|
يوميات مواطن عادي (174) .. أحمد عز.. البطل الحقيقي للثورة بقلم أ/ صلاح إبراهيم
"ما اجتمع المال مع السلطة إلا كان الشيطان ثالثهما".
وفي الإنجيل: "المال أصل الشرور".
فزواج المال بالسلطة باطل.. باطل.. باطل.
ذلك أن فساد المال يحتمي بالسلطة.. والسلطة تتسلح بالمال .. ويجري بذلك إعداد جميع القوانين التي تجعل المال يسرح ويمرح ويعيث في الأرض فسادا ً.
وكان سيدنا عمر فقيرا ً وتمسك بذلك.. فكان له ذلك أكبر العون في حساب ولاته حسابا ً عسيرا ً.. وخافوا هم من ذلك الحساب العسير.. فعمل كل منهم قدر جهده على إرضاء الله في رعيتهم.
ولكن أتي حين من الدهر رتع الحكام فرتع الولاة.. وتكفلت القوانين الحامية للعدالة في تعطيل العدالة.
وبنيت القصور الشامخة.. وعلى مسافات غير بعيدة منها عاش الفقراء والمهمشون يقيمون عشش الصفيح والمساكن العشوائية.. لا تسترهم إلا الأسمال الفقيرة.. وقد يعيش بعضهم فوق القبور.
وكان أسعدهم حظا ً من يستطيع السفر للخارج.. حتى إذا جاءت نكبة العراق انكشف غطاء الستر عن كثير من هذه الأسر.. فبدأوا في البداية يبيعون مقتنياتهم.. حتى إذ فنيت هذه المقتنيات لجأوا إلي الأعمال الهامشية.. كعمال بالأجر.. أو باعة جائلين تطاردهم شرطة المرافق.. ورجع الفلاحون إلي أعمالهم الأصلية غير المجدية.
والفلاحون الذين لا يملكون أرضا ً في قرانا "حالهم يصعب على الكافر".. فأصحاب الأرض المؤجرة استردوا أرضهم ويؤجرونها الآن بالموسم الزراعي أو بالسنة.. والمحصول أحيانا ً يصيب وأحيانا ً يخيب.. وما يقيم أودهم هو ما يربونه من حيوانات يفضلونها على أنفسهم وبنيهم.. فيبادرون إلي علاجها إذا مرضت.. بينما يبخلون بهذا المال على بنيهم.. ويجمعون البيض ولا يتذوقونه.. حتى إذا مرضوا فالبيت في حاجة إلي الثمن.
وأقسم غير حانث أني أعرف فلاحين لا يذوقون لحم الدجاج.. إلا إذا أشرفت دجاجة على الموت لأي سبب فيأكلونها.. وهم يبكون عليها لانقطاع ما كانت تنتجه من بيض.
من دعاء هؤلاء البسطاء على الحكومة أصابتها اللعنة.. وولت الأدبار من هدير جماهير عزل.. وكانت هذه ثاني مرة في التاريخ.
فالمرة الأولى كانت ثورة الحداد الذي قام بها في فارس القديمة على الملك.. كانت حكومة فارس القديمة تتفنن في فرض الضرائب.. وكان أكبر من يعاني منها هم أصحاب حوانيت السوق.
وكان جنود الملك يضربونهم ويعذبونهم من أجل تحصيل هذه الضرائب.. فلم يطق الحداد هذا الظلم البين.. فخرج من حانوته وخلع الجلد الذي يتمنطق منه.. وكان مصنوعا ً من جلد النمور وحمله على عصا طويلة موجودة في المحل.. وصرخ في أهل السوق:
"من كان لا يطيق الظلم فليتبعني"
فسار خلفه جمع كثير أخذ يتكاثر كلما سار.. حتى وصلوا إلي قصر الملك الذي ترك قصره وحريمه وولي هاربا ً.. وسلم الجنود أنفسهم للحداد الذي صار ملكا ً ولقب بلقب "كسرى".. والذي صار علما ً على ملك فارس حتى خلع ثوار الخميني آخر شاه.. وهو "محمد رضا بهلوي رحمه الله".
وقد اتخذت قطعة الجلد التي رفعها الحداد علما ً لفارس حتى سقطت في أيدي المسلمين بعد معركة القادسية.. وسميت هذه الراية بـ "الدرفس كابيان".. وكانوا لا يخرجونها إلا ساعة القتال.
أما "ثورة يوليو" فكانت حركة للجيش وقادتها.. هم من سموها "حركة".. أولا ً لأنهم لم يتوقعوا لها كل النجاح الذي حدث ولا حتى نصيفه.
ولكن الشعب رحب بها وخلعت الملك فسموها "انقلابا"ً.. ثم انحازت الثورة للطبقة الوسطي التي خرجت منها وأجرت كثيرا ً من الإصلاحات في التعليم والزراعة والصناعة والعدالة الاجتماعية.. فصح تسميتها "ثورة".
ولكن البطل الحقيقي للثورة ظل مثار الخلاف بين المؤرخين.
فمن قائل أنه "محمد نجيب" لأنه الوحيد بين ثلاثة عرض عليهم الثوار القيادة الذي قبل بهذه المغامرة الخطيرة.. ولا يهم عند المؤرخين ما حدث بعد ذلك.. فهو في رأيهم العنصر الرئيس في نجاح الثورة.
ومنهم من قال إنه "يوسف صديق" لأنه نجح بقواته وحدها في الاستيلاء على مقر القيادة.. واعتقال القادة في غياب باقي عناصر الثورة.
ومن قائل بـأنه "جمال عبد الناصر".. حيث كانت كل الخيوط في يده وخلصت إلي يده وحدها بعد وقت طال أو قصر.. وتمكن بصبره الفائق وصمته الطويل وجودة انتهاز الفرص وركوب كل الخيول المناسبة.. وقتل من يجمح منها من أن يمسك بيده ناصية الأمور حتى حين.
ولكني ارتاح لرأي رأيته لنفسي منذ زمن طويل وهو أن "عبود باشا" هو القائد الحقيقي للثورة.. كما كان من أكبر المضارين منها.
إذ سيطر الرجل على إمبراطورية النقل بعد أن ضرب كل المنافسين ضربات قاتلة.. وأزاحهم عن طريقه بكل قسوة وعنف.
وصار للرجل قطعان هائلة من الأتوبيسات.. وجيشا ً جرارا ً من العاملين والسائقين والمحصلين والمفتشين والمنتفعين.. وبذا تمكن من السيطرة على قلب القاهرة والجيزة وشرايينهما.
لم يكتف الرجل بذلك.. ولكنه طمح إلي السيطرة على الحياة السياسية.. وفي ظل فساد الملك وحاشيته وفضائح أمه وشلته المقربين.. كان لـ"عبود باشا" ما أراد أو أكثر.
فقد تمكن في عام 1952م وحده من إسقاط خمس وزارات متعاقبة في إطار صراعه المحموم مع خصومه من الرأسماليين المنافسين.. وكان ذلك سببا ً رئيسيا ً في حالة السخط التي عمت البلاد وعجلت بالثورة وساهمت في نجاحها نجاحا ً مبينا ً.
لذا أقول مطمئنا ً وقياسا ً على ما سبق أن المهندس "أحمد عز المستفز".. كان هو السبب الرئيسي في قيام ثورة 25 يناير.. ونجاحها أيضا .ً
وذلك أن الرجل لم يترك بابا ً من أبواب الاستفزاز إلا حطمه بغبائه الرائع.
فحتى عامين مضيا كان لدى بسطاء الناس رصيدا ً كبيرا ً من الحب للرئيس السابق مبارك ظهر بصورة عفوية عندما مات حفيدة محمد علاء يرحمه الله.
ولكن المستفز نجح في القضاء على ما يكنه الناس للرجل من حب.. فقد استولى على مصانع الحديد العملاقة وهو سلعة إستراتيجية في السلم والحرب.. وقضى على المنافسين والمستوردين.. وتحكم في سعر السلعة بما لا يتناسب مع تكلفة إنتاجها.
وبذا صار قبول المقاولات الحكومية أو الخاصة ضربا ً من المغامرة المجنونة.. فسعر الحديد يمثل حوالي 16% من التكلفة الإجمالية لأي منشأة.. أو هكذا يحسبه الحاسبون.
ولكنه بعد أن أصبح سلعة مجنونة كالطماطم.. فقد خسر معظم مقاولي الباطن الجلد والسقط.. وحدث لهم ما حدث لمضاربي بورصة القطن في العهد الملكي.
وصاحب ذلك ارتفاع لسعر الوحدات السكنية.. حتى غدا أصحاب الزواج الحديث ضيوفا ً دائمين على أسرهم.
ورأينا الابن يقتل أباه المسن وأمه المسنة من أجل الشقة.. وصارت الوظيفة الحكومية حلما ً بعيد المنال على من لا ظهر ولا مال له.. حتى وإن حصل على أعلى الشهادات.
وفي العهد الملكي كان الناس تقبل يد الملك.. وسمعنا أن صحابياً قبل رأس ملك الروم من أجل فك أسر بضعة رجال من مجاهدي المسلمين.
وفي عهد "أحمد عز المستفز" رأينا كيف خرت امرأة ساجدة على الأرض لتقبل حذاء وزير كي يعين لها ابنها.. فأصدر القرار في الحال بتعيينه في إحدى شركات البترول التابعة لوالده المرحوم التربي.
وصارت الرشوة مقننة في كل مكان.. حتى في وزرة الأوقاف.. وتم بيع كل الأصول والفروع بأبخس الأسعار.. نظير أن يحصل عتاة الرشوة على أكبر مبلغ متاح.
وتم توزيع الأراضي بأثمان يضحك الكتكوت منها.. وتقع في عواقبها "الديوك".. حتى الأراضي الصحراوية التي تترك عادة للقوات المسلحة لزوم التحركات والتدريبات والسرية لم يتركوها وشأنها.
ونشط اللصوص ومافيا الأراضي لكي يحصلوا على نصيبهم من الغنيمة الباردة.
وخشي الناس أن يعتدي الناهبون على الشوارع ويقومون ببنائها.. وصار قول العوض الوكيل أباظة يخاطب واحدا ً من هؤلاء:
نشأت من أقذر البيئات ديدنها خلق المعاصي التي ليست بمعروفة
صار هذا القول مؤدبا ً مع هؤلاء.
واحتمل الشعب المصري كعادته.. فقد كانوا يقولون لنا إنا نقترض لنشتري لكم القمح المسرطن.
وقتل العشرات في طوابير الخبز.
واتضح أن الرجل جمع من الأموال ما يجعل قارون يبدو مفلسا ً معدما ً متسولا ً.. بالنسبة له.
وكانت هذه الأموال تجبي.. ثم تركب لها أجنحة قانونية لمحافظ البنك المركزي فاروق العقدة ورئيس البنك الأهلي فاروق عامر حراسة هذه الأموال.. وتأمنها مستخدمين شبكة معقدة من العلاقات المصرفية العالمية.. وبمساعدة محمد بركات رئيس بنك مصر بالتعاون الوثيق مع ياسر الملواني رئيس المجموعة المالية هيرمس.
أموال كموج البحر أرخى سدوله كما يقول امرئ القيس "تتدفق حتى تلاطم شاطئ جزر البهاما في رقة".
وشعب مصر صاحب هذا المال يموت من أجل رغيف عيش مخبوز من قمح مسرطن.. ويقبل القدم من أجل وظيفة.. ويقترضون باسمه.. ثم يدفع هذا الشعب الدين والفوائد.. ولكن الله يطيل للظالمين الحبل ثم يخنقهم به.
ففي حمى التوريث التي نذر الرجل نفسه لها حاول إعداد المسرح السياسي ببرلمان لقيط.. حتى إذا حمل هذا اللقيط وجاء به إلى قومه.. وقد أقصى منه كل صاحب رأي حر أو معارض مهما كان اتجاهه.. حتى أنكر القوم هذا الطفل قائلين له ما قاله الخبير الروسي "ده موش بتاعي".
لجأ أولي المظالم إلى القضاء لينتزع لهم حقوقهم.. فحكم القضاء ببطلان النتيجة في دوائرهم.. رغم ذلك تصدى السياف "مسرور" لأحكام القضاء.. قائلا ً قولته الشهيرة والتي حفظها الناس حتى مقتوها مقتهم لأكثر الأشياء ضررا ً وهي:
"المجلس سيد قراره"
أي أن الأمر بيدي.. فأنا الرئيس الخالد للمجلس.. أضع من أشاء.. وأرفع من أشاء.. ونسي أنه كان يدرس القانون.
واعتقدنا أن الرجل كان في سبيله إلى أن يقول: "سأضع الموازين القسط ليوم القيامة".. حاشا لله.
وكان كل الناس تنتظر كلمة الرئيس.. ولكنه خذلهم وأقر البرلمان.
ضاقت السبل في وجوه الناس.. وهم يرون أن الجمهورية التي ضحوا في سبيل قيامها واستقلالها بأجسم التضحيات في الطريق إلى أن تصبح ملكا ً عضوضا ً يتولاها رجل لا يحظى بأي قبول شعبي.
وضاع حتى مجرد الأمل في أن يكون الغد أفضل من اليوم.
وما حدث من انهيار إمبراطورية عبود بعد يوليو حدث لإمبراطورية عز وشركاه في يناير.
فمتى يتعظ الطغاة؟!!
وهل يصبر الشعب حتى يقوم أولي الأمر بحل المشاكل التي أزمنت على مدى ثلاثين عاما ً؟!!
أم يستعجلون فتكون الجائحة التي تأخذ البناء والمناول؟!!
أسأل الله أن يكون لطيفا ً بمصرنا العزيزة.. فهي أعظم ثغر من ثغور الإسلام
الأربعاء الموافق
27-3-1432هـ
2-3-2011م
| الإسم | محمود ابراهيم |
| عنوان التعليق | فهل من متعظ |
| الظلم ظلمات يوم القيامة وما اهلك اعظم الامم الابظلم اهلها |
عودة الى قضايا معاصرة
|