|
إن الله لا يضيع أهله.. أعظم درس من آل إبراهيم للأمة
بقلم د/ كمال تمام
ما زالت ولا تزال قصة الخليل إبراهيم والذبيح إسماعيل حية نابضة يمعن فيها النظر فتستقى منها العبر.
يسبح المبتلى في معانيها فيجد التسرية والتسلية.
خصوع وإذعان.. انقياد واستسلام.
فواعجبا من شيخ كبير فان أذعن وانقاد.. ومن صغير يافع لبى وأجاب.
يا الله.. يرتفع نبل الطاعة.. وعظمة الإيمان.. وطمأنية الرضا وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان.
رجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادا ً.
وغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعا ً.
وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانا ً.
يا الله.. ثقة وطاعة.. طمأنينة ورضا.. تسليم وتنفيذ.
لقد أسلما.. لقد أديا .. لقد حققا الأمر والتكليف.
الابتلاء قد تم.. والامتحان قد وقع.. ونتائجه قد ظهرت.. وغاياته قد تحققت.. ولم يعد إلا الألم البدني.. والدم المسفوح والجسد الذبيح .
ولكن: إن الله لا يضيع أهله.
يأتي الفرج من السماء وينادى على الخليل:
"قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا".. جدت بكل شيء.. وبأعز شيء.. جدت به في رضا وهدوء.. وفي طمأنينة ويقين.
ويسدل الستار لتعلم الأمة جمعاء "أن الله لا يضيع أهله" ما داموا مذعنين خاضعين راضين مستسلمين.
إي وربي.. إن الله لا يضيع أهله.
كلمات تخرج من في أمين السماء لأمنا هاجر عليها السلام.
يوم أن جلست وحيدة في صحراء جرداء.
يوم تقطع قلبها وتمزق فؤادها على وليدها.
يوم انقطعت بها الأسباب المادية.. وأيقنت بهلاكها.. وهلاك رضيعها.
تأتيها البشرى من السماء "إن الله لا يضيع أهله".
بل يفرج كرباتهم ويقضي حاجاتهم.. ويقيل عثراتهم.. ويغيث ملهوفهم.. ويجيب مضطرهم.. وينصر مظلومهم.
يكتنف لطفه الخفي العباد من أمامهم ومن خلفهم.. وعن أيمانهم وعن شمائلهم.. ومن فوقهم ومن تحت أقدامهم.
صاحب اللطف الخفي هو الله رب العالمين سلم الحبيب "صلى الله عليه وسلم" في الغار.. وفرج عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار.. وأنجى إبراهيم من النار.. ونوحا ً من الطوفان.. ويوسف من الجب.. وأيوب من المرض.
"إن الله لا يضيع أهله".. بل يثبتهم على دينهم.. ويربط على قلوبهم برباط وثيق لا ينفك أبدا ً.. وينصرهم على عدوهم مهما خططوا ودبروا وكادوا ومكروا ً.
"إن الله لا يضيع أهله".. بل ينجيهم من أحلك الكروبات.. وأهلك المهالك.. وأشد الأزمات ويجعلهم آية وعبرة لأولي الأبصار.
إخوتاه هذه:
ثمرة من ثمرات قصة الخليل إبراهيم والذبيح إسماعيل وأمنا هاجر أن الله لا يضيع أهله.
فاسألوا القلوب تجيب:
كم مرة خفنا من الموت فما متنا؟!!!
كم مرة ظننا أنها القاضية والنهاية فإذا هي العودة الجديدة والقوة والاستمرار؟!!!
كم مرة ضاقت بنا السبل وتقطعت بنا الحبال.. وأظلمت في وجوهنا الأفاق إذا هو الفتح والنصر والخير والبشارة "قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ"؟!!
كم مرة أظلمت أمامنا دنيانا.. وضاقت علينا أنفسنا والأرض بما رحبت فإذا هو الخير العميم واليسر والتأييد " وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ"؟!!!
إخوتاه يعلمكم التاريخ:
أنه حق على العبد أن يظن بربه خيرا ً، وأن ينتظر منه فضلا ً، وأن يرجو من مولاه لطفا ً.. فإن من أمره في كلمة " كُنْ" جدير بأن يوثق بموعوده، وأن يتعلق بعهوده، فلا يجلب النفع إلا هو، ولا يدفع الضر إلا هو.
له في كل حركة حكمة، يعطي ليشكر.. ويبتلي ليعلم من يصبر.. يمنح النعماء ليسمع الثناء.. ويسلط البلاء ليرفع إليه الدعاء.
إخوتاه يناديكم التاريخ:
أيا من سئم العيش.. وضاق ذرعا بالأيام إن هناك فتحا مبينا ً ونصرا ً قريبا ً .. وفرحا ً بعد شدة، ويسرا ً بعد عسر.. ولطفا ً خفياً من بين يديك ومن خلفك.
يا من ملأت عينك بالدمع كفكف دموعك، وأرح مقلتيك، أهدأ فإن لك من صانع الوجود ولاية وعليك من لطفه رعاية.
إن الله لا يضيع أهله
| الإسم | مسلم |
| عنوان التعليق | ننتظر المزيد |
| ما أعذب هذه الكلمات جزاك الله خيرا |
عودة الى الذين سبقونا
|