|
يوميات مواطن عادي (147) الحسم.. حكاية جيش مصري أتيحت له الفرصة بقلم أ/ صلاح إبراهيم
لازلنا مع يوم السبت الموافق السادس من أكتوبر سنة 1973م.
كانت كل الظروف مهيئة لمصر لتحقيق نصر تاريخي على إسرائيل لأول مرة.
فالجيش معبأ نفسيا ً وقتاليا ً.. والمعدات على أعلى درجة من التجهيز والاستعداد.
والنفوس مشتاقة وتواقة للنصر أوالشهادة.
والجبهة الداخلية على أتم استعداد للتضحيات.
والعالمين العربي والإسلامي مع مصر في وحدة قل نظيرها.. وكل الدول العربية مشاركة بوحدات رمزية ومساهمات مالية ومعدات متطورة نقلت سرا ً إلى مصر.
والعالم كله شبع من غرور إسرائيل وقادتها وأسطورة جيشها الذي زعموا زورا ً أنه لا يقهر.
وأمريكا اكتشفت أن الإسرائيليون جشعون ويستغلون كل الظروف لمصلحتهم.. ولا تهمهم مصلحة أمريكا من قريب ولا بعيد.
فما وصلت إليه إسرائيل في 1967م كان بتخطيط أمريكي تم في عام 1965م حين تأزمت العلاقات المصرية الأمريكية.. فقرر كبار مستشاري الرئيس جونسون بالاتفاق مع المخابرات المركزية الأمريكية ضرورة إسقاط عبد الناصر.. وذلك عن طريق هزيمته في حرب محدودة بالتنسيق مع إسرائيل.
وجرى الاتفاق بين كبار القادة الإسرائيليين والأمريكيين على أن تقوم إسرائيل بهذه الضربة بحيث لا تمس الأراضي الأردنية والسورية.. وكأنها عملية جراحية بالمنظار لإسقاط عبد الناصر فقط.
ولكن الإسرائيليين خيبوا آمال أصدقائهم وحلفائهم الأمريكيين.. لدرجة أن أحد كبار المسئولين بالسفارة الأمريكية صرح لليبراسون بعد انتهاء حرب 1967بثلاثة أيام قائلا ً:
"يا إلهي لقد غيروا خريطة الشرق الأوسط الإستراتيجية.. وضربوا أية إماكنيات لدى الخارجية الأمريكية لفتح حوار مثمر مع العرب".
هذا التعاطف الخفي نفع مصر كثيرا ً .. حيث لو وافق الأمريكيون على إعطاء الإسرائيليين الضوء الأخضر لبدء الضربة الأولى ولكان هناك كلام غير الكلام.
لكن كيسنجر ينفي في مذكراته تأثره بهذا العامل النفسي.. حيث يسطر في مذكراته أنه فوجئ بحرب أكتوبر مفاجأة كاملة.. ويقول أنه حتى صباح يوم السبت 6 أكتوبر وحتى بعد اتصالات جولدا به ظل مؤمنا ً بأنه مسيطر على الموقف تماما ً.
ويؤكد أنه كانت هناك إشارات واضحة بأن الحرب قريبة.. ولكن معظم المسئولين الأمريكيين وهو على رأسهم أساءوا قراءة الشواهد والأدلة.
ومن الشواهد التي يسوقها أن الرئيس جونسون قطع كل أمل للسادات في الحصول على سلام تسوقه له أمريكا.. خاصة بعد تسليم جونسون لإسرائيل 48طائرة فانتوم f.4 خلال أربع ساعات من طلب جولدا لهذه الطائرات.. خلال زيارتها لأمريكا في أول مارس 1973م.
وفي أبريل قال السادات في حديث "لارنو دي بورجو أف":
"إن كل شيء معبأ لاستئناف القتال"
وكان هذا الكلام في إبريل 1973م.. وعلق الأمريكيون على تصريح السادات أن هذا مجرد كلام كرره الرجل كثيرا ً.
وعرف كيسنجر بوصول شحنة ضخمة من الأسلحة السوفيتية إلى سوريا.. ولكن كان حظ السوريين أقل من مصر.
فيقول كيسنجر في مذكراته أنه في 25سبتمبر من عام 1973م دخلت البحر المتوسط سفن سوفيتية تحمل صواريخ "سكود".. والتي تستطيع بمداها الذي يبلغ 185كم أن تصيب إسرائيل من مواقع غرب القناة.. وفي نفس اليوم تحركت دبابات سورية لتأخذ أوضاعا ً هجومية.
وقد زار ديان جبهة الجولان يوم 26سبتمبر.. وأبدى قلقا ً بالغا ً من هذا الأمر.. وأصدر أمرا ً عسكريا ً بتحرك الكتيبة المدرعة السابعة لتكون في مواجهة هذه القوات.. وأن تكون هذه الكتيبة في حالة رفع درجة استعداد قصوى حتى إشعار آخر.
ويقول كيسنجر أن قرار ديان منع سوريا من التمكن من استعادة الجولان في بداية المعركة.. وكانت الانتصارات السورية محدودة جدا ً بالقياس لما حدث مع المصريين.
وحتى ترحيل المدربين السوفيت من القاهرة ودمشق قبل الحرب بـ48 ساعة لم يفسره كيسنجر بأن السادات سيحارب.. ولكنه فسره على أن السادات يخطو المزيد من الخطوات في اتجاه أمريكا.. وهو ما أثبتت الأيام خطأه.
وأصر الشيوعيون ومن والاهم وكذلك هيكل على أن السادات كان يقوم بتمثلية متقنة.
وحقا ً فإن السادات قام بتمثيلية متقنة.. ولكن في اتجاه خداع أمريكا وإسرائيل وجميع مخابرات الغرب.. وليس في اتجاه التقرب إليهما.
ويحكي كيسنجر في مذكراته أن أهم سبب جعل الحرب مفاجأة له.. هو اعتقاده اليقيني أنه إذا كانت هناك حرب فإن إسرائيل هي التي ستبدأها لا العرب.. وهو الاقتناع الذي تصرف بموجبه.. وذلك لأن المقاومة الفلسطينية هاجمت معسكر تجميع اليهود في شوناو بالنمسا.
ولذا طلب كيسنجر من وينيتز السفير الإسرائيلي في أمريكا أن تصبر إسرائيل.. حيث إن موجة جديدة من العنف ستتصاعد لتصنع حربا ً شاملة قد تؤدي إلي حرب عالمية.. ومن المنطلق نفسه حذر جولدا مائير من بدء الحرب .
وأكد نيكسون في مذاكرته ما ذهب إليه وزير خارجيته.
عندما وصلت الساعة إلي الواحدة ظهرا ً .. كانت الدبابات البرمائية والتي تحمل أطقم مدافع الـ ( م- د 10) و 11 وأطقم صواريخ المولتيكا وأطقم سلاح المهندسين بمضخات المياه القوية - والتي ستفتت ثغرات في الساتر الترابي - قد اصطفت متجاورة لتعبر الواحدة تلو الأخرى.
وأذكر أول موجة وهي تتكون من عشر دبابات كانت قيادتها كالتالي:
صلاح إبراهيم عبد الله.. والشهير بصلاح عبد الله الديروطي – من ديروط.
غبريال بسادة .. من ديروط.
حسين محمد محمود السروجي .. من ملوي ويقيم بديروط.
خزيم محمد خزيم .. من المنوفية.
على حسين الفوي .. من حلوان.
محمد شديد إبراهيم .. من القناطر الخيرية.
خيري محمد طهماوي .. من المنيا.
على الصادق على الصريف.. من المنيا.
غريب محمد على .. من المنيا.
الأستاذ سيد .. من المنيا.
كان على هذه الدبابات الانطلاق عند عبور الطيران المصري فوق مواقعنا حاملين هذه الأطقم والعودة قبل انطلاق المدفعية المصرية على مواقع إسرائيل الحصينة لحمل موجة أخرى من حملة الرشاشات.
ثم التمركز والقتال مع جنود المشاة.. الذين سينتقلون بالقوارب السريعة من طراز (ندل 10.. وندل 11).. والتي تطوى بعد العبور بتفريغها من الهواء.. وعليهم استخدام سلالم من الحبال لتسلق الساتر الترابي.. حيث يلاقوا الدبابات البرمائية خلف الساتر الترابي الذي كان يعلو 20مترا ً.. أي ارتفاع عمارة تبلغ سبعة طوابق.
وسار كل شيء كما كان مخططا ً له ماعدا عدد الدبابات التي ستعبر في الموجة الأولي فقد جري تعديل طفيف من أجل صالح المعركة.
ومع تمام الساعة الثانية ظهرا ً كان صوت الطيران المصري يصم الأذان وهو يكاد يمس الرءوس.. عندها صرخ أكثر من 250 ألف مقاتل مصري بصيحة النصر:
" الله أكبر "
والله لا أدري أي شيء كان أسبق صوت الطيران.. أم صيحة النصر.. لأنه كما يعلم الجميع أن رؤية الطيران المصري وهو يشق طريقه إلي قلب العدو كانت أسبق من صوته الهادر.. المهم أن جميع الطرق كانت مفتوحة إلي النصر.
وللحديث بقية إن شاء الله
السبت الموافق
15-11-1431هـ
22-10-2010م
| الإسم | أ/ سيد الطماوي |
| عنوان التعليق | تصويب لغوي |
| هناك خطأ نحوي في جملة "وأمريكا اكتشفت أن الإسرائيليون جشعون" التي وردت في المقال
والصحيح
"وأمريكا اكتشفت أن الإسرائيليين جشعون"
لأن اسم إن منصوب هنا بالياء
وجزاكم الله خيرا
|
عودة الى قضايا معاصرة
|