|
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته, وتحية طيبة لابنتي الحبيبة, وبعد, "التحرش" الجنسي بالأطفال من القضايا التي تؤرق العالم أجمع, بل ويعد "التحرش" من أخطر القضايا الاجتماعية التي عادة ما تحاول الأسرة التكتم عليها خوفا ً من الفضيحة العائلية الناجمة عنها.
و"التحرش" جريمة اغتصاب لعالم البراءة الطفولي, ورغم أن وقع كلمة "التحرش" ثقيل جدا ً على الآذان, حتى أن كثير من الآباء يستبعد حدوثها لأطفاله, إلا أن أطفالنا في حاجة إلى التوعية والمتابعة في جو أسري حميم, حتى لا يخاف أطفالنا من ردود أفعالنا إذا ما صارحونا بما هو غريب وغير طبيعي من الأحداث التي تحدث لهم في غفلة منا.
وأيضا يحتاج أبناؤنا للتوعية حتى نؤمنهم من الوقوع فريسة لتلك الجريمة البشعة التي تسرق منهم طفولتهم, وعادة ما تؤدي بهم إلى سلوكيات مريضة فتظهر لديهم العديد من الاضطرابات النفسية.
كأن ينعزل الطفل عمن حوله, وقد يعانى من الشرود أثناء يقظته, وتهاجمه الكوابيس في نومه مما يؤدى في الغالب إلى تدهور حالته الصحية والنفسية والدراسية أيضا ً, ويعانى من الاضطراب في النوم، والكوابيس، والاستيقاظ فزعا ً.
وفى الغالب تستفحل هذه الحالة مع الطفل وتصاحبه مدى حياته إن لم يتم معالجة الأمر بأسلوب علمي وتربوي.
الابنة الغالية:
تعجبت كثيرا ً عند قراءتي لرسالتك, فأنت المجني عليها, وأنت من في حاجة إلى من يهدهد عليك عندما حدث لكِ ما حدث, ولكن لجهل والدتك بكيفية معالجة هذه المشكلة كنت أنت المتهمة والمنبوذة.
قد ألتمس بعض العذر لوالدتك وذلك لهول فجيعتها فيما حدث, مما جعلها لا تحسن معالجة الأمر معك ومع أخيكِ, ولكن هذا الأمر لا يمنحك الحق في قولك "من وقتها وأنا أكره أمي".
إن أمهاتنا هن من وصى عليهن رسول البشرية في الحديث عندما سئل عن أحق الناس بصحابة الإنسان فقال: "أمك, ثم أمك, ثم أمك, ثم أباك".
وأيضا قال الحق في كتابه العزيز: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً",. حتى آخر الآية التي نحفظها جميع عن ظهر قلب, كما قال سبحانه وتعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً".
فجعل سبحانه الإحسان للوالدين بعد عبادته مباشرة.
قد تتساءلين: لماذا أوصيك بحب أمك وطاعتها, وأنت في هذه الحال التي لا تحسدي عليها؟!!!
ولكنني أود أن أفتح لكي بابا يصل بك إلى رضا الله سبحانه وتعالى, والذي من خلاله تحصلين على كل ما تتمنينه في حياتك, لتخرجي مما أنت فيه من هم وغم بإذن الله تعالى.
الابنة الغالية:
إن ما تشكين منه من العصبية وعدم الثقة بالنفس وميلك للوحدة هو نتيجة طبيعية لما صادفت في طفولتك, فإن التجربة التي مررت بها قد اختزنت بداخلك, ولوم والدتك لك ِ جعلك دائمة الإحساس بالخطأ.
كما أن ما حدث لكِ أيضا جعلك تتوقعين دائما ً تكرار حدوثه, وقد يكون هذا من نسج خيالك أنت فقط, فإنه من المستحيل أن يفكر الخال أو العم في ابنة الأخ أو ابنة الأخت من هذه الزاوية, إلا إذا كان حظك العاثر في خال أو عم مريض, ويحتاج هو الآخر لمن يساعده على علاج حالته الوضيعة, أو إلى عقابه أشد العقوبة لما يرتكبه من جرم, قد لا يكون في حقك أنت فقط, ولكن في حق أي بنت تقابله غيرك.
المهم خلينا في حالتك أنت, فأنت تحتاجين لعدة مراحل لكي تساعدك على المرور من هذه الأزمة على خير بإذن الله:-
أولا ً: يجب أن تواجهي نفسك بصراحة, هل كان الخطأ مشترك بينك وبين أخيك؟!!.
أم أنه كان منه وحده؟!!
لقد تكرر هذا الأمر مع شقيقك ومع خالك وعمك يدل على شيء خاطئ فيك أنت, ويدل على خلل موجود في شخصيتك, فلا يمكن أن يكون هؤلاء جميعا ً عندهم نفس الخلل, ولديهم نفس الجرأة.
إذ أنه لا يجرؤ أحد من المحارم على فعل هذا الأمر دون أن يجد قبولا ً أو رغبة خفية عند الطرف الآخر.
إذا كان كذلك, فالتمسي العذر لوالدتك في غضبها عليك, وحاولي التقرب لله سبحانه وتعالى وكسب رضا أمك مرة أخرى, وكوني صبورة حتى تحصلي على ما ترغبين, وكما يقولون "الصبر مفتاح الفرج".
ثانيا ً: حاولي استرداد ثقتك بنفسك حتى تستطيعين التمتع بالحياة بصورة طبيعية في هذه المرحلة العمرية التي تعيشينها, والتي يجب أن تكون مفعمة بالأمل, ويساعدك على ذلك أداء الصلاة.
فالصلاة هي "صلة العبد بربه", وما أحوجك لتوطيد تلك الصلة الآن, وكذلك كثرة الاستغفار, وقراءة القرآن "أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ".
حاولي عدم الخلوة مع الجنس الآخر, حتى لا يطمع فيك من في قلبه مرض, وحتى لا تستعيدين ما حدث إلى مخيلتك مرة أخرى فيعكر عليك صفوك, كلما هاجمتك ذكرياتك المؤلمة لوذي بالفرار إلى الله, علك تجدي السكينة مرة أخرى.
ما أطالبك به من سلوك ليس باليسير, ولكنه يحتاج منك إلى قوة الإرادة التي أنا على يقين من أنك سوف تحصلين عليها من فرارك إلى الله دائما ً.
أما إذا لا قدر الله لم تنجحي فيما اتفقنا عليه, فحاولي اللجوء إلى طبيبة نفسية لتساعدك على إنجاز ما لم تستطيعي إنجازه بمفردك, مع العلم أن احتياجك لطبيبة نفسية ليس عيبا ً ولا عارا ً, فنحن جميعا دائما ما نحتاج لمن نأتمنه ونتحدث معه لنرفع عن كاهلنا أعباء قد تسبب لنا الانفجار إذا ما احتفظنا بها مع أنفسنا.
وكما يرتاح الإنسان عندما يبوح لغيره من الثقات بما تعتمل به نفسه من مشاعر وأحاسيس سواء كان راضيا عن تلك الشاعر أو غير راضى, كما أن العلاج الطبي النفسي قد تطور كثيرا ً جدا ً وحقق نتائج مذهلة في علاج مثل هذه الأمراض.
وأخيرا ً ابنتي الحبيبة:
أدعو الله العلى القدير أن تتغلبي على ما تعانين من آلام أنت وجميع المسلمين, كما أدعو الله أن يحفظ المسلمين والمسلمات من الوقوع فيما يغضب الله سبحانه وتعالى , اللهم آمين ولا يفوتني أن التمس من الآباء والأمهات بحسن مصاحبة الأبناء, وإيجاد علاقة أسرية حميمة تجعل من أبنائنا أصدقاء لنا, لا يهابون مصارحتنا بما تعتمل به نفوسهم, أو ما يصادفهم ويترك عندهم علامات استفهام تحتاج إلى تفسير, وليجد أبناؤنا ما يريدون من إجابات عند الآباء والأمهات, أفضل من أي مصدر آخر يصل بهم إلى مالا تحمد عقباه. |