|
يوميات مواطن عادي (171) .. الوفاء بقلم أ/ صلاح إبراهيم
الوفاء والأمانة صنوان.. فالمفروض أن معروف أي شخص أمانة في عنقك.. وأعظم أداء لهذه الأمانة هو أداؤها عند الشدة والضيق.
هكذا نشأنا وهكذا تعودنا.
وقد نسى التاريخ معظم من مدحوا سليمان عبد الملك وما أكثرهم.. ولكنه لم ينس قط من تشفعوا عند سليمان للعفو عن القائد العسكري العظيم "موسى بن نصير" إبان خلافه الحاد مع الخليفة "سليمان بن عبد الملك".
وكان موسى قد قدم إلى دمشق بغنائم الأندلس العظيمة ليسلمها للخليفة "الوليد بن عبد الملك" أخي سليمان الأكبر.. وكان على مشارف الموت.. فجاءت رسل سليمان إليه ليبطئ من سيره ريثما يموت الوليد ويتولى سليمان الخلافة.. فتدخل هذه الغنائم دمشق في بداية عهده.. فتكون بشرى خير له.. ويكون هو من يوزعها.. فيأتلف بها القلوب.. ويصطنع بها الأعوان والأنصار.
ولكن دين موسى وضميره اليقظ منعاه من الاستجابة لرأي الأمير سليمان ولي العهد وقتها .. ولكن من سوء حظ موسى أن الوليد مات قبل أن يدخل موسى دمشق رغم إسراعه في السير إليها .. وبذا وقع موسى في قبضة من لا يرحمه وخاصة أنه الآن بعيدا ً عن جنوده ورجاله بعد المشرقين.
وقبض سليمان على الشيخ المسن الذي دوخ عروش ملوك أوربا والأندلس.. وسلط رجالا ً من لدنه قتلوا أخيه عبد العزيز وجاءوا برأسه لسليمان.. وكان سليمان قد استخلفه لحكم المغرب فأراه لموسى وقال له:
هل تعرف رأس من هذا؟
قال: أعرفه صواما ً قواما .. لعنه الله إن كان قاتلة خيرا ً منه!!
ثم أتهمه سليمان بالغلول في الغنيمة وهو الذي لو كان من أهل الدنيا لامتنع عن أداء أي شيء ومعه جنوده ورجاله الذين لا يعرفون غير خيره وسبقه .. وكانت كنوز الأندلس أكثر مما خطر على قلب بشر.
وفي النهاية حكم عليه سليمان بالقتل لولا شفاعة يزيد بن المهلب.. ولكنه فرض عليه غرامة باهظة.. لم يكن يملك الشيخ منها شيئا ً.
فماذا يفعل الشيخ؟!!
أخذ يدور على أحياء العرب يتسول الدرهم والدرهمين ومعه مولاه.. حتى ضاق الفتى فعزم على تركه بوادي القرى.. وهو في أسوأ حال .. فقال له موسى:
أتتركني في هذه الحال؟
فرد عليه الفتى بغير اكتراث:
قد أسلمك خالقك ومالكك الذي هو أرحم الراحمين.. فماذا أفعل لك؟!!
ورغم مرور الرجل بآلاف المحن والكوارث إلا أن عيناه لم تذرف الدموع إلا عندما أجابه الغلام بذلك .. وهو الذي رباه على يديه وفضله على ولده.. فرفع كلتا يديه إلى السماء بأن يريحه الله من هذا العذاب إن كان يحبه حقا ً.
استجاب الله لدعاء الرجل.. فلم تنقض الليلة إلا وكان في رحاب ربه الكريم الرحمن سبحانه جل شأنه.
فمن الذي خلده التاريخ؟
موسى الذي مات ذليلا ً فقيرا ً متسولا ً غريبا ً؟!!
أم سليمان بن عبد الملك الخليفة الذي كان ملء السمع والبصر ؟!!
والإجابة معروفة.
وقارن عزيزي القارئ حفظك الله بين صلابة الرجل وهو يرى رأس أخيه وعضده.. وبين انهياره من نذالة غلامه.
وتفوق من مدحوا البرامكة شعرا ً وعددا ً ومكافأة عمن مدحوا الرشيد.. ولكن كل المادحين إلا واحدا ً تفننوا بعد نكبتهم في ذمهم.. والنيل من ذمهم وأعراضهم والشماتة فيهم.
لاحظ ذلك الرشيد ورأي أن يراقب هذا الرجل الذي اعتزل الشعر والناس.. ولم يبادر بتدبيج قريض المدح للرشيد.. والذم لأولياء نعمته السابقين كباقي الشعراء.
فوجده يمر أولا ً على قبورهم ويبكي.. ويمر على السجن فيبكي.. ثم ينصرف إلى بيته.
فاجأه الرشيد في اليوم التالي يبكي على قبر يحيي البرمكي.. فلم يجزع الرجل.. وعندما سأله الرشيد عن حاله.. ولماذا يفعل ذلك؟!!.
أجاب الرجل:
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا فرس ولا بعير
ولكن الرزية فقد شخص يموت بموته خلق كثير
وبكي بكاء حارا ً.. فبكي الرشيد لبكائه ثم انصرف.
هناك من يعيش للدنيا ولا يبالي بشيء.. إلا من يحقق مصالحه.. ولما كان الله قد قطع على نفسه عهدا ً ألا يرفع شيئا ً من أهل الأرض إلا وضعه كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عندما سبق جمل الأعرابي ناقة سيدنا رسول الله التي كانت تسمى "القصواء".. وجزع الصحابة أن تسبق ناقة سيدنا رسول الله.
فأخبرهم (صلى الله عليه وسلم) بسنة الله الكونية السابقة التي لن تجد لها تبديلا ً ولا تحويلا ً.
فمبدأ الكثير من الناس "مات الملك.. عاش الملك".
فطالب الدنيا يسعى إليها ويتزلف لمن بين يديه منفعته ورفاهية.. التي لا يتنازل عنها أبدا ً ولا بأس أن يتنازل عن مبدئه.. فهم يشتم اليوم من كان يرجو أن يتمكن من تقبيل حذائه بالأمس.
وقد كتبت مقالي "التوبة بعد القيامة" بعد أحداث تونس.. وكنت أرى أن ذلك الأمر وتلك المسارعة إلى تغيير الرأي لن تحدث في مصر بنفس الصورة.. ولكنها حدثت.
فقد بادر معظم المفكرين الذين انتفخت بطونهم وجيوبهم من النظام السابق إلى ركوب موجة الثورة.. وتآلفت ترددات قلوبهم وعقولهم وأقلامهم بسرعة البرق مع موجة إرسالها.
وادعى الكثيرون أنهم من أصحاب الثورة وتبجح البعض أنهم من صناعها.
وكل يدعي وصلا ً بليلي وليلى لا تقر لهم بذاك
وكأني بسيدنا الحسين إبان محنته الكبرى والجيوش تحاصره وتشرع الحراب لقتله والتنكيل به عندما سأله ابنه الصبي:
ما الدنيا يا أبي .. وما الناس؟
فيرد عليه سيدنا الحسين (رضي الله عنه):
"الناس عبيد الدنيا .. والدين لعق بألسنتهم.. يدورون به ما دارت به معايشهم.. فإذا عم البلاء قل الديانون".
ولكن كتب السيرة تحكي عن نموذج رائع من نماذج الوفاء .. كان صاحبه سيدنا "ثابت بن قيس الشماس الأوسي".
كان سيدنا ثابت مدينا ً بمعروف للزبير بن باظا.. وهو يهودي من "بني قريظة".. حيث أسره الزبير في يوم "بعاث" .. وهي إحدى المعارك التي كانت تدور رحاها بالمدينة بين وقت وآخر.. ولكنه عفا عنه وجز ناصية كعلامة على العفو عنه وأطلق سراحه.
وكان ذلك في الجاهلية قبل بعثة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم).. ثم أضاءت المدينة بنور الهادي البشير (صلى الله عليه وسلم).. ولم يمض وقت طويل حتى وقع الصدام بين المسلمين ويهود "بني قريظة".
وطلبت قبيلة الأوس أن تتشفع لحلفائها من "بني قريظة".. كما تشفعت قبيلة "الخزرج" لحلفائهم من "بني قينقاع".. وأخبرهم سيدنا محمدا ً (صلى الله عليه وسلم) بأنه سيرضي فيهم بحكم سيدهم وسيدنا "سعد بن معاذ".. فرضوا بذلك منه.
وحكم عليهم سيدنا سعد رضي الله عنه بأن "تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبي الذرراي والنساء".
وأشاد سيدنا رسول الله بحكمه قائلا ً (صلى الله عليه وسلم):
"لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة - أي سموات-".
ولكن سيدنا ثابت تذكر ما في رقبته من جميل الزبير.. فذهب لسيدنا المعصوم (صلى الله عليه وسلم) ليتشفع له ليطلق سراحه.. وقال له بعد أن روى له القصة:
"يا رسول الله لقد كانت للزبير عندي يد وله علي َّ منه.. وقد أردت أن أجزيه بها.. فهب لي دمه".
فرد عليه الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): "هو لك".
أسرع سيدنا ثابت يزف البشرى للزبير.. ولكن الرجل قابل الخبر بغير اكتراث قائلا ً:
"شيخ كبير مثلي ما يصنع بالحياة دون أهل له أو ولد؟!".
فرجع الأصيل إلي سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليستوهب منه أهل الرجل وولده.. فلم يرد الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) رجاءه.. وعاد الرجل فرحا ً مستبشرا ً للزبير ليخبره بذلك .. ولكن الزبير رد قائلا ً:
"أهل بيت بالحجاز لا مال لهم؟.. فما بقاؤهم؟!".
فأعاد سيدنا ثابت الكرة مرة أخرى.. وطلب من الرسول الكريم الإفراج عن مال الرجل فوهبه له.. وعاد ليخبر الزبير الذي فكر مليا ً وقال:
"أي ثابت ؟.. ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية تترآى فيها عذارى الحي. كعب بن أسد "؟!.
قال له:
قتل .. وهو يعزي قومه بقوله: الموت هو الموت".
وماذا فعل سيد الحاضر والبادي "حيي بن أخطب"؟!!
فقال له : قتل وهو يقول الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويواسي قومه بقوله: "والله ما لمت نفسي في عداوتك وأنه لا بأس بأمر الله.. كتاب الله وقدره وملحمة كتبت على بني إسرائيل" !!
وماذا فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا .. عزال بن سموأل؟!
فقال: قتل أيضا ً .
وماذا فعل الحيان المؤنسان والمجلسان الزريان بني كعب من قريظة وبني عمرو بن قريظة؟
ذهبوا جميعا ً بسيفي على والزبير.
وهل قتل من النساء أحد؟!!
بنانة امرأة الحكم القرظي بدم سويد بن خلاد.
هل عفا محمد عن أحد؟!!
عفا الرسول ( صلى الله عليه وسلم) عن رفاعة بن سموأل .. لما استوهبته منه سلمى بنت قيس.
لم يفكر الزبير بعد ذلك في شيء وقال:
"ألحقني بربك بالأحبة.. فما أنا بصابر على فراقهم أبدا ً".
اشتد حزن سيدنا ثابت وهو يسمع جواب الرجل.. فقد كان يريد أن ينقذه وأهله وماله ونجح في ذلك.. ولكن الرجل كان أشد وفاء لأحبته من حرصه على حياته وحياة أسرته.. ومن أمواله جميعا ً.
أي عظمة ونبل كانت في هذا الجيل .. سواء من العرب أو اليهود على السواء.. لا نغمط أحدا ً حقه أبدا ً؟
فسيدنا ثابت تفانى في رد الجميل وتذكر أنه مدين بحياته لهذا الأسير المرشح للقتل.. وسيدنا رسول الله كان مثالا ً في الصفح والكرم وقبول شفاعة أصحاب الكرام لا يرد حتى شفاعة النساء.
والزبير كان مثالا ً في صدق الحب والإخلاص وحب قومه وتذكر مآثرهم في أشد اللحظات قسوة.
ورواة السيرة سجلوا كل كلمة قالها الزبير في مدح كبار رؤوس اليهود بدقة وأمانة وإخلاص.. حتى عندما ذكر الرسول الكريم باسمه فقط رووا العبارة كما وردت على لسان الأسير.
ولم يجد سيدنا ثابت تفريجا ًَ لحزنه سوى إنشاد هذه الأبيات:
وفت ذمتي إني كريم وأنني صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبر
وكان زبير أعظم الناس منة عليَّ فلما شد كوعاه بالأسر
أتيت رسول الله كيما أفكه وكان رسول الله بحرا ً لنا يجري
ما أعظم الوفاء.. وما أندر أهله.. فهم بحق أهل الحق لا يبتغون من هذه الدنيا مغنما ً ولا منفعة.. ولكنهم يريدون رضا ربهم.. فهو حبيبهم وطبيبهم وخالقهم ورازقهم.
" مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ"
وقانا الله شر النفاق وأهله
الثلاثاء الموافق:
19-3-1432هـ
22-2-2011م
| الإسم | أحمد محمود بدير |
| عنوان التعليق | معانى جميلة |
| معانى جميلة رائعة أسأل الله أن يجزيك خير الجزاء عليها ولقد تذكرت مشكلة أثناء القراءة قد يقع فيها العبد أحيانا وهى (هل يحق للوفاء أن يلبس تاجه العظيم إذا كان فى غير مرضاة الله تعالى؟ )أم أن الوفاء لا يسمى وفاء إلا إذا كان فى مرضاة الله ؟ |
عودة الى قضايا معاصرة
|