| الإجابة: | الأب الفاضل الكريم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد,, مرحباً بحضرتك ضيفاً عزيزاً كريماً علي موقع الجماعة الإسلامية, وكم يؤلمني ويؤسفني ما أسمعه من حضرتك, وأسأل الله أن يوفقنا وإياك للوصول إلي الحل الأمثل لهذه المشكلة, أو قل لهذه الظاهرة التي انتشرت بصورة مفزعة بين كثير من الآباء والأبناء.
أولاً: توصيف المشكلة:
الآباء من جانبهم يشعرون بنفور الأبناء, وتعاملهم بنوع من الندية مع آبائهم, وعدم توقير الابن لأبيه التوقير اللائق, ولم يعد الابن طيّعاً ليّناً في تعامله مع أبيه, بل أصبح لدى الابن نزعة استقلالية, ويرفض توجيهات والديه, وكثيراً ما يحتد ويعلو صوته في حواره مع أبيه وأمه.
الأبناء من جانبهم يعتبرون الآباء من زمن غير زمانهم, وتفكيرهم لا يصلح إلا لأجيالهم فقط " دقة قديمة", وأن الآباء عقبة تحول دون انطلاق الابن, وأن الآباء لن يستطيعوا تفهم ومواكبة الحداثة والمستجدات ولغة العصر, ولابد للشاب من التحرر من تلك العادات والتقاليد القديمة لكي ينطلق, أو كما يقولون "لن أعيش في جلباب أبي"
ثانياً: أسباب المشكلة:
تتشابك الأسباب ما بين:
- أسباب تربوية.
- وأسباب تعليمية.
- وأسباب بيئية.
- وأسباب ثقافية
أما الأسباب التربوية:
فتتلخص في التقصير الشديد والقصور في تربية الآباء لأبنائهم, وأقصد بالتقصير هنا هو تراخي الآباء في تربية أبنائهم الناتج من عدم إعطاء عملية التربية الأولوية القصوى في اهتمامات الأسرة, كما كان يحدث قبل ذلك.
أما القصور فأعني به عدم وجود الوقت الكافي للتربية الناتج من انشغال الآباء في العمل لوقت طويل.
فأصبح الأب مضطراً للعمل في أكثر من عمل لمواجهة تكاليف الحياة المتزايدة من إيجار المنزل, إلي الدروس الخصوصية, إلي نفقات العلاج, إلي ارتفاع جنوني في الأسعار, وهكذا لم تعد التربية كما يجب أن تكون.
أما الأسباب التعليمية:
فأعني بها دور المدرسة في التربية, فقد كانت المدرسة قبل ذلك تشارك الأسرة في تربية النشء, بل أزعم أن المدرسة كانت صاحبة الدور الأهم في تقويم سلوك الأبناء وتصويب أخطائهم.
أما الآن فمع تزاحم الفصول الدراسية وتدني مستوى التعليم, فقدت المدرسة دورها في تربية النشء, وفقد المعلم دوره كقدوة لأبنائه الطلبة, كما فقد هيبته كمعلم للأجيال, فضاع دوره كمربي يشارك الأسرة في عملية التربية, بعد أن أصبح يستجدي الدروس الخصوصية من الطلبة, لأن راتبه أصبح لا يكفل له الحياة الكريمة التي تليق به كمعلم وكمربي لقادة المستقبل.
أما الأسباب البيئية:
فلا يخفى على ذي عينين كم تؤثر "الأخلاق الجمعية" في الأجيال الجديدة, فمن التزاحم في وسائل المواصلات, إلي التقاتل علي لقمة العيش, ومن الفساد والاختلاسات والسرقة, إلي الرشوة والمحسوبية والبطالة.
هذا بالإضافة إلي ارتفاع معدلات الجريمة, فضلاً عن لغة التخاطب القميئة التي سرت بين الشباب سريان النار في الهشيم, ناهيك عن الألفاظ والمصطلحات البذيئة التي أصبحت متداولة بين الشباب بلا أدنى خجل أو حياء.
أما الأسباب الثقافية:
فهي ما تغرسه وسائل الأعلام والثقافة في النشء منذ نعومة أظفارهم من خلال الدراما والبرامج والأغاني الهابطة المسفة.
وعلي سبيل المثال سمعت أحد أساتذة علم الاجتماع في برنامج تلفزيوني يناقش قضية ارتفاع معدل العنف في المدارس فقال: " إن الشاب الذي يبلغ من العمر عشرين سنة يكون قد شاهد من خلال الدراما حوالي ثمانية عشرة ألف حالة اغتيال أو قتل في الأفلام والمسلسلات".
وعلي سبيل المثال أيضاً, وفي برنامج تلفزيوني أسبوعي يستضيف أسبوعيا ضيفاً يلقب بـ (الدكتور الفنان,.), وكان البرنامج يقدم هذا الدكتور كنموذج للنجاح, سمعته يقول: "أنا سر نجاحي في حياتي, هو أني استطعت أن أتخلص من قيود كثيرة في حياتي, وكان أهم قيد تخلصت منه هو قيد والدي".
وللأسف هذا هو مفهوم الحرية عنده, بل وسر نجاحه هو التخلص من قيد الأب, فتأمل الأفكار التي يبثونها لأبنائنا, وأحب أن أشير أيضا ً ولو بشكل سريع عن الاستخدام السيئ للتكنولوجيا الحديثة من أجهزة المحمول والكومبيوتر والإنترنت.
فكثير من الشباب يستخدم هذه التكنولوجيا أسوأ استخدام, فأصبحت وسيلة لسماع الأغاني الرخيصة ومقاطع الفيديو المنحطة والاتصالات المشبوهة بين الشباب من الجنسين.
ثالثاً:
وبناءً علي ما سبق أستطيع أن أقول لحضرتك, ولكل أب يرى هذا النفور وهذه الجفوة وانعدام الحوار بينه وبين أولاده, أن ما تراه ليس هو المرض الحقيقي, ولكنه " أعراض المرض" .
إنما المرض الحقيقي هو " تدمير منظومة القيم " لدى الشباب من جراء هذا التردي التربوي والانحطاط الأخلاقي والفساد المجتمعي الناتج عن الأسباب التي ذكرناها آنفاً .
وأزعم أن كل هذه العوامل مجتمعة أدت في مجملها إلي هذه الظاهرة التي تراها عند الكثير من الشباب الذين هم حاضر هذه الأمة ومستقبلها, بل وحماتها ومصدر قوتها.
رابعاً: ما هو الحل؟:
بدايةً, والحق أقول أن هذا الشباب مظلوم, بل لقد ظلم شباب هذه الأمة ظلماً بيناً, فقد وقع فريسة سهلة لهذه المؤثرات المدمرة التي ذكرناها, ولم يجد هذا الشباب من يوجهه التوجيه الصحيح ويأخذ بيده إلي الطريق المستقيم.
والحق أقول أيضاً, إنك لو نظرت بعمق إلي هؤلاء الشباب لوجدت أن معدنهم نقي وفطرتهم طيبة, ولو درست شخصية هذا الشباب لوجدت أنهم يحملون قلوباً رقيقة, وعقولاً ذكية, وأنفساً زكية.
لكن للأسف لوثتها هذه المؤثرات الغريبة فرانت علي قلوبهم, حتى أصبح الشاب لا يرى لنفسه إلا حاضرا ً محبطاً, ومستقبلاً أكثر إحباطاً.
ولابد من النظر إلي القضية علي أنها "قضية قومية" في غاية الأهمية, ويجب علي المجتمع بالكامل أن ينهض لحلها.
فالحل علي المستوى المجتمعي هو:
العودة بهؤلاء الشباب إلي دينهم لإصلاح منظومة القيم التي ذكرناها وإزالة أسباب فسادها, سواء الأسباب التربوية أو التعليمية أو الثقافية أو السياسية.
فلابد من إنقاذ هذا الشباب من الضياع بدعوتهم إلي دينهم, وتعريفهم بتعاليم الإسلام وأخلاق الإسلام بل ونعاملهم بذلك, ففاقد الشيء لا يعطيه, وهذا يعني إعادة التربية لهؤلاء الشباب علي الدين.
- نعم المطلوب هو عملية إعادة تربية للشباب:
- نعلمهم فيها " وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً "
- نعلمهم " فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا "
- نعلمهم " وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً "
- نعلمهم " يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ "
- نعلمهم " وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ "
- نعلمهم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
- نعلمهم دينهم, ونربيهم عليه, ونحببهم فيه, فهم أبناؤنا وفلذات أكبادنا ومستقبل أمتنا.
أما علي المستوى الشخصي:
أخي الفاضل الكريم:
فطريق الحل بين حضرتك وبين ابنك يبدأ بإعادة بناء جسور الثقة وفتح قنوات الحوار بينك وبينه, وهذا يقتضي أولاً أن تتعامل معه علي أنه ضحية لهذا الفساد المجتمعي, وضحية للتدمير الشديد في منظومة القيم كما ذكرنا.
وهذا يتطلب منك أن تتخذه لك صديقا ً وتشعره أنك تحبه وأنك تتمنى له الخير, وأن تتحدث معه وتأخذ رأيه في أمور الأسرة, وتصطحبه في تحركاتك وتعرفه علي الصالحين من أصدقائك, وتوكل إليه قضاء بعض مصالح الأسرة, وتحاول أن تكثر من الحوار بينك وبينه في بعض الأمور التي ليس فيها خلاف.
كما تحاول أن تكون مستمعاً جيداً له, وتحاول أن تصبر عليه, وتتغافل عن أخطائه, وتحاول بشتى الطرق أن تعيد جسور الثقة بينك وبينه حتى ولو استغرقت وقتاً طويلا لتحقيق ذلك.
ومن الممكن الاستعانة بأي قريب تجد أن هناك نوع تقارب بينه وبين ابنك لينصحه نصيحة مخلصة, ويعيد بناء جسور الثقة بينك وبينه.
كما يجب علي حضرتك أن تتذكر أنه جزء من قضية عامة, وأنه ليس هو الحالة الوحيدة الفريدة التي تعاني من هذا الداء, فيجب أن تصبر عليه ولا تستبطئ النتائج, فالمرض المزمن يحتاج أيضاً إلي علاجٍ مزمن.
فاستعن بالله, وأكثر من الدعاء له ولأمثاله من شباب هذه الأمة أن يهديهم الله, وأن يصلح أحوالهم, وأن يردهم إلي صوابهم, وأن يجعلهم بارّين بآبائهم صالحين لمجتمعهم, آمين. |