|
يوميات مواطن عادي(146) ما قبل الحسم.. وحيرة جولدا مائير بقلم أ/ صلاح إبراهيم
كانت الساعة الحادية عشرة من يوم السبت 6 أكتوبر 1973م هي ساعة توزيع الفتوى بجواز الإفطار.. وأعلنت هذه الفتوى على جميع الجنود بكل الطرق المتاحة.. وكان التبرير أن نوايا العدو غير مضمونة فهو يشعل الحروب بغرض توسيع رقعة إسرائيل.
بعدها بقليل صدر أمر عسكري بضرورة الإفطار استنادا ً إلى هذه الفتوى وامتثل الجميع للأمر.. وكان شرب أكبر كمية من الماء هدفا ً للجميع.
كانت أجهزة الراديو بجوار الجنود أثناء تناول الإفطار وبدت جميع الأنباء تؤكد قلق الجانب الإسرائيلي.
فقد بدأت جولدا مائير رئيس وزراء إسرائيل يومها ومن الساعة التاسعة والنصف صباحا ً اجتماعات مكثفة في مطبخ مقر رئاسة الوزراء بما يسمى كتلة المطبخ.. وهم مجموعة الوزراء الهامين مثل الدفاع والخارجية والداخلية والطاقة مع المسئولين في المخابرات وأركان الحرب.
وتناول الاجتماع تحركات الدبابات المصرية في الليلة الفائتة والتي سمعت أصواتها بوضوح.. ولكنهم أعادوا عليها ما سبق أن استنتجوه من أنها تحركات عادية يحاول السادات أن يشغل بها جنوده حيث يخشى تمردهم في أي لحظة.. لمكوثهم أكثر من ثلاث سنوات حبيسي الخنادق.
ولكن جولدا لم تطمئن فاتصلت بالسفارة الأمريكية.. والتي قالت كلامها المعاد وكان مشابها ً لما خلصت إليه المخابرات الإسرائيلية.. وكان كالتالي:
"إن السادات يعيد ترتيب أوراقه ويشغل جنوده وهو على اتصال مستمر بالأمريكيين ليصل إلى حل سلمي".
ولكن جولدا كانت قلقة فاستدعت السفير الأمريكي لتسمع منه .. ولكنه كرر على مسامعها:
"معلوماتنا تؤكد أنه من غير المتوقع أن يقوم المصريون بأي هجوم أو أي عمل عسكري في هذا اليوم .. فكل شيء هادئ على الضفة الغربية للقناة".
عقدت بعدها جولدا اجتماعا ً مع هيئة الحرب.. وطلبت الإعداد لضربة وقائية وبمنتهى السرعة.. حتى لا يكون عند المصريين أي فرصة للقيام بالهجوم على إسرائيل.
ولكن مجلس الحرب أكد أن المصريين لا يمكنهم الهجوم في وضح النهار.. فهذا الأمر لم يحدث أبدا ً.. ومادام قد مر وقت أول ضوء ولم يحدث هجوم فقد ضاعت فرصة هذا الهجوم إلى الأبد.. حيث يعلم المصريون أن الإسرائيليين قد أحاطوا علما ً بالتحركات المصرية.
وكان على جولدا الاتصال كيسنجر اليهودي ووزير خارجية الولايات المتحدة ورئيسها نيكسون الذي كان وقتها في منتجع كامب ديفيد في أجازته الأسبوعية.
أكد كيسنجر أن المصريين لا ينوون الهجوم لأنهم لا يملكون أدواته.. وكل حشودهم دفاعية تماما ً.. ولم ترد أي تقارير من مراكز تحليل المعلومات تفيد بأن المصريين ينوون الهجوم.. ولم يزعج رئيسه نيكسون طبعا ً.
عندما انفضت الاجتماعات الإسرائيلية على أن تعود في أي لحظة تحتم الظروف فيها انعقاد الاجتماعات.
وعندما حانت الساعة الثانية عشرة إلا ربعا ً كان الجميع قد انتهى من تناول الوجبة المفاجئة.. وعب أكبر كمية من الماء وشرب الشاي.. وودعنا الخبز الطازج إلى نهاية المعارك..
فقد كان حتما ً مقضيا ً أن نغمس طعامنا بالبسكويت الذي تم صرفه مع التعيين الجاف .. وهو نوع من البسكويت إن صح إطلاق هذا اللقب عليه.. وهو لا ينتمي إلى طائفة البسكويت أبدا ً.. فقد خبز بكمية ضخمة من الكمون تجعل المقاتل لا يرغب في التخلص من مخلفاته.. وحتى إذا جازف بذلك فإنه يفاجئ بأن هذه المخلفات تنتمي إلى بعر الإبل.. أكثر ما تنتمي إلى مخلفات الإنسان الطبيعية.
أدينا فريضة الصلاة بأسعد نفس وأصفى روح.. ولا أذكر صلاة تخلصت فيها من هموم الدنيا وخلصت إلى ربي مثل هذه الصلاة.. إذا استثنينا صلوات الحج والعمرة.. حيث كانت الكعبة المشرفة أمامنا مباشرة.
أنهينا الصلاة وطلب منا أن نكون فوق دبابتينا مباشرة وما كانت تفصلنا عن الحرب إلا ساعتين فقط.. فقد تحدد لها ساعة 1400أي الساعة الثانية مساء يوم السبت 6/10/1973.
ركبت الدبابة البرمائية فوجدتها كاملة العدد.. ولكن الركاب كانت وجوها لا أعرفها.. ولم أره كمن قبل.
فقد كان فيها طاقمين من أطقم صواريخ المولوتيكا.. وهو نوع من صواريخ البازوكا.. والذي يطلق من مدافع عديمة الارتداد وهي عبارة عن ماسورة مفتوحة الطرفين.
ويجكي بريان فورد في كتابه الوجيب "سيمفونية البازوكا" أن أول من فكر في الصواريخ هو الصيني "وان هوا" ولكن عمله انتهى بمأساة حيث انفجرت بطارية الصواريخ التي صنعها بما فيها وذهبت ركاما ً في الهواء وكان ذلك في عام 1520م.
وفي عام 1802م استأنف الكولونيل البريطاني ويليام كونجريف "تجارب "وان هوا" حيث شكل كتيبة صواريخ بدائية يشغلها 175رجلا ً.
وأقام الأمريكيون في عام 1851م عشر بطاريات صواريخ على الساحل الشرقي للولايات المتحدة.
وكان الفرنسيون أول من ابتكر الصواريخ "جو – أرض".
وقد استغل الأمريكي "روبرت جودارد" دراسات العالم الروسي "شيو لك منكي" النظرية في إطلاق صواريخ بالوقود السائل عام 1920م.
وقد كانت قمة التقدم العلمي في صناعة الصواريخ على يد العالم الألماني براون.. والذي يعزي إليه الفضل في صناعته وتطوير الصاروخ A.4 والذي يعتمد على تطويراته حتى الآن.
أما القذيفة الأمريكية بازوكا.. فقد بدأت قصتها شهر ديسمبر من عام 1940 حيث جرى البحث عن سلاح يحمله الجندي في الهجمات المضادة ويكون ذا تأثير قوي.. وكثيرا ً ما قابلتهم مشكلة الارتداد إلى أن تم إنتاج قذيفة البازوكا.. والتي تزن ثلاثة أرطال ونصف وطولها قدم واحد.. ويمكن إطلاقها من ماسورة قطرها سبع بوصات ويمكن للجندي حملها وإطلاقها دون عناء.. والجدير بالذكر أن الماسورة مفتوحة الطرفين.
والتقط الروس الخيط وصنعوا الملايين من هذه القذائف العجيبة تحت مسميات عديدة حسب الوزن والطول فصنعوا الأر بي جيه.. والكاتيوشا .. والمولتيكا .. وهو ما سماه الغرب الصاروخ "ساتينجر".
وصاروخ "المولتيكا" يصل مداه إلى ثلاث كيلو مترات ويتوجه بسلك مع الرامي والطاقم اثنين يتعاونان في الحمل والرماية .. والغريب أن هذا الاختراع الأمريكي هو الذي أوقف طموحات أمريكا وهدد جنود أمريكا وأحلامها وخاصة في الشرق.
ألقيت السلام على الضيوف الجدد فردوا التحية بأحسن منها واستمروا في أحاديثهم الباسمة.. والتي كانت توحي أنها في أشياء بعيدة تماما ً عن الحرب وكأنهم ذاهبون إلى قضاء عطلة نهاية الأسبوع على شاطئ هادئ.
كان الصفاء النفسي يخيم على الجميع.. ولا يقطعه إلا التحليلات التي يذيعها الراديو.. والتي كانت حائرة بين الحرب والسلم.. وهو ما يدل على أن الخداع الاستراتيجي نجح إلى أقصى مدى.
وفي هذه الأثناء كان الجنون قد بلغ بجولدا مائير مبلغه.. فهي لا تصدق أن المصريين والسوريين لن يهاجموا إسرائيل.. وجميع من حولها يؤكد لها أن ما تشعر به مجرد وساوس.. ليس إلا.
وكيسنجر لا يريد أن يزعج نيكسون في منتجعه.. ويؤكد لها أن غرض السادات عكننة إسرائيل في عيدها الكبير حتى تلجأ إلى السلام.
ويؤكد لها أنها إذا بدأت أي قتال.. فلن تجد من يؤيدها على مستوى العالم الحر.
وللحديث بقية إن شاء الله
الثلاثاء الموافق
11-11-1431هـ
19-10-2010م
| الإسم | حسين عبدالعال |
| عنوان التعليق | نرجو المزيد |
| ما أجمل الحديث عن النصر وعن الإستعداد له فأرجو أن تمتعنا بهذا الحديث وأن تكثر منه وأن تسهب فيه خاصة وأنك عايشت تلك اللحظات التاريخية الشيقة * وجزاك الله خيرا |
عودة الى قضايا معاصرة
|