصدقة تظن بالناس ظناً حسناً لكن لما وجهوا كلامهم إلى الكافرين وهم يعلمون خبث قلوب الكافرين وأنهم لا يظنون بالناس ظناً حسناً بل على العكس من ذلك وخاصة أن الكافرين يشاهدون المنافقين وهم يذهبون إلى المسلمين ويجالسونهم ويتحدثون معهم وَلَّدَ ذلك عندهم نوعاً من الشك من المنافقين فاضطر المنافقون من أجل ذلك أن يؤكدوا كلامهم (إنا معكم) حيث استخدموا حرف (إن) الذي يفيد التوكيد وقالوا: (إنما نحن مستهزئون) حيث أكدوا كلامهم بـ (إنما), ومن أمثلة القرآن الكريم على الكلام المؤكد بأكثر من مؤكد لكون المخاطب منكراً.
· قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ* إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ* قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ* قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ), ففي هذه الآيات نجد إعلان الرسل لأصحاب القرية عن رسالتهم إليهم قد تكرر مرتين: جاء الأسلوب في أولاهما مؤكداً بأن (إنا إليكم مرسلون) وجاء في الثانية مشفعاً بأكثر من مؤكد (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) حيث نجد من وسائل التوكيد: القسم في صدر الجملة, وإن واللام, هذا فضلاً عن كون هذه الجملة تكراراً للجملة السابقة والتكرار توكيد لفظي ثم أن الجملة اسمية والجملة الاسمية تفيد الثبات والتوكيد, فأهل القرية هنا خوطبوا بأسلوبين فلقد جاء الأسلوب الأول مؤكداً بـ (أن) لأنهم لم يؤمنوا بالرسولين (فكذبوهما), أما الأسلوب الثاني فقد كثرت فيه المؤكدات لأن درجة التكذيب والإنكار كانت قد تصاعدت حتى بلغت ذروتها لديهم وهذا ما يتمثل في ردهم على الرسل بأساليب القصر المؤكدة قائلين (ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون).
· ومنه قوله تعالى: (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ* قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ* قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَّخَاسِرُونَ), لما علم إخوة يوسف أن أباهم يحب أخوهم يوسف حباً جماً ولا يقوى على فراقه وأنه حريص على إبقائه معه ويخاف عليه خوفاً شديداً قالوا (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) فاستخدموا حرف (إن) الذي يفيد التوكيد كذلك استخدموا حرف (اللام) الدال على التوكيد, كل ذلك لكي يقنعوا أباهم بفكرة إرسال يوسف معهم, وكذلك لأنهم عازمون على السوء به فهم في فزع وخوف من أن يكشف أبوهم أمرهم لذا استرسلوا في حروف التوكيد حتى يحدث اطمئنان لأبيهم (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) حيث أكدوا كلامهم بمؤكدين (إن) و (اللام) علاوة على أن الجملة الاسمية تفيد التوكيد (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي) أنظر إلى الحب الشديد الموجود في قلب يعقوب عليه السلام لابنه يوسف فقد أكد كلامه بمؤكدين (إن) و (اللام) ليثبت مدى حزنه على ابنه إذا غاب عنه, وانظر إلى التأكيدات التي قالها إخوة يوسف لأبيهم لكي يقنعوه بإرسال يوسف عليه السلام معهم (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَّخَاسِرُونَ) حيث أكدوا كلامهم بـ (إن) و (اللام) والجملة الاسمية.
· جاء الكندي الفيلسوف يوماً يقول: إني أجد في كلام العرب حشواً: يقولون عبد الله قائم, إن عبد الله قائم, وإن عبد الله لقائم, والمعنى واحد, فقال أبو العباس المبرد: بل المعاني مختلفة, ( فعبد الله قائم ) أخبار عن قيامه, و (إن عبد الله قائم) جواب هن سؤال سائل و(إن عبد الله لقائم) جواب عن إنكار منكر.. قد ينزل المصدق منزلة الشاك لعلة بلاغية كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا), لما كان معظم الناس مقصرين في تزكية النفوس أنزلوا منزلة الشاك في هذا الأمر لأن لسان حالهم يقول إنهم شاكون في أهمية تزكية النفس لأنهم لو كانوا على يقين من ذلك لسعوا في تزكية نفوسهم مسعياً حثيثاً.
· ومنه قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ), فقد أكد إثبات الموت بمؤكدين وإن كان مما لا ينكر لتنزيل المخاطبين فنزله المنكرين للموت وذلك لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل الصالح وكأن لسان حالهم منكرين.
· هناك توكيد للتفخيم والتعظيم كقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ), فإن التوكيد في الآية (إن) للدلالة على تعظيم خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذا الخلق خلق سامٍ رفيع قد أدبه ربه فأحسن تأديبه.
· ومنه قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ), أي لقد علموا علم اليقين أن من اتصف بهذا الخلق الذميم وهذا الفعل الشنيع وهو السحر وتعلمه أنه ليس له نصيب من الخير يوم القيامة.
· ومنه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ), فالتوكيد هاهنا لتفخيم التهديد وتعظيمه لإظهار غضب الله على هذا الذي هذا الفعل الشنيع.
· قد ينزل المنكر منزلة غير المنكر وذلك للإيحاء بأن إنكاره لا قيمة له ولا اعتداد به ومنه قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ), فنفي الريب من كتاب الله أمر ينكره كثير من المعاندين ولكن القرآن ساق هذا الخبر خالياً من أدوات التوكيد للإشعار بأنه من الحقائق الواضحة التي يعتبر الإنكار لها ضرباً من السفه والوهم الذي لا يعبأ به.
· التوكيد لا ينفي المجاز..
· قد يقول الإنسان: جاء الأمير ويقصد به نائب الأمير فهذا أمر معروف وشهور أنه استخدم المجاز في كلامه, لكن لو أكد الكلام وقال: لقد جاء الأمير نفسه, لم يجز له أن يكون مستخدماً للمجاز ويقصد بالأمير نائب الأمير لأنه لو أراد المجاز لما أكد كلامه, إذن إذا أكد كلامه لزم أن يكون الكلام على الحقيقة لا المجاز.
· وقد قال الله تعالى: (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً), فكلمة (تكليما) مفعول مطلق يفيد التوكيد, والتوكيد ينفي المجاز لذا لا يجوز أن يقال هنا إن (كلم) بمعنى أوحى أو ألهم كما تقول المعتزلة لأن الكلام قد أكد بالمصدر والكلام المؤكد لابد وأن يحمل على الحقيقة لأنه لو أراد المجاز لما أكده.
· قال تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ), فإن هؤلاء القوم الذين يناجون ربهم ويدعونه تضرعاً وخفية لم يخاطبوا به منكراً بل استخدموا التوكيد (إن) ليحققوا به تضرعهم إلى الله وأنهم قد آمنوا عن طمأنينة قلب وثبات قدم فكأنهم يقولون (ربنا إننا آمنا إيماناً صادقاً فاغفر لنا).
· قال تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ), لما قال الله تعالى لنوح عليه السلام: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا), صار نوح في مقام التلهف والترقب لمصير هؤلاء الظالمين وكأنه قد سأل ربه وما مصير هؤلاء الظالمين يا رب العالمين فقيل له (إنهم مغرقون) فأكد بـ (أن) لأن السائل متردد متحير.
- ضمير الفصل -
· ضمير الفص يسمى بذلك لأنه يفصل في الأمر حين الشك واختفاء القرينة فيرفع الإبهام بسبب دلالته على أن الاسم بعده هو الخبر لما قبله من مبتدأ أو ما أصله المبتدأ وليس صفة ولا بدلاً ولا غيرهما من التوابع والمكملات التي ليست أصيلة في المعنى الأساسي.
· مثال: الشجاع الناطق بالحق يبغى رضا الله.. ممكن أن يفهم هذا المثال على أن جملة: الشجاع يبغى رضا الله فيكون الشجاع مبتدأ وجملة (يبغى رضا الله) هي الخبر, أما جملة (الناطق بالحق) فهي صفة للمبتدأ (الشجاع). وممكن أن تفهم هذا المثال على أن المبتدأ هو(الشجاع) والخبر هو (الناطق بالحق) وجملة (يبغى رضا الله) صفة فتكون كلمة (الناطق) هي الأساسية التي يتوقف عليها المعنى المطلوب لأنها خبر لا يستقيم المعنى الأصلي بدونه وما بعدها فهو زيادة تكميلية تخدم المعنى الأصلي من غير أن يتوقف وجوده عليها.. الأمران جائزان ولا سبيل لتفضيل أحدهما على الآخر لعدم وجود قرينة لكن إذا قلنا: (الشجاع هو الناطق بالحق يبغى رضا الله), فيتعين أن الناطق بالحق هو الخبر لا صفة.. ضمير الفصل يفيد معنى الحصر والتخصيص أي القصر المعروف في البلاغة.
· شروط ضمير الفصل..
1. أن يكون أحد ضمائر الرفع المنفصلة: (أنا, نحن, أنتَ, أنتِ, أنتما, أنتم, أنتن, هو، هي, هما, هم, هن).
2. أن يكون مطابقاً للاسم السابق في المعنى والتكلم والخطاب والغيبة, وفي الإفراد والتثنية والجمع, وفي التذكير والتأنيث.. ويشترط في الاسم الذي قبله:
1. أن يكون معرفة.
2. أن يكون مبتدأ أو ما أصله المبتدأ كاسم كان وأخواتها واسم إن وأخواتها ومعمول (ظن) وأخواتها.. ويشترط في الاسم الذي بعده..
1. أن يكون خبراً لمبتدأ أو ما أصله المبتدأ.
2. أن يكون معرفة أو ما يقاربها في التعريف وهو أفعل التفضيل المجرد من (الـ ) والإضافة.
· أمثلة:
· العالم هو العامل بعلمه ينفع نفسه وغيره النبيل هو أسرع من غيره لداعي المروءة, يلبي من ينادي.
· إعراب ضمير الفصل..
· لك في إعرابه طريقان, الإعراب الأول: محمد هو الكريم, (محمد) مبتدأ و (هو) ضمير فصل لا محل له من الإعراب و (الكريم) خبر.
· الإعراب الثاني: (محمد) مبتدأ و (هو) مبتدأ ثان و (الكريم) خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
· أمثلة من كتاب الله..
1. قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ), أي أصحاب الجنة هم وحدهم الفائزون فإن ضمير الفصل ذكر لبين عدم الاستواء بين أصحاب النار وأصحاب الجنة وذلك لا يحسن إلا بأن يكون للاختصاص والقصر أي يقصر الفوز على أصحاب الجنة دون سواهم.
2. قال تعالى على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ), أي كنتَ أنتَ وحدك الرقيب عليهم.
3. قال تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى* وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا* وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى* مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى* وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى* وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى* وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى* وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى), فقد أتى بضمير الفصل في كل موضع ادُّعِىَ فيه نسبة ذلك المعنى لغير الله ولم يؤت به حيث لم يدع, فلم يؤت بضمير الفصل في (وأنه خلق الزوجين), (وأن عليه النشأة الأخرى), (وأنه أهلك عاداً الأولى), لأن ذلك لم يدع لغير الله وأتى بضمير الفصل في الباقي لادعائه لغير الله.. فكأنه قال (وأنه هو وحده أضحك وأبكى وأنه هو وحده أمات وأحيا وأنه هو وحده لا غيره أغنى وأقنى وأنه هو وحده لا غيره رب الشعرى), أما خلق الزوجين فلم يزعم أحد مطلقاً أنه فعله لذا لم يحتج إلى ضمير الفصل.
4. قال تعالى: (فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيّ), أي لا غيره.
5. قال تعالى في صفة المؤمنين: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ), أي هم المفلحون وحدهم لا غيرهم.. قال تعالى: (إن هذا لهو القصص الحق), أي: إن هذا لهو وحده القصص الحق وما عداه باطل وهذه مبالغة محمودة لتوكيد المعنى وكأنه لا قصص حق إلا قصص القرآن.
6. قال تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ), أي: إن مبغضك يا رسول الله هو وحده المقطوع عن الخير.. فقد قال بعض مشركي العرب أن محمداً لم ينجب أولاداً يحملون اسمه بعده فهو أبتر ما أن يموت حتى ينقطع ذكره فرد الله عليهم عيبهم ووسمهم هم وحدهم بهذا العيب أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أعلى الله ذكره في الدنيا والآخرة.
7. قال تعالى: (وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ), أي: وإن الله لهو وحده لا غيره العزيز الحكيم فكل عزة لبشر فهي من عند الله (فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
8. قال تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ* لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ* وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ), أي: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم وحدهم الظالمين لا غيرهم أي فلم يظلمهم ربهم بل ظلموا أنفسهم.
9. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ), توسط ضمير الفصل بين المبتدأ (أولئك) والخبر (شر) لإفادة الحصر أي هم وحدهم شر الخليقة لا غيرهم.
10. قال تعالى: (قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ), فإن إرادة السحرة الإلقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك لما عدلوا عن مقابلة خطابهم موسى بمثله إلى توكيد ما هولهم بضمير الفصل (نحن) دل ذلك على أنهم يريدون التقدم عليه والإلقاء قبله, لأن من شأن مقابلة خطابهم موسى بمثله أن كان قالوا: (إما أن تلقي وإما أن نلقي), لتكون الجملتان متقابلتين فحيث قالوا عن أنفسهم (وإما أن نكون نحن الملقين), استدل بهذا القول على رغبتهم في الإلقاء قبله.
11. قال تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى* قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى), فقد جاء التعبير القرآني بضمير الفصل (أنت) أي أنت وحدك الأعلى لا هم فهذا أنفي للخوف عن قلب موسى وأثبت في نفسه للغلبة والقهر.
12. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ), أي إنك أنت وحدك لا غيرك علام الغيوب ذلك لأن النصارى – لعنهم الله – ادَّعوا أن عيسى إله يعلم الغيب فأراد عيسى عليه السلام أن يوضح أن الله وحده هو الإله الأعظم الذي يعلم وحده الغيب ولا يعلمه سواه.
13. قال تعالى: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا), فقد أتى بضمير الفصل (هي) أي وكلمة الله وحدها هي العليا دون غيرها من الكلمات.
عودة الى دراسات أدبية ونقد
|