|
ملاطفة الخلق.. من لوازم الصدع بالحق بقلم/ تراجي الجنزوري
الدعوة إلى الله هي القطب الأعظم في الدين.. ومن أجلها ابتعث الله النبيين أجمعين.. ولولاها لعمت البلية.. وانتشرت الرزية.. فهي النور الذي يضيء الطريق.. فيهدي الحيارى إلى طريق الله المستقيم.
وبها يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد.. ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. فشرف عملها.. وعظم فضلها .
" وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ".. لا أحد أعظم منه حالا ولا مقالا..فليست هناك منزلة أرقى.. ولا مرتبة أعلى.. من الدعوة إلى الله "فلأن يهدي الله بك رجلا ً واحدا ً خير لك من حمر النعم".
ملاطفة الخلق من لوازم الصدع بالحق
مرت الدعوة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بثلاث مراحل:
الأولى: وهي سرية الدعوة واستمرت ثلاث سنوات.. كان يدعو فيها (صلى الله عليه وسلم) سراً.
الثانية: " وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ".. فجمعهم في صعيد واحد.. وعم وخص.. ثم أخبرهم أنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد.
الثالثة: والتي استقرت عليها الشريعة هي: الصدع بالحق بقوله تعالى "فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ".
وقد توهم كثير من أبناء الحركة الإسلامية أن الصدع بالحق يقتضي السب والشتم والتجريح والسلب والعيب.. فتجده يفسق هذا.. ويبدع ذاك.. ويتطاول ويسب ويشتم.. والأدهى والأمر: أنه ينظر لذلك.. ويعلمه لطلابه ويربيهم عليه.. يربهم على أنه الصدع بالحق.. وهذا مناف تماما لما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في دعوته.
فلم يعهد عليه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال كلمة فحش قط.. بالرغم أنه يتعامل مع كفرة ومشركين.. وبالرغم من أنهم آذوه ونالوا منه صلوات ربي وسلامه عليه.. ولم يكن صلوات ربي وسلامه عليه يوما قط بالفاحش ولا البذيء .
وكلنا يحفظ عن ظهر قلب قصته مع عتبة بن ربيعة.. لما جاء يعرض عليه أمورا ومساومات في سبيل أن يترك عقيدته ودينه.. فماذا كان رد النبي (صلى الله عليه وسلم) عليه؟
قال أفرغت يا أبالوليد.. وكناه ولم يسمه باسمه.. فأين نحن من هذا؟!!
وقد مزقنا أعراض علماء كثر ونلنا منهم.. وهي جناية عظيمة.. يقول عنها ابن عساكر:
"اعلم وفقني الله وإياك لمرضاته.. وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته.. أن لحوم العلماء مسمومة.. وأن عادة في هتك أستار منتقصيهم معلومة.. فمن أطلق لسانه في العلماء بالسلب.. ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.. فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
موسى عليه السلام .. وقمة الصدع بالحق.. مع ملاطفة أعتى الخلق
ستجد عجبا ً.. إنه يخاطب.. من قال: أنا ربكم الأعلى.
" هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى* إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى* اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى".
البداية : " فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى".
قمة الملاطفة.. وذلك لما أخرج الكلام مخرج السؤال.. فإخراج الكلام مخرج السؤال والعرض لا مخرج الأمر والإلزام.. يعد من ألطف أساليب الدعوة إلى الله عز وجل .
ثم يرتقي في الملاطفة بقوله: "إِلَى أَن تَزَكَّى" والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة.. فعرض عليه أمرا في نفعه ومصلحته.. أمر يقبله كل عاقل.. ولا يرده إلا أحمق جاهل.. ولاحظ جيداً أنه قال له "تَزَكَّى" ولم يقل: "أزكيك".. فلم يضف التزكية إلى نفسه بل أطلقها عامة.
وعندما جاء إلى الهداية.. قال : "وَأَهْدِيَكَ"..أي أكون لك دليلا ً وهادياً.. حيث أنني عندي من الدليل ما ليس عندك.
وانظر لم يقل : " إلى ربي" وإنما قال: "إِلَى رَبِّكَ".. فهو يذكره بخلقه ورازقه ومالك أمره ومدبره.. ومن له الخلق يكون له الأمر.
ثم ذكر الخشية التي هي ملاك الأمر كله.. فمن خشي الله أتى منه كل خير.. وصدر من كل جميل.. ومن منا ولم يخش اجترأ على كل شر.. فينتهك حرمة الله ويتعدى حدوده.
فانظر كيف كان العرض جميلا ً والكلام لطيفا ً مع أعتى خلق الله.. فنعم القول اللين هذا القول "فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً".. "وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً".
ومن ملاطفة الخلق:
أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يدعو للناس لا يدعو عليهم
يوم أحد يقتل سبعون من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. وتكسر رباعيته.. ويشج في وجهه.. ويشاع أنه قتل.. وأصابه مضرجين في دمائهم.. ويأتي بقية الصحابة.. فيناشدون رسول الله أن يدعو على المشركين.. فقال: "اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون".
ويوم الطائف.. يوم أن قال أحدهم: ألم يجد الله غيرك حتى يبعثه.
وقال الثاني: لو كنت نبيا حقا لأمزقن ثياب الكعبة.
وقال الثالث : لو كنت نبيا حقا لا أكلمك أبدا.. ثم أغروا سفهاءهم وأمروا صبيانهم.
فوقفوا في صفين ثم أخذوا يقذفونه بالحجارة حتى دميت قدماه.. فجاءه جبريل ومعه ملك الجبال قائلا ً:
"لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت".
فلطف بهم ومعهم رسول الله إلى أعلى حد بقوله : "إني أريد أن يخرج الله من أصلابهم من يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله)".
أيها الأحبة.. هذه سبيل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الدعوة إلى الله.. وفي الصدع بالحق.. ووجب علينا الأتباع: " قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي"
الاثنين الموافق
22-6-1433 هـ
14-5-2012م
عودة الى الطريق الى الله
|