|
وداعا ً للفوضوية (الحلقة الأولى) نحو استثمار أمثل للجهود والطاقات...
[ ما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين وأن يرسل نظرات نافذة فى جوانبها ليعرف عيوبها وآفاتها وأن يرسم السياسات القصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلص من هذه الهنات التى تزرى به ] الشيخ /محمد الغزالى
إن الناظر المتأمل فى حياة المسلمين اليوم سوف يلاحظ قدرا ً كبيرا ً من الفوضى والإضراب يغشى حياتهم ، ويخالط الكثير من تصرفاتهم وسلوكهم ..وتلك حقيقة واقعية لا مبالغة فيها ..فالفوضوية ضارية بأطنابها فى مختلف المجالات ، وعلى شتى المستويات ..سواء فى مجال الفكر أو فى مجال السلوك ..حتى صار مسلمة اليوم كمن يتحركون فى ظلام دامس دون توقف عن الحركة ..وهم مع ذلك لا يبصرون مواقع أقدامهم ، ولا يدرون هل هم فى تقدم ، أم إنهم ما زالوا يراوحونه فى مكانهم ضمن صفوف المتأخرين .
وتزداد هذه المأساة حدة وعمقا ً حين تتسلل الفوضية إلى صفوف الدعاة إلى الله تعالى – وهم الذين تعلقت بهم الآمال ، وتوجهت إليهم الأنظار ..وانعقد عليهم حلم إقالة الأمة من عثرتها ، وإعادة عزتها الغائبة وكرامتها المفقودة ..فإذا بالكثيرين منهم يقعون فى أسر هذا الداء العضال – داء الفوضوية – سواء فى طريقة تفكيرهم ، أو فى طلبهم للعلم أو سعيهم للدعوة إلى الله ..بل حتى فى أمور حياتهم المعيشية .
إن الأمر جد خطير ..وإن أول خطوات الطريق نحو النهضة والتقدم أن يبادر الدعاة إلى الله بعلاج أنفسهم ..وأن يسعوا سعيا ً حثيثا ً لخلع ربقة الفوضوية عن أعناقهم ، مستعينين بالله تعالى ، ومستمسكين بقيم الإسلام العظيم الذى حث أتباعه على النظام ..وأعلى من شأن المنهجية فى الفكر والسلوك .,
ولو كنا حقا ً نطمح فى إصلاح حال أمتنا ، وإعلاء شأن ديننا وأوطاننا ، فعلينا أن نعلم أن لله فى كونه سننا ً لا تتبدل ولا تتغير " ولن تجد لسنة الله تبديلا " وأنه سبحانه لا يحابى ولا يجامل فى سنته أحدا ً من الخلق ..ومن ذلك ، أن للتقدم والرقى أسبابا ً من أخذ بها وسار على نهجها . ساد وارتقى فى الدنيا ، وإن كان من غير المسلمين ومن أهملها وأعطاها ظهره ، وآثر الإخلاد إلى النوم والدعة ، فلا يلومن إلا نفسه حين يصير فى ذيل القافلة ، وإن كان من المؤمنين الصالحين .
وسوف نحاول سويا ً – فى هذه السلسلة – أن نطل على داء الفوضوية لبيان حقيقته ، واستكشاف جوانبه ..وذلك من خلال التوقف عند محطات ست وهى كالتالى : -
المحطة الأولى : تعريف الفوضوية .
المحطة الثانية : لماذا الحديث عن الفوضوية ؟
المحطة الثالثة : أسباب الفوضوية .
المحطة الرابعة : مظاهر الفوضوية .
المحطة الخامسة : آثار الفوضوية .
المحطة الأخيرة : علاج الفوضوية .
أخى القارىء الكريم ..آن لك أن تأخذ أهبتك ، وأن تحزم أمتعتك لكى نقطع سويا ً هذه الرحلة المباركة للتعرف على داء الفوضوية ..ولتكن هذه الرحلة صيحة تحذير من قلب مشفق ، تهيب بكل مسلم أن يتجنب الوقوع فى أمر هذا الداء ،حتى يتسنى له أن يسعد فى حياته وأن يقوم بمهمته الربانية التى انتدبه الله لها خير قيام .
المحطة الأولى تعريف الفوضوية
" الفوضوية "إسم مشتق من كلمة " الفوضى" بالنسبة إليها ثم تأنيثها : فوضى - فوضوى - فوضوية وحتى نتعرف على معنى الفوضوية ينبغى علينا الرجوع إلى تعريف " الفوضى" فى معاجم اللغة .وإذا نظرنا فى المعجم الوجيز وجدنا أن " الفوضى " هى : تفرق الأمر واضطرابه ، ويقال :قوم فوضى : ليس لهم رئيس .
قال الأفوه الأودى :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهــــالهم سادوا
أى لن يصلح حال قوم بدون قائد يوجههم وينظم جهودهم وطاقاتهم ، وكذا الحال لن ينصلح إذا كان قائدهم من الجهال الذين افتقدوا النظر الثاقب والبصيرة النافذة.
ومن خلال ما سبق يمكننا أن نعرف الفوضوية فنقول :
" هى حالة عامة من اضطراب الفكر وتشتت العمل وتبعثرالجهود والطاقات دون الوصول إلى الهدف المقصود أو النتيجة المرجوة "
بين الفوضوية ..وتضييع الوقت :
وهناك فرق واضح بين الفوضوية ، وبين تضييع الوقت دونما فائدة ..إذ إن الفوضوية - بتعبير أدق - هى سوء استغلال الوقت ، لا تضييعه .
فالشخص الفوضوى لا يكون فى غالب الأحيان ممن يضيع وقته ..بل على العكس – يحافظ على الوقت ، ويبذل الكثير من الجهد دون كلل أو ملل ..ولكن جهوده مشتتة ، وأعماله ضائعه لا تحقق ثمرة ولا تصيب هدفا ً ..وهذا هو عين الفوضوية .. إنها انعدام الفعالية .. إذ لا يكفى لكى يكون الشخص فعالا ً أن يكون مشغولا ً بصفة دائمة .. فقد ينشغل بأمور صغيرة تافهة ، ويترك أمورا ً أكبر وحاجات أهم .
ولعلنا بهذه الكلمات نكون قد اقتربنا كثيرا ً من التعرف على داء الفوضوية .. وهنا يثور سؤال : لماذا الحديث عن الفوضوية ؟ وما هى أخطار هذا الداء العضال ؟
وهذا ما سوف نتعرف عليه حين نحط رحالنا فى المحطة القادمة بإذن الله .
نستودعكم الله ......والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بقلم /أسامة محمد عبد العظيم
عودة الى دروس في الدعوة
|