|
مالك يا حبوب .. نوران والوداع الأخير بقلم د/ ناجح إبراهيم
حملنا رحالنا مرة أخرى إلي وحدة أ.د/ حسن علام لجراحة قلب الأطفال في مستشفى الدمرداش .. حاولنا هذه المرة أن نجهز صدر نوران للعملية فأعطيناها في كل يوم حقنة مضاد حيوي وسافرنا ليلة الجمعة حتى نذهب مبكرين للمستشفى العتيق.
بتنا ليلتنا عند أحد الإخوة الذي ترك لنا شقته هذه الليلة.. ولكن "نوران" أبت أن تنام لحظة على السرير وأصرت إصرارا ً عجيبا ً أن تنام في حضني وأنا أتمشى بها .. أو أغافلها بالجلوس على الكرسي .. والقراءة في الموقع حتى قرأت جميع المواقع على النت في هذه الليلة حتى طلع الفجر .
في الصباح الباكر ذهبنا إلي المستشفى وكان معنا الأخ الكريم/ طلال رجب الذي صاحبنا في رحلة علاجها في مستشفى الدمرداش .. ثم أنهينا إجراءات الدخول وإجراء أشعة وتحاليل جديدة.. انتظارا ً للجراحة الخطيرة في اليوم الثاني الأحد الموافق 5/12 .. والذي وافق أيضا ً انتخابات الإعادة لمجلس الشعب.. وكأن هذه الانتخابات تطاردنا في كل مرة .
بالليل نامت "نوران" في المستشفى نوما ً عميقا ً جيدا في حضن أمها ً.. وكنت أشعر فيها بسكينة عجيبة لم أعهدها عليها من زمن طويل .
تلافينا كل الأخطاء التمريضية السابقة .. ثم نزلنا في الصباح الباكر إلي غرفة العمليات وهي في منتهى السكون والدعة.. لا بكاء .. لا ألم .. لا ضيق في التنفس .
خلعنا لها كل ملابسها في صمت ودون بكاء .. لففناها في ثياب العمليات الخضراء .. وانتظرنا بها حتى يطلبها أستاذ التخدير .
كان أملنا كبيرا ً أن تنجح الجراحة وأن يتعافى قلبها بعد هذا التعب الطويل .. وأن يقلل من سرعته .. ويهدئ من روعه .
لم نلتفت في هذه اللحظات لتقبيلها بشدة .. غفلنا تماما ً عن احتمال فشل العملية الخطيرة .. رغم علمي التام أن نسب الفشل في مصر أكثر من 20% في هذه الجراحات.. وأن الفشل هنا يعني الموت.. ولا يعني شيئا ًغيره .
سلمت على رئيس الوحدة أ.د/ أيمن شعيب بعد قدومه .. فقال لي بالإنجليزية :
أنت تعلم نسب الخطر في هذه العمليات .
فأجبته برأسي مطأطأ : نعم
فقال: نتوكل على الله إذا ً .. وسوف نقوم بواجبنا وربنا يوفق .
وكنا قد وقعنا على ثلاثة إقرارات في اليوم السابق على العملية بقبول المخاطر في الجراحة .. وفي التخدير.. وفي نقل الدم.. وهو إجراء روتيني يلزم به أهل كل مريض في هذا القسم وفي كثير من أقسام الجراحات الخطيرة .. وذلك حتى لا يجد هؤلاء الأطباء والجراحين العظام أنفسهم في أقسام الشرطة أو النيابة أو السجون.. بدلا ً من التكريم والثناء الحسن عليهم .
ومن يدري فاللئام كثيرون ؟
خرجت "نوران" من الجراحة.. أدركت زوجتي د/ أيمن شعيب بعد أن هرولت خلفه وهي وشقيقتها زوجة الشيخ محمد سيد .. وكان يركب سيارته.. فقال لها في عجل .. وكأنه يهدد :
سوف تمكث فترة طويلة في العناية المركزة أكثر من غيرها .
ذهبت إلي العناية المركزة فوجدت ستة من الأساتذة حولها يتشاورون ويتداولون .. بعضهم من التخدير .. وبعضهم من جراحي القلب .. فأدركت أن حالتها خطيرة .
طلب مني أ.د/ خالد سمير الذي شارك أ.د/ أيمن في العملية بعض أقراص الفياجرا .. فعلمت أن الضغط في الشريان الرئوي لم ينضبط بعد .. لأن الفياجرا من أفضل العلاجات لضبط الضغط في الشريان الرئوي .. كما أنها تستخدم مع الأطفال المبسترين.. أحضرها بسرعة الأخ طلال.. وتم إعطائها الجرعة المناسبة منها.
انفض هذا الجمع من الأساتذة وبقى منهم فقط أ.د/ خالد سمير.. عرفته بنفس وجلست إلي جواره.. سأله عن تطور حالة "نوران".. فقال:
نريد ضبط الضغط في الشريان الرئوي.. وعموما ً حالتها لم تستقر حتى الآن.
عرفت أنه حاصل على ثلاث شهادات دكتوراة في جراحة القلب من كندا وفرنسا وأمريكا .. وأنه مكث قرابة 17 عاما ً في الخارج مبعوثا ً من جامعة عين شمس لتعلم جراحة قلب الأطفال .. وجراحة زرع القلب .. وأنه يجيد هذه الجراحات.
فقلت له : ولكن لا توجد جراحات زرع قلب في مصر.
فقال بكل أسى: " لقد أنشأنا في عين شمس أكاديمية لجراحات القلب من أجل ذلك.. وتعلمنا هذه العلوم سنوات طويلة في الخارج .. ولكننا الآن نفاجئ أنهم يريدون بيعها أو تأجيرها لكي تعمل بنظام القطاع الخاص في الولادة وغيرها من التخصصات التي تجلب أموالا ً كثيرة .. كل شيء أصبح عرضة للبيع الآن في مصر" .
ثم قال: " إن السعودية تقوم الآن بزرع القلب قبلنا.. رغم أن إمكانيات أطبائنا وجراحينا أعظم بكثير منهم .. بل لا مقارنة بيننا وبينهم في ذلك".
ثم أشار إلي أقدم نائب في القسم " النائب السنيور".. قائلا ً:
هل تصدق أن هذا الرجل الذي نعده كجراح عظيم للقلب يتقاضى 400جنيه.. وهو يعمل 22 ساعة في الـ24 ساعة
قلت: نعم .. أنا لم أره نائما ً أبدا ً .. دائما ً أراه في غرفة العمليات أو غرفة العناية
قال: هل هذا يليق بكرامة عالم المستقبل ؟ .
ثم قال: إننا نحاول منذ فترة إنشاء جمعية خيرية ترعى هذه الجراحة وترعى أطباؤها ومرضاها وممرضيها .. وتنشر هذه الأقسام في ربوع الجمهورية.. وتنفق على البعثات والمؤتمرات الخاصة بهذا العلم .. ولكن الروتين والبيروقراطية تعطل كل شيء .
قلت له: ما الاسم المقترح للجمعية؟
قال: القلوب الخضراء " green hearts ".
قلت: أنتم تحيون الأنفس التي تكاد تموت.. وعملكم يصدق عليه قول الله تعالى: " وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً"
قال: هذه الآية تصلح شعارا ً لجمعية القلوب الخضراء
وبعد وفاة " نوران" بأسبوعين اتصلت به فقال:
لقد اتخذنا قوله تعالى " وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " شعارا ً للجمعية .. ووافق الجميع على ذلك .
قلت له في غرفة العناية : أنها أفضل شعار لها .. ثم لماذا لا تتحدثون عن هذه الوحدة وجمعيتكم في التلفزيون والقنوات الفضائية.. مثلما فعل د/ مجدي يعقوب.. والذي أعلن عن مركزه الذي أقامه في أسوان في كل هذه المنابر الإعلامية .
قال: د/ مجدي يعقوب لا يستطيع الآن إجراء أي جراحات قلب.. لأنه جاوز السبعين ويده تهتز بشدة .. ومركز أسوان تشرف عليه جمعية تبشيرية فرنسية أعرفها جيدا ً .. لأنني حاصل على الدكتوراة وزمالة القلب من فرنسا .. وعدد العمليات الجراحية التي تجرى هناك قليلة جدا ً جدا ً .. ولا يقارن عددها بعدد الجراحات التي تجرى عندنا .. والجميع يعلم ذلك .
ولكن د/ مجدي يعقوب "رجل واصل" .. أما نحن فلا يعرفنا أحد.. ولذلك ورغم أن مركز أسوان عمله العلمي والجراحي قليل جدا ً جدا ً .. إلا أنه استطاع أن يجمع 40 مليون جنيه في شهر واحد .. أما نحن فلا يعرف أحد عن عملنا الدائب شيء.
قلت له: ألا تذهب إلي برامج مثل مصر النهاردة .. ومحمود سعد .. والقنوات والصحف؟
قال: أمثالنا ممن يعملون في صمت لا يستطيعون الوصول إلي هؤلاء .. ود/ مجدي يعقوب وصل إلي هؤلاء بعد مقابلته لرئيس الوزراء .. فانفكت كل العقد أمامه.
قلت له: هل مرضى العيوب الخلقية في القلب عندنا أكثر من أوربا؟
قال: نعم .. وبكثير.. وذلك لأسباب عديدة منها زواج الأقارب والتلوث .. وزيادة نسب الداون.
قلت: نعم .. فمرض الداون كان 1: 20.000 والآن أصبحت النسبة 1: 150 .. فكل 150 شخص يقابلهم مريض داون .. وكل ذلك أظنه من التلوث .
ثم أردف د/ خالد قائلا ً:
"إن مشكلتنا في جراحة القلب هنا هي مشكلة التمريض.. فنسب النجاح في جراحاتي في كندا وفرنسا كانت أعلى بكثير منها في مصر.. وذلك بسبب التمريض.. فنحن لا نجد العدد الكافي من الممرضات في القسم".
قلت:
"نعم.. فقد قرأت الإعلانات الكثيرة المنشورة في القسم عن طلب ممرضات.. وقد عرفت بعد ذلك أن العمل في هذا القسم مضني جدا ً.. وكل الممرضات ذوات الخبرة العالية يتركن القسم إلى غيره لرعاية أولادهن.
وقد قابلت مدام/ وفاء.. ومدام/ ماجدة وكلتاهما كانت "سينور" تمريض في القسم.. وتركتاه إلى أقسام أخرى لرعاية بناتهن في الجامعة.. أما الأخريات فيسافرن إلى دول الخليج ولا يعدن أبدا ً".
قال:
"لأن أجر الممرضة متدني جدا ً.. وتعمل هنا في القسم 24ساعة في الـ 24ساعة.. وتبيت عدة أيام في القسم دون حافز يشجعها على كل هذا العناء.. والذي قد يهدد مستقبل زواجها إن لم تكن قد تزوجت.. أو استمراره إن تزوجت.
لقد أنشأنا جمعية "القلوب الخضراء" من أجل تكريم هذه الكوادر وإعطائها ً حقها ودعمها.. فلا تتساوى مع غيرها ممن لا يقمن بأي مجهود يذكر.. وليست مسئولة عن حالات طبية خطيرة مثل هذه".
نوران والوداع الأخير
بعد هذا الحوار الطويل غادر الرجل العناية .. ثم غادرت العناية المركزة ثم عدت إليها عدة مرات مع زوجتي .. كان الضغط 33 وكان هذا خطيرا ً .. ولكن الحالة تحسنت بالليل .. وأصبح الضغط 75 أي قريبا من المعتاد.. حمدت الله على ذلك .. ورجوت ألا يفجعنا الله فيها .. ونحن في غربتنا هذه أو نعود بدونها .
طوال الليل ظلت زوجتي تصلي وتدعو .. فهذه أول ليلة تبيتها دون "نوران" .
أما أنا فطوال الأشهر الماضية احتار ماذا أدعو.. فلا أجد سوى دعاء سيدنا أيوب الأثير فأقول: "رب مسنا وأهلنا ونوران الضر .. وأنت أرحم الراحمين".. وأدعو بالعافية .. واترك الاختيار لله .. فقد وصلت إلي حالة من التسليم الكامل لله سبحانه .. وأوكلت له الأمر برمته.
في الصباح.. قالت لي زوجتي: اذهب واطمئن على "نوران" فقلبي يأكلني عليها .
حاولت دخول العناية المركزة فوجدت صدودا ً غير معهود.. قابلت رئيسة التمريض في الخارج .. فقلت لها : أنا لا أريد الدخول الآن .. ولكن أريد فقط أن تخبريني بضغطها ونبضها فقط .
فراوغتني وقالت: الحالة غير مستقرة.
فقلت لها: أعلم ذلك .. فأنا دكتور كما تعلمين .. وأريد معرفة الضغط والنبض فقط.
فلما حاصرتها قالت: إن قلبها توقف.. ونحن نشغله الآن بالجهاز الكهربائي لمدة نصف ساعة .. فإن لم يستجب فالبقية في حياتك .
فقلت: "إنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ " .
استأذنت من د/ أيمن عبد الله لرؤيتها قبل خلع جهاز التنفس الطبيعي فوجدتهم قد وضعوا بارفانا ً خاصا ًً عند سريرها .. فأدركت أنها النهاية والوداع الأخير .
قبلتها وبكيتها في صمت شديد وصبر أعددته طويلا ً لمثل هذه اللحظة.. حيث رأيت رؤيا تأمرني باحتسابها عند الله قبل ذلك بشهرين.. ولم أعلم أحدا ً بها .
قلت لنفسي : "المشكلة الآن في زوجتي.. فهي لا تتحمل هذه الصدمة أبدا ً .. وهي الآن وحدها .
عزمت أن أحضرها دون أن أخبرها بموتها لتقبلها قبل الفراغ من الإجراءات وقبل سحب الأجهزة" .
أحضرتها حتى إذا كنا قريبا ً من غرفة العناية المركزة قالت لي رئيسة الممرضات دون قصد :
"البقية في حياتك" .. فانهارت زوجتي .. وكنا وحدنا في ذلك التوقيت المبكر .. وليس هناك من يصبرها أو يشد من أزرها سوى الممرضات.
تذكرت أنى لم أحسب حساب هذه اللحظة جيدا ً.
اتصلت سريعا ً بالشيخ عصام دربالة وكان قادما ً لزيارتنا مع زوجته أن يسرع الخطى .. لأنني في حاجة إليهما الآن وشرحت له الظروف.
واتصلت بالأخوين حمدي كامل ورمضان عبد الشافي ليحضرا زوجتيهما سريعا لكي أتفرغ لاستخراج الأوراق الرسمية.. وتغسيل وتكفين الجثمان.. فلن أتحرك لذلك إلا بعد حضور هؤلاء الأخوات.
ثم قلت لنفسي: آه.. ما أشد أن يتعرض إنسان لمثل هذا الموقف العصيب بمفرده.
وقلت: لولا تكاتف الناس مع بعضهم في الأحزان ما استطاع أحد أن يدفن ميته أو يتصرف في حياته في هذه الأيام العصيبة.
وما ينطبق على الأحزان ينطبق على الأفراح والزواج في مصر.. فلولا مساعدة الأسر للعريس والعروسة ما استطاعا الزواج أبدآ.
أكد لي هذا المعنى حادثة بسيطة في هذا اليوم.
فبعد أن انتهيت من استخراج شهادة الوفاة وتصاريح الدفن مع الأخ/ طلال والأخ/ عادل السيد وجدت امرأة شابة تسير في الشارع الخلفي لمستشفى الدمرداش وهى تنتحب وتبكى تارة .. وتصرخ في الشارع تارة.. وترثى حالها تارة.. وتشتم في المستشفى تارة.. وعلمت أنها جاءت من الريف لرؤية ابنها في المستشفى فوجدته قد مات .. ونقل من العنبر لثلاجة المستشفى .. ولم تكن تتوقع هذا الأمر .. وقد جاءت وحدها . .
وها هي تسير في الشارع وحدها ولا أحد يلتفت إليها .. فقلت للأخوين / عادل وطلال:
من الخطأ الجسيم أن يكون الإنسان وحيدا ً في مثل هذه الأماكن.. والله لولا ما أنا فيه من الكرب لذهبت إليها وساعدتها في هذه المحنة .. ولكننا اليوم شركاء معها في المحنة .. وتخيلت أنها ستسافر بهذه الطريقة إلي المركز ثم القرية لتحضر أسرتها .. ثم .. ثم ...
والغريب أن أحدا ً ممن يسيرون في الشارع التفت إليها.. أو حاول أن يساعدها بشيء.. فقلت في نفسي: واسفااه .
ثم قلت: لقد أكرمني الله بمن يقف إلي جواري في هذه المحنة.. فقد قدم هؤلاء الإخوة على الفور .. وكان الشيخ/ عصام وزوجته الفاضلة سيأتيان إلينا أصلا ً .. وقد وصلا إلي القاهرة قبل الوفاة .. وأسرعا الخطى إلي المستشفى فور علمهما بالوفاة .
وقد كان للسيدة الفاضلة زوجته أكبر الأثر في تهدئة زوجتي .. فهي شقيقتها وأعرف الناس بها .
وجاء الشيخ محمد ياسين بسيارة مكيفة لقريب فاضل له اسمه الأخ/ عماد سيد سافر بنا مشكورا ً إلي الإسكندرية وتحمل معنا تلك اللحظات القاسية.. وصمم على المسير معنا إلي المقابر احتسابا ً لذلك عند الله ودون أجر.
ما أجمل التكاتف والتآلف والتآزر في الشعب المصري في أوقات الأزمات عامة وفي الموت خاصة .
لقد جاء إلي ًَّ رئيس حرس المستشفى الرائد/ أحمد كرم بنفسه مشكورا ً بعد أن سألته عن الإجراءات في مثل هذه الحالات.. وكنت وقتها وحدي.
فقال: اطمئن ستنتهي كل الإجراءات في سهولة ويسر بإذن الله.. وعزاني بحرارة وصدق .. وكان نعم العون لي هو ورجاله في معرفة كيف تتم الإجراءات الإدارية .. وأين الكفن والغسل..و...و...و.. ولم يتركنا يومها حتى ودعنا عند باب المستشفى متأثرا ً جدا ً بما حدث .
فكم تحتاج مثل هذه اللحظات إلي من يربت على كتفيك أو يشد أزرك.. أو يحضر لك سيارة أو... أو...
لقد كانت دموع فراش المستشفى الذي عاشرنا هذه الأيام مواساة طيبة لي في هذا الموقف.. وكان يراني أحملها وأسير بها في طرقات المستشفى.. " فالإنسان قليل بنفسه كثير بإخوانه وأحبائه" .
حبست دموعي فقد تعودت على ذلك حتى جاء وقت الغسل .. فإذا بها تنهمر كالسيل دون أن أشعر.. وأنا استرجع وأقول في نفسي:
" اليوم آن لك يا ابنتي أن تستريحي من العناء والألم والعذاب ".
وبعد الكفن حملتها تارة .. وحملها عني الأخ طلال تارة .. ثم ركبنا السيارة ومعنا الشيخ/ عصام وزوجته الفاضلة والتي أعانت زوجتي على الصبر .. وشجعتها على تحمل هذه اللحظات عائدين بسرعة .. وجاوزنا السرعة المقررة .. فأوقفوا السيارة مخالفة .. فإذا بالأخ / عماد سيد يدفع الغرامة صامتا ً ويسلم للأمين رخصة قيادته.. قبل أن نمد أيدينا بدفعها.. لأنه فعل ذلك من أجلنا .
فذهبت إلي الضابط على مكتبه قائلا ً له:
" ابنتي توفيت في القاهرة ..وأسرعنا للوصول إلي الإسكندرية قبل الغروب" .
فنظر من بعيد إلي الأوراق مطرقا ً .. ثم ألغى المخالفة بعد تسجيلها وأعاد الرخصة في صمت شديد.. ثم أدى الأمين التحية تعظيما ً للموت .
فقلت: هذه بركاتك يا نوران حتى بعد وفاتك .
وأعظم شيء في الشعب المصري إجلاله الموت واحترامه ومهابته لهذه اللحظات.
وهكذا انتهي كل شيء .. انتهى الألم وتوقف القلب المتعب عن الخفقان .. وآن له أن يستريح.
وصدق فيها قول الشاعر العملاق / هشام فتحي أبو خلاد وهو يقول على لسانها:
كل نهده تهز صدري
والألم يشهد عليا
قلبي كان ينبض بصدرك
لما كنت تلف بيا
لقد تعلمت أسرتي من "نوران" الكثير والكثير.. مما يصعب حصره .. وما زلت حتى اليوم افتقد أيامي معها رغم صعوبتها .
وقد كان من آخر بركاتها أن بعض أساتذة جراحة القلب في القسم قالوا لي:
"أي حالة قلب مستعصية تحتاج لجراحة فأرسلها إلينا مباشرة اختصارا ً للوقت .. لأن كل دقيقة لها ثمن في هذه الحالات ومعظم الأهالي لا يدرون ماذا يفعلون مع حالات أولادهم"
وكم كنت أقول لها حين تبكي وتتألم : "مالك يا حبوب بوب .. بوب .. بوب"
وقد يفلت لساني وأقول لأي طفل مريض يبكي حينما أفحصه في عيادتي .. فأقول له دون أن أدري:
مالك يا حبوب .. بوب .. بوب
الجمعة الموافق
18-1-1432هـ
24-12-2010م
| الإسم | م أحمد بدوي |
| عنوان التعليق | عزاء واجب |
| لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شئ عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب
عظم الله أجرك في مصابك
وآجرك في مصيبتك
ورزقك خير منها |
| الإسم | سيد بدير |
| عنوان التعليق | كم كنت اتمنى -- ان اكون معك |
| لقد ثار هذا السؤال فى ذهنى ياترى الدكتور الغالى كان بينزل على مين فى القاهرة ومن كان يلازمه -- ثم هدأت من نفسى وقلت احبابه كثير غير ان الطفلة الملاك مثل نوران ييسر الله لاهلها ويكفيهم ماهم فيه فهو سبحانه حكم عدل -- وكم كنت اتمنى ان اكون بجوارك فى هذه اللحظات فانا احبك فى الله كثيرا واعتز وازهو بهذا الحب ووالدتى قاهرية المنبع يعنى نصف اهلى من هناك بخلاف اختى الكبرى واخى الاكبر وكل هؤلاء كان يشرفهم الوقوف معك -- وربنا يعافيك باذنه من كل سوء اتمنى ان تشركنى فى الفرح باذن الله فى اى مناسبات قادمة -- كتب الله لك بكل لحظة رضا من ربك الكريم وجمعك بهذا الملاك الجميل فى الجنة انت واخوتها وامها --- امين |
| الإسم | محمد تيسير |
| عنوان التعليق | من نوران بنتك حبيبتك اوعى تنساها في صلاة |
| أسال الله ألا يحرمكم أجرها وألا يفتنكم بعدها
لقد منعني البكاء عن الكتابة ,, فإليك كلمات هشام فتحي
هو إيه في الدنيا باقي؟
تاني أكبر من حكايتي
لسه فاكرة عنيك يا بابا
لما تتقابل بصورتي
وانت تسهر جنب مني
كنتِ سامعهْ تقول "حبيبتي"
تِيجي "فرحهْ " تغنّي ليّا
حُزني واقفْ لابتسامتي
**********
كنت فاهمه إن الحكاية
هيّه دفترْ ذكرياتْ
كنت فاهمه إن النهاية
هيّه أقرب للمماتْ
شفتِ صورتي في المراية
فيها معنى المعجزاتْ
لما ضمتني بحنانك
قمتِ نستني الآهاتْ
كان ميلادي فْ يوم وفاتي
والسنين عدتْ ساعاتْ
هّيه أحلامي وحياتي
لما عدّى الليل وفاتْ
والفراق مكتوبْ علينا
مهما عشنا في الحياةْ
من نوران بنتك حبيبتك
أوعَ تنساها ف صلاةْ
|
| الإسم | أحمد زكريا |
| عنوان التعليق | أبكيت عيوننا ...وذكرتني بمراثي الخنساء |
| والله لم أتمالك دموعي عندما قرأت موقف الضابط،الذي قام بعمل المخالفة،وهذه المقالات ياليتها تجمع في كتيب ،ويجمع فيها كل ما ألف عن نوران من شعر ونثر.
وكذلك كل ما كتب عن الشيخ عبدالناصر نوح.
فهذه تفردات جديدة في الكتابة،ولون أدبي ندر وجوده الآن.
ويصلح لكل الناس مسلمهم وغير المسلمين. |
| الإسم | الطامع فى عفو الله |
| عنوان التعليق | مدرسة الدعوه ونهر العطاء |
| ان لله وانا اليه راجعون |
| الإسم | عبدالكبيرمحسب |
| عنوان التعليق | لالهلك الناس .. نعم للتفاؤل |
| كلامك يا دكتور ناجح كشمعة مضيئة وسط ظلام السلبيات في المجتمع فما من أحد يتحدث إلا وملخص كلامه "هلك الناس " حتى أصاب الناس اليأس والإحباط من كثرة الكلام عن أحوال الناس والمجتمع أما كلامك فيبعث تفاؤل في النفوس الحزينة علي أحوالنا .. بقدرتك علي استخراج إيجابيات من وسط ركام السلبيات التي تملأ حياتنا وتريد أن توصل رسائل أن المجتمع لا يزال فيه من الخير الكثير وأن بذور الخير موجودة في النفوس تريد من يرويها ويتحدث عنها ويظهرها و أن الرحمة موجودة بين الناس علي الرغم مما أصاب حياتهم من متغيرات سلبية .. وهذه بركات نوران التي أصبحت مدرسة نتعلم منها ..فجزأك الله خيرا . |
| الإسم | د / نصر عبد المطلب عيد - السعودية |
| عنوان التعليق | فصبر جميل |
| انا لله وانا اليه راجعون
ان القلب ليحزن وان العين لتدمع وانا على فراقك يا نوران لمحزونون
نسأل الله العلى القدير أن يلهم شيخنا الحبيب د / ناجح
وأسرته الصبر والسلوان وأن يخلفهم خيرا وأن يجعل الصغيرة نوران شفيعا لهم يوم القيامة |
| الإسم | عبد الله العطار |
| عنوان التعليق | رحمها الرحمن |
| السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
نسأل الله أن يرحمها و أموات المسلمين
و أن يرزقكم الصبر و يجزيكم عليه و يعوضكم خيراً في الدارين .. و الله المستعان |
| الإسم | أحمد محمود بدير |
| عنوان التعليق | قرأت الأخيرة |
| بدأت فى أول مرة أقرأ ماتكتبه فضيلتك عن نوران فتأثرت جدا فلم أكمل القراءة وآثرت ألا أقرأ عنها شيئا لشدة ألمى لها وخاصة بعد ما قرأت ما كتبه أخى سيد بدير عن تأثر أهل بيته جميعا بحكاية نوران فأنا أعرف بالطبع رقة طباع أولاده ولكننى وجدت نفسى دون أن أدرى أقرأ الأخيرة وأكتم دموعى بكل قوة فأنا أقرأ فى مكان عملى وأمام الناس .. فلك الله يا شيخنا الحبيب ولقد أرسل أحد الاخوة عزاء لنا بعد وفاة والدى رحمه الله وكنا وقتها فى المعتقل متفرقين فى السجون فقال مما قال : والدك ليس أعظم على الله من رسول الله فقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرجو من الله العظيم الكريم الحليم أن يجمعك بنوران أنت وجميع أحبابك فى الفردوس العلى من الجنة بغير سابقة عذاب ولا مناقشة حساب فهذا غاية ما نرجو |
| الإسم | أبو سارة |
| عنوان التعليق | أبكيتنا يا شيخنا |
| أبكيتنا يا شيخنا، والله يجمعنا بها في الفردوس الأعلى... |
| الإسم | أبو عمر عبد العزيز |
| عنوان التعليق | البر لا يبلى |
| شيخنا الحبيب كم عنيت أنت والأسرة الكريمة مع الحبيبة الغالية نوران ولعل الله أدراد يجزل لكم العطاء ويذدكم من الحسنات ولنا الأسوة في الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وموت الحبيب ابراهيم ابنه وهو في صغره .وهكذا يكون جزاء الاحسان للناس يكون احسانا فكم وقفت مع كثير من الأسر وكم وسيت وخففت عن الكثير من الأحزان والألام فكان الجزاء من جنس العمل سخر الله لحضرتك من يقفون معلك دون سابق ترتيب أو موعد والأهم في ذالك إنه عن حب وتلذذ بأي شئ يفعلونه من أجلك . |
| الإسم | بخيت خليفة |
| عنوان التعليق | دعوة لنشر هذه المعاني النبيلة |
| لو أن مثل هذه الابوة والامومة الحقة وجدت في كل الاباء والامهات ، لو ان هذه الاخوة وجدت بين كل الناس ، لو ان هذه الرحمة العظيمة ملأت كل القلوب ، لو أن هذ التعاون عم كل البلاد ، ما وجدنا حزينا ولا كئيبا ولا محروما ولا بائسا ، ليتنا ننشر هذه المعاني بين الناس ، غفر الله لنوران وللوالديها ولكل من ساهم في قصتها ، وتوقفت كثيرا عند اهتمام الدكتور بكل اللحظات ومدي الاستفادة منها ، وعظيم هذا الشعار " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " ، |
| الإسم | محمد عثمان بورسعيد |
| عنوان التعليق | لله ما اخذ ولله ما اعطى وكل شئ عنه بمقدار فلتصبر ولتحتسب |
| شيخنا الحبيب
احببناك قبل ان نراك ورجونا من الله ان نلقاك
واحببنا نوران من غير ان نراها
ونتمنى من الله ان يجمعنا بها فى الفردوس الاعلى |
| الإسم | محمد عثمان بورسعيد |
| عنوان التعليق | لله ما اخذ ولله ما اعطى وكل شئ عنه بمقدار فلتصبر ولتحتسب |
| شيخنا الحبيب
احببناك قبل ان نراك وتمنينا من الله ان نلقاك
واحببنا نوران من غير ان نراها
فارجو من الله ان يجمعنا بها فى جنته |
| الإسم | أبو عبد الرحمن الحواس |
| عنوان التعليق | أعظم أجركم فضيلة الشيخ وجعلها ذخراً لكم |
| إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب |
| الإسم | أحمد محمود بدير |
| عنوان التعليق | التعليق الأخير |
| لقد أحسست أن كل من قرأ عن نوران لايملك دموعه وخاصة أن الجميع يعرف والدها طبيب القلوب والأبدان فقلت هذه رحمة عظيمة من الله أن يجد العبد من يشاركه مآسيه .. ولكن كم من (نوران ) أخرى فى بلدنا لا تجد لها والدا حنونا مثل فضيلة الدكتور ناجح له أصدقاء وأصحاب أطهار مثل اخواننا يواسونه ويخدمونه .. كم من (نوران ) أخرى تموت فى طرقات المستشفيات ولا يبكيها غير أمها المسكينة و والدها الفقير وقد كانت تحتاج فقط لبضع جنيهات لعملية جراحية أو زجاجة دواء أو حقنه غالية الثمن وقد ينفق أضعاف أضعاف ذلك على لافتة لمرشح للمجلس الموقر أو سرادق لاستقبال وزير وان شئت فقل شراء لاعب كرة أو مهرجان سينمائى .. فلك الله يا نوران القادمة فى مصرنا الحبيبة |
| الإسم | عنترمحمد |
| عنوان التعليق | لاادري مااقول |
| لكن لانقول الا مايرضي ربنا انا لله وانا اليه راجعون |
عودة الى دروس في الدعوة
|