عبـــــــد الله بـــــن المبـــــارك .
بقلم : عليــــوة الشــافعي .
ومع نابغة من نوابغ الزمان وفارس من فوارس الدهور نعيش هذه اللحظات السعيدة انه العالم الرباني والعابد الخاشع والمجاهد الجسور والبطل المغوار عبد الله بن المبارك لله درة فلا تكاد تطرق بابا من أبواب الخير إلا وتجده قد ضرب لنفسه بسهم نعم فلقد كان يخاف يوما كان شره مستطيرا وتبقى ساعة يلقى فيها ربه فيحاسبه على النقير والقطمير والصغير والكبير فراح يجد ويجتهد ويجاهد في كل دروب الخير واطرق البر وهذه شهادة نفر من أصحابه حينما اجتمعوا فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير, فقالوا جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والشعر والفصاحة والزهد والورع والإنصاف وقيام الليل والعبادة والحج والغزو والشجاعة والفروسية والشدة في بدنه وترك الكلام فيما لا يعنيه وقلة الخلاف على أصحابه وله يا الله !! ما هذا الرجل الذي جمع له كل هذا في هذا العمر القصير؟؟!!.
نعم إنها أنفاس الصالحين التي يزيدها له الله بركة لأنهم عاشوها في كنف الله فملاها الله عليهم فيض كرمه وألبسهم من رداء عزته, وهناك في جنبات مروا على ارض خراسان ولد ابن المبارك في عام ثمان عشر ومائة وبين أهلها نشا وترعرع فتنسم من أهلها مكارم الأخلاق وشرب من علمائها فواتح القران والفقه والحديث فانبتت في قلبه ورعا وخشيه وفتق في عقله علما وفقها وما شبع من ذلك حتى جاب الأرض شرقا وغربا عالما ومتعلما ومجاهدا.. بل انه عاش عمره متعطشا للعلم حتى قيل له يا أبا عبد الرحمن إلى متى تطلب العلم؟, قال: (لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم اسمعها بعد).
نعم.. انه تواضع العلماء الذين يفنون أعمارهم في طلب العلم الذي فيه نجاتي وبه سعادتهم شعارهم: (لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم اسمعها بعد), فراح يسبح في بحور العلم ويرتوي منها فلا يشبع أبدا حتى صار عالم زمانه وفقيه عصره ومما ساعده على ذلك ما وهبه الله من ذاكره قويه وحباه من سرعة بديهته وانعم عليه من الحفظ والفهم وهذا ما حكاه عنه صديقه صخر حيث قال:
كنا غلمانا في الكتاب فمررت أنا وابن المبارك ورجل يخطب خطبه طويلة فلما فرغ قال لي ابن المبارك قد حفظها فسمعه رجل من القوم فقال هاتها فأعادها عليهم ابن المبارك وقد حفظها واقبل ابن المبارك على العلم إقبال الظمآن على الماء البارد يأخذ منه نهمه ويروي عطشه حتى قال عنه الإمام احمد بن حنبل رحمه الله: (لم يكن في زمان ابن المبارك اطلب للعلم منه رحل إلى اليمن وإلى مصر وإلى الشام وإلى البصرة والكوفة وكان من رواة العلم وأهل ذلك وكتب عن الصغار والكبار).
وكما ذكرنا سلفا انه عندما سئل - أي ابن المبارك - إلى متى تطلب العلم؟ قال: (لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم اسمعها بعد), ولهذا أفنى عمره كله في خدمة العلم.
إما متعلما وإما معلما ولهذا كان يشتاق إلى مجالسة الكتاب والأنس بهم أكثر من شوق الحبيب إلى مجالسة محبوبه والأنس بالحديث معه.. حتى قال له احدهم إذا صليت معنا لم تجلس معنا ؟, فقال أذهب أجلس مع الصحابة والتابعين, فقالوا له ومن أين الصحابة والتابعين؟!, قال: اذهب انظر في علمي فأدرك أثارهم وأعمالهم ما اصنع معكم انتم تغتابون الناس.
ولقد كان ابن المبارك شديد الخوف والفزع من الله وكثير العبادة رحمه الله حتى شهد له أصحابه بذلك حتى حكي عنه صاحبه القاسم بن محمد فقال كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيرا ما يخطر ببالي فأقول في نفسي بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس بهذه الشهرة أن كان يصلي أنا أصلى وان كان يصوم أنا أصوم وان كان يغزو فانا أغزو وان كان يحج أنا أحج..
قال فكنا في مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعش في بيت إذا طفئ السراج فقام يعضنا فاخذ السراج وخرج يستصبح فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت بالدموع فقلت في نفسي بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا.
وفي مرة مرض ابن المبارك فجرع حتى رأوه جزعا فقيل له انه ليس بك كل ذلك وأنت تجزع هذا الجزع فقال: مرضت وأنا بحال لا أرضاه, وكان رحمه الله إلى جانب خوفه وخشيته زاهدا في هذه الدنيا رغم إنها كانت بين يديه حيث انه كان تاجرا ميسور الحال, ولقد قال له الفضيل رحمه الله أنت تأمرنا بالزهد والتقليل ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام كيف ذلك؟.. فقال ابن المبارك: يا أبا علي إنما افعل ذاك لأصون به وجهي وأكرم به عرضي واستعين به على طاعة ربي.. لا أرى لله حقا إلا سارعت إليه حتى أقوم به, فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا اذا ثم ذا
وانظر كيف بلغ الورع من ابن المبارك مبلغه يوم استعار قلما بأرض الشام ونسى أن يرده إلى صاحبه سافر حتى بلغ بلده مرو فنظر فإذا بالقلم معه فرجع حتى رده على صاحبه وكان يقول لان أرد درهما من شبهة أحب إلى من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف رحمه الله.
فلله درك يا عبد الله تسافر تلك المسافات من اجل قلم استعرته ونسيت أن ترده نعم لقد سافر قلبك وقطع المسافات والمسافات في طريق التقوى حتى بلغ ولولا ذلك ما سافر البلد ولا قطع المسافات لهذا الأمر اليسير.
ولقد قال رحمه الله لو أن رجلا اتقى مائة شيء ولم يتق شيئا واحد لم يكن من المتقين ولو تورع عن مائه شيء ولم يتورع عن شيء واحد لم يكن ورعا.. ثم انه كان في قمة التواضع بل ويبغض أن يقدمه الناس ويرفعوه بينهم حيث ورد أن داره بمرو كانت كبيرة وكنت لا تحب أن ترى في داره صاحبه علم أو صاحب عبادة أو رجلا له مروءة وقدر بمرو ألا رايته في داره يجتمعون في كل يوم حلقا يتذاكرون حتى إذا خرج ابن المبارك انضموا إليه فلما صار ابن المبارك بالكوفة نزل في دار صغيرة وكان يخرج إلى الصلاة ثم رجع إلى منزله لا يكاد يخرج منه ولا يأتيه كثير احد فقال له احد أصحابة يا أبا عبد الرحمن إلا تستوحش ها هنا مع الذي كنت فيه بمرو؟, فقال إنما فررت من مرو من الذي أراك تحبه وأحببت ما ها هنا للذي أراك تكرهه لي فكنت بمرو لا يكون أمر ألا أتوني فيه ولا مسالة إلا قالوا اسألوا ابن المبارك وأنا ها هنا في عافيه من ذلك.
فلقد كان ابن المبارك كوردة أو ريحانه يجتمع النحل حول عبيرها ويمتصون عبقها ثم يخرجون عسلا ينتفع به الناس بل فيه شفاء للناس ورغم ذلك فكان لا يحب الشهرة ولا يحب أن يرفعه الناس بل يحب أن يتوارى عن إلا عين ويتدارى عن الشهرة ويعيش بعيدا عن ضجيج الناس وصحبتهم فيرتاح باله ويتفرغ لعبادة ربه.
وبهذا التواضع الجم رفعه الله سبحانه حيث انه ما تواضع احد لله إلا رفعه الله تعالى كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وكان رحمه الله بجوار كرم أخلاقه كريم البذل سخي اليد ينفق ولا يخشى الفقر ويبذل ولا يخشى من ذي العرش إقلالا قدوته في ذلك الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه حيث اجتمع إليه أصحاب من أهل مرو فقالوا له: نصحبك يا أبا عبد الرحمن.. فيقول: لهم هاتوا نفقاتكم فيأخذ نفقتهم فيجعلها في صندوق ويقفل عليها ويطعمهم أطيب الطعام ويخرجهم من مرو إلى بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة حتى يصلوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا صاروا إلى المدينة قال لكل رجل منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة؟,
فيقول كذا فيشترى لهم ثم يخرجهم إلى مكة فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟, فيقول كذا وكذا فيشترى لهم ثم يخرجهم من مكة فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو فإذا دخلوا زين لهم أبوابهم ودورهم فإذا كان على بعد ثلاثة أيام صنع لهم وليمة وكساهم فإذا أكلوا وشربوا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته التي كان قد كتب عليها اسمه .
الم أقل انه كان سخي النفس كريما وإذا رأيناه يجود بماله إلى هذا الحد بل إلى ابعد من ذلك فلقد كان يجود بنفسه في سبيل الله مجاهدا لإعلاء كلمته لا يخشى في الله لومة لائم حيث روى عنه بعض أصحابه فقال كنا في سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من الروم فدعا إلى المبارزة فخرج إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى المبارزة فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى المبارزة فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله فازدحم إليه الناس فكنت فيمن ازدحم إليه فإذا هو يلثم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا..
ولقد كان لابن المبارك رحمه الله كلمات من نور نظمها في أبياته وأرسلها للفضيل بن عياض والذي كان يؤثر الاعتكاف بالمسجد الحرام فخاطبه ابن المبارك فقال:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا *** لعلمت انك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه **** فنخورنا بدمائـــنا تتخضب
او كان يتعب خيله في باطل **** فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا **** وهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانـــــــا من مقال نبينا **** قـــــول صحيح صادق لا يكذب
لا يستــــــــــوى غبار الله في **** أنف امرئ ودخـــان نار تلهب
هذا كتــــــــــاب الله ينطق بيننا **** ليـــــس الشهيد بميت لا يكذب
ولقد أتى بهذا الكتاب إلى الفضيل محمد بن إبراهيم ابن أبي سكينة في المسجد الحرام فلما قرأه الفضيل ذرفت عيناه ثم قال صدق أبو عبد الرحمن ونصحني ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟.. قلت: نعم.. يا أبا علي, قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا وأملى على الفضيل اخبرنا المنصور بن المعتمرعن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تستطيع أن تصلى فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ ), فقال يا نبي الله أنا أضعف من أن استطع ذلك, ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فو الله الذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهدين في سبيل الله إما علمت أن فرسي المجاهد ليستن في طوله فتكتب بذلك حسناته).
ولقد بلغ ابن المبارك رحمه الله بتلك السجايا النبيلة والأخلاق الكريمة أيما مبلغ بين الناس حتى أحبوه واثنوا عليه خيرا.. حتى لقبه هارون الرشيد يوم موته بأنه سيد العلماء وقال عبد الرحمن بن مهدي ما رأت عيناي انصح لهذه الأمة من عبد الله بن المبارك وبينما الفضل وسفيان يجلسون في مشيخة في المسجد الحرام إذ طلع عليهم عبد الله بن المبارك فقال سفيان هذا رجل أهل المشرق فقال الفضيل هذا رجل أهل المشرق والمغرب وما بينهما ويكفي بن المبارك فخرا أن زكي علمه الإمام على بن المدينى فقال: انتهى العلم إلى رجلين إلى عبد الله بن المبارك ومن بعده إلى يحيى بن معين ومن فرط حيه رحمه الله للعلم والفقه والزهد والجهاد في سبيل الله بدا كأنه رجل من الصحابة.
نعم الم تسمع خارجة رحمه الله وهو يقول لإخوانه من شاء منكم أن ينظر إلى رجل كأنه من الصحابة فلينظر إلى عبد الله بن المبارك..
ولقد ترك لنا هذا العلم حصيلة ذاخرة من المؤلفات في شتى صنوف العلم ومن تلك المراجع:
التفسير، والمسند ، وكتاب الجهاد ، كتاب البر والصلة، وكتاب التاريخ، وكتاب السنة، وأربعين في الحديث، ورقاع الفتاوى، وكتاب الزهد ويليه الرقائق.
وهكذا عاش ابن المبارك حياته إما في طلب العلم أو في بذله للناس وإما مجاهدا في سبيل ربه حتى وافته منيته سنه إحدى وثمانين ومائة لعشر مضين من شهر رمضان بعد ثلاث وستين سنة من عمره المبارك وعند الاحتضار جعل رجل يلقنه الشهادة بطريقة فظة.. فقال له انك لست تحسن أخاف أن تؤذي رجلا مسلما بعدي إذا لقنتني, فقلت: لا اله إلا الله ثم لم احدث كلاما بعدها فدعني احدث كلاما بعدها فلقتنى حتى تكون أخر كلامي.
ولقد رآه أصحابه عند الوفاة فتح عينيه فضحك ثم قال لمثل هذا فليعمل العاملون نعم لعلها منزله رفيعة في الجنة قدراها عند موته ففرح واستبشر, ومات الإمام الثقة الحجة كثيرا الحديث وأفل هذا النجم الزاهد عن دنيا الناس بعد أن كانوا يهتدون بنوره ولكن بقيت محبته التي ملأت القلوب وذكراه العطرة التي تتذكرها النفوس رحم الله الإمام ونفعنا بسيرته وعلمه.
عودة الى الذين سبقونا
|