English | اردو
  الرئـيسـية من نحن مشرف الموقع اتصل بنا سجل الزوار
  من التاريخ: النكسة بين الزعيم الملهم.. والشعب المخدوع.. والهزيمة الصادمة - دروس في الدعوة: هل سنظل نقلد الفراعنة؟ - ديوان الشعر: غَـنَّيـتُ مِصْر للشاعرة/ نادية بو غرارة - قضايا معاصرة: مصر الغنيمة السياسية.. ومصر الشراكة الوطنية - اللقاء الأسبوعي: خالد حنفي: لابد من تهيئة الأجواء ووقف الاعتقالات قبل البدء في الحوار - الطريق الى الله: أخلاق الأزمة - قضايا معاصرة: إيقاظ الوعي فرض الوقت - دروس في الدعوة: أحدثكم عن/ ناجح إبراهيم - من التاريخ: ستة قطارات لحكام مصر من عباس الأول إلى الدكتور مرسى - قصة قصيرة: خطوط الجدار - دروس في الدعوة: أسباب نشأة الحركة الإسلامية في إسرائيل - دروس في الدعوة: قتل المدنيين.. صناعة القرن - الأسرة المسلمة: ماذا يحدث عند تضخم الكلية بعد استئصال الأخرى؟ - كتب ودراسات: نيلسون مانديلا.. سيرة مصورة لسجين ألهم العالم - قضايا معاصرة: ماذا يدبر للأزهر في الخفاء؟ - اللقاء الأسبوعي: د/ سيف الدولة :مازائيل اتهمني باختراق المادة الثالثة من اتفاقية السلام - الذين سبقونا: محمد يسري سلامة .. أيها الناس؟ - الطريق الى الله: أخلاقنا.. خلق التوسط والاعتدال -  
الاستطــــلاع
رفض حماس المبادرة المصرية بسبب ؟
لم تنصف غزة
كراهية في حكومة مصر
حباً في الإخوان
لا أعلم
اقتراعات سابقة
القائمة البريدية
ادخل بريدك الالكترونى
القرآن و علومه
الحديث وعلـومه
الأخبار
  • نشرة المال والاقتصاد ليوم18/7/2014
  • أخبار الحوادث ليوم18/7/2014
  • ديوان الشعر
  • العيدُ عيدُك.. للأديبة زاهية بنت البحر
  • وطن كداب
  • الذين سبقونا
  • أبي .. كما عرفته
  • أمي.. رحيل البهجة
  • الطريق الى الله
  • رمضان كريم
  • إني أحب أن يرفع عملي وأنا صائم
  • الذين سبقونا

     - طاووس بن كيسان -

    (أبو عبد الرحمن الفارسي ثم اليمني)

     

    إبراهيم على - عبد العزيز محمود

    هناك في بلاد اليمن ولد طاووس وبين هضابها نشأ وفي ربوعها ترعرع وفي جنبات قرية (الجند) القريبة من صنعاء, تنسم عبير طفولته، وبخمسين نجما من نجوم الهداية استضاء فغمره السنا وتدفق عليه النور, فنور في قلبه ونور في لسانه ونور يسعى بين يديه, وعلى خمسين علما من أعلام مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم تخرج فإذا هو صورة لصحابه النبي صلى الله عليه وسلم في رسوخ الإيمان وصدق اللهجة والتعالي على عرض الدنيا والتفاني في مرضاة الله والجهر بكلمة الحق مهما كان ثمن كلمة الحق غاليا فلقد علمته المدرسة المحمدية أن الدين النصيحة, النصيحة لله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم وهدته التجربة إلى أن الصلاح كله يبدأ عند ولي الأمر، وينتهي عنده, فإذا صلح الراعي صلحت الرعية وإذا فسد فسدت ذلكم هو ذكوان بن كيسان الملقب بطاووس وهو لقب طلع عليه لأنه كان طاووس الفقهاء والمقدم عليهم في عصره.

    كان طاووس من أهل اليمن، وكانت الولاية في اليمن إذ ذاك لمحمد بن يوسف الثقفي أخي حجاج بن يوسف، فقد أرسله الحجاج والياً عليها بعد أن عظم أمره وقويت شوكته، واشتدت هيبته، إِثر قضائه على حركة عبد الله بن الزبير، وكان محمد بن يوسف يجمع في ذاته كثيراً من سيئات أخيه الحجاج, وفي غداة يوم بارد من أيام الشتاء دَخل عليه طاووس ومعه وهب بن منبه فلما أخذا مجلسهما عنده طفق طاووس يعظه ويرغبه ويرهبه والناس جلوس بين يديه فقال الوالي لأحد حُجَّابه: يا غلام أحضر طيلسانا (كساء غالي الثمن يلبسه الخاصة) وألقه على كتفي أبي عبد الرحمن، فعمد الحاجب إلى طيلسان ثمين، وألقاه على كتفي طاووس، فظل طاووس مستمراً في موعظته، وجعل يحرك كتفيه في تؤدة حتى ألقى الطيلسان، وهب واقفاً وانصرف فغضب محمد بن يوسف غضباً ظهر في احمرار عينيه واحتقان وجهه، فقال له وهب لقد أغضبت محمد بن يوسف غير أنه والله لقد كنا في غنى عن إثارة غضبه علينا، فماذا كان يضيرك لو أخذت الطيلسان منه، ثم بعته وتصدقت بثمنه على الفقراء والمساكين فقال طاووس: هو ما تقول، لولا أني خشيت أن يقول العلماء من بعدي: نأخذ كما أخذ طاووس ثم لا يصنعون فيما أخذوه ما تقول, فنصب له محمد بن يوسف شركاً من شِراكه، حيث أعد صرة فيها سبعمائة دينار ذهباً، واختار رجلاً حاذقاً من رجال حاشيته وقال له:امض بهذه الصُّرَّة إلى طاووس بن كيسان، واحتل عليه في أخذها فإن أخذها منك أجزلتُ عطيَّتك، وكسوتك وقربتك, فخرج الرجل بالصرة حتى أتى طاووسا في قرية كان يقيم بها بالقرب من  صنعاء يقال لها (الجند)، فلما صار عنده حياه وآنسه وقال له: يا أبا عبد الرحمن هذه نفقة بعث بها الأمير إليك فقال: مالي بها من حاجة, فاحتال عليه بكل طريق ليقبلها فأبى وأدلى بكل حجة فرفض فما كان منه إلا أن اغتنم غفلة من طاووس ورمى بالصرة في كوة (نافذة في الجدار) كانت بالجدار وعاد راجعا إلى الأمير وقال: لقد أخذ طاووس الصرة أيها الأمير, فسر لذلك محمد بن يوسف وسكت عليه فلما مضى على ذلك عدة أيام أرسل اثنين من أعوانه ومعهما الرجل الذي حمل إليه الصرة وأمرهما أن يقولا له: إن رسول الأمير قد أخطأ فدفع إليك المال وهو مرسل لغيرك وقد أتينا لنسترده منك ونحمله إلى صاحبه فقال طاووس: ما أخذت من مال الأمير شيئا حتى أرده إليه فقالا: بل أخذته, فالتفت إلى الرجل الذي حمل إليه الصرة وقال له: هل أخذت منك شيئا؟! فأصاب الرجل ذعر وقال: كلا, وإنما وضعت المال في هذه الكوة في غفلة منك, فقال طاووس: دونكما الكوة فانظرا فيها, فنظرا في الكوة فوجدا فيها الصرة كما هي وقد ضرب عليها العنكبوت بنسجه فأخذاها وعادا إلى الأمير وكأنما أراد الله عز وجل أن يقتص من محمد بن يوسف على فعلته هذه وأن يجعل قصاصه على مرأى من الناس  فكيف وقع ذلك؟

    حدث طاووس بن كيسان قال: بينما أنا في مكة حاجا بعث إلى الحجاج بن يوسف فلما دخلت عليه رحب بي وأدنى مجلسي منه وطرح لي وسادة ودعاني لأن أتكئ عليها ثم راح يسألني عما أشكل عليه من مناسك الحج وغيرها وفيما نحن كذلك سمع الحجاج ملبيا يلبي حول البيت ويرفع صوته بالتلبية وله نبرة تهز القلوب هزا :

    ·  فقال: إلي بهذا الملبي فأتي له به ..

    ·  فقال: ممن الرجل؟

    ·  فقال: من المسلمين ..           

    ·  فقال: لم أسألك عن هذا وإنما سألتك عن البلد ..

    ·  فقال: من أهل اليمن ..

    ·  فقال: كيف تركت أميركم؟ (يعني أخاه) ..

    ·  فقال: تركته عظيما جسيما لبّاسا ركّابا خرّاجا ولّاجا ..

    ·  فقال: ليس عن هذا سألتك ..

    ·  فقال: عمَّ سألتني إذن؟ ..

    ·  فقال: عن سيرته فيكم ..

    · فقال: تركته ظلوما غشوما مطيعا للمخلوق عاصيا للخالق فاحمر وجه الحجاج خجلا من جلسائه وقال للرجل ما حملك على أن تقول فيه ما قلته وأنت تعلم مكانه مني؟

    · فقال: أتراه بمكانه منك أعز مني بمكاني من الله عز وجل وأنا وافد بيته ومصدق نبيه وقاضي دينه فسكت الحجاج ولم ينطق بجواب ..

    · قال طاووس: ثم ما لبث أن قام وانصرف من غير أن يستأذن أو يؤذن له فقمت في أثره وقلت في نفسي إنه الرجل صالح فاتبعه واظفر به قبل أن تغيِّبُه عن عينك جموع الناس فتبعته فوجدته قد أتى البيت وتعلق بأستاره ووضع خده على جداره وجعل يقول: (اللهم أني أعوذ بك وبجنانك ألوذ، اللهم اجعل لي في الاطمئنان إلى جودك والرضا بضمانك مندوحة, أي سعة, عن منع الباخلين، وغنى عما في أيدي المستأثرين, اللهم إني أسألك فرجك القريب ومعروفك القديم وعاداتك الحسنة يارب العالمين). ثم ذهبت به موجة من الناس وأخفته عن عيني فأيقنت أنه لا سبيل إلى لقائه بعد ذلك فلما كانت عشية عرفة رأيته وقد أفاض مع الناس فدنوت منه فإذا هو يقول: (اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني الأجر على مصيبتي بتركك القبول مني), ثم ذهب في الناس وستره الظلام عني فلما يئست من لقائه قلت: (اللهم اقبل دعائي ودعاءه وأستجب رجائي ورجاءه وثبت قدمه وقدمي يوم تزل الأقدام, واجمعني معه على حوض الكوثر يا أكرم الأكرمين), وهكذا كان طاووس بن كيسان محبا للحق باذلا في سبيله النصيحة غير هياب ولا وجل ممن يقول أمامه كلمه الحق حتى وأن كان ظلوما غشوما بل ويحب من يقول كلمة الحق حتى إن كان مسكينا فقيرا.

    فما كاد خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك يلقي رحاله في أكناف البيت العتيق حتى التفت إلى حاجبه وقال: (أبتغ لنا عالما يفقهنا في الدين ويذكرنا في هذا اليوم الأغر من أيام الله عز وجل فمضى الحاجب إلى وجوه أهل الموسم وطفق يسألهم عن بغية أمير المؤمنين فقيل له هذا طاووس بن كيسان سيد فقهاء عصره, وأصدقهم لهجة في الدعوة إلى الله فعليك به فأقبل الحاجب على طاووس وقال أجب دعوة أمير المؤمنين أيها الشيخ فاستجاب طاووس من غير إبطاء ذلك أنه كان يؤمن بأن الدعاة  إلى الله تعالى لا يجدون فرصة في الدعوة إلا اغتنموها، وكان يوقن أن أفضل كلمة تقال هي كلمة حق أريد بها تقويم اعوجاج ذوي السلطان وتجنبهم الجور والظلم وتقربهم إلى الله تعالى, مضى طاووس مع الحاجب فلما دخل على أمير المؤمنين حياه فرد الخليفة التحية بأحسن منها وأكرم استقباله وأدنى مجلسه ثم أخذ يسأله عما أشكل عليه من مناسك الحج وينصت إليه في توقير وإجلال, قال طاووس: فلما شعرت أن أمير المؤمنين قد بلغ بغيته ولم يبق لديه ما يسأل عنه قلت في نفسي إن هذا المجلس لمجلس يسألك الله عنه يا طاووس ثم توجهت إليه وقلت إن صخرة كانت على شفير بئر في قعر جهنم وقد ظلت تهوى في هذه البئر سبعين خريفا حتى بلغت قرارها أتدري لمن أعد هذا البئر يا أمير المؤمنين.

    فقال من غير روية: لا، ثم عاد لنفسه وقال: ويلك لمن أعدها؟!

    فقلت: أعدها الله عز وجل لمن أشرك في حكمه فجار .. فأخذت سليمان لذلك رعدة ظننت معها أن روحه ستصعد من بين جنبيه وجعل يبكي, ولبكائه نشيج يقطع نياط القلوب فتركته وانصرفت وهو يقول جزآك الله خيرا (يكررها), ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة بعث إلى طاووس يقول: أوصني يا أبا عبد الرحمن فكتب إليه طاووس رسالة في سطر واحد قال فيها:    (إذا أردت أن يكون عملك خيرا كله فاستعمل أهل الخير والسلام), فلما قرأ عمر الرسالة قال: (كفى بها موعظة, كفى بها موعظة), ولما آلت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك كان لطاووس بن كيسان معه مواقف مشهورة مأثورة  من ذلك أن هشام قدم إلى البيت الحرام حاجا فلما صار في الحرم قال لخاصته التمسوا لنا رجلا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له إن الصحابة يا أمير المؤمنين قد تلاحقوا بربهم واحدا أثر أخر حتى لم يبق منهم أحد  فقال: (إذن من التابعين فأتي بطاووس بن كيسان), فلما دخل عليه خلع نعليه بطرف بساطه وسلم عليه بغير أن يدعوه بأمير المؤمنين وخاطبه باسمه دون أن يكنيه وجلس قبل أن يأذن له بالجلوس فاستشاط هشام غضبا حتى بدا الغيظ في عينيه ذلك أنه رأى في تصرفاته تلك اجتراء عليه أمام جلسائه ورجال حاشيته بيد أنه تذكر أنه في حرم الله عز وجل فرجع إلى نفسه وقال لطاووس: ما حملك يا طاووس على ما صنعت؟     

    فقال: ما الذي صنعته ؟

    فعاد إلى الخليفة غضبه وغيظه وقال: (خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تسلم على بإمرة المؤمنين وسميتني باسمي ولم تكنني ثم جلست من غير إذني, فقال طاووس: بهدوء أما خلع نعلي بحاشية بساطك فأنا أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب على, وأما قولك أني لم أسلم عليك بإمرة المؤمنين فلأن جميع المؤمنين ليسوا راضين بإمرتك وقد خشيت أن أكون كاذبا إن دعوتك بأمير المؤمنين, وأما ما أخذته علي من أني ناديتك باسمك ولم أكنك فإن الله عز وجل نادى أنبيائه بأسمائهم فقال: (يا داود, يا يحيى, يا عيسى) وكنى أعدائه فقال: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ), وأما قولك أني جلست قبل أن تأذن لي, فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: (إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام بين يديه ), فكرهت أن تكون ذلك الرجل الذي عد من أهل النار فأطرق هشام إلى الأرض خجلا ثم رفع رأسه وقال عظني يا أبا عبد الرحمن فقال: إني سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب
    كالبغال تلدغ كل راع لا يعدل في رعيته)
    , ثم قام وانصرف.

    هذا وإن طاووس لم يخص الخلفاء والولاة بمواعظه وإنما بذلها لكل من آنس به .. حاجة إليها أو رغبة فيها, من ذلك ما رواه عطاء بن أبي رباح قال رآني طاووس في موقف لم يرتح له فقال: يا عطاء إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق في وجهك بابه وأقام دونك حجابه وإنما اطلبها ممن أشرع لك أبوابه وطالبك بأن تدعوه ووعدك بالإجابة وكان يقول لابنه: يا بني صاحب العقلاء تنسب إليهم, وإن لم تكن منهم ولا تصاحب الجهال، فإنك إن صاحبتهم نسبت إليهم وإن لم تكن منهم واعلم أن لكل شيء غاية وأن غاية المرء تمام دينه وكمال خلقه, وقد نشأ ابنه على ما رباه عليه أبوه وتخلق بأخلاقه وسار بسيرته وكما كان طاووس يقبل على بعض أولي الأمر تذكيرا لهم وتوجيها فقد كان يعرض عن بعضهم تبكيتا وتأنيبا .. حدث ابنه قال: خرجنا ذات سنة مع أبي حجاجا من اليمن فنزلنا في بعض المدن وعليها عامل يقال له ابن نجيج, وكان من أخبث العمال وأكثرهم جرأة على الحق وأشدهم إيغالا في الباطل فأتينا مسجد البلد نريد أداء المكتوبة فإذا ابن نجيج قد علم قدوم أبي فجاء إلى المسجد وقعد بين يديه وسلم عليه فلم يجبه أبي وأدار له ظهره فأتاه عن يمينه وكلمه فأعرض عنه فعدل إلى يساره فأعرض عنه فلما رأيت ذلك قمت إليه ومددت يدي نحوه وسلمت عليه وقلت له إن أبي لم يعرفك, فقال: بل إن أباك يعرفني وإن معرفته بي هي التي جعلته يصنع ما رأيت ثم مضى وهو ساكن لا يقول شيئا فلما عدنا إلى المنزل التفت إلىّ أبي وقال: (يا لكع .. تسلق هؤلاء بألسنة حداد في غيبتهم فإذا حضروا خضعت لهم بالقول؟ وهل النفاق في غير هذا؟).

    وقد امتدت الحياة بطاووس حتى بلغ المائة أو جاوزها قليلا غير أن الشيخوخة لم تنل من صفاء ذهنه وحدة خاطرة وسرعة بديهته شيئا.

    حدث عبد الله الشامي قال: أتيت طاووسا في بيته لآخذ عنه وأنا لا أعرفه فلما طرقت الباب خرج إلي شيخ كبير فحييته وقلت: أأنت طاووس بن كيسان؟, فقال بل أنا ابنه, فقلت إن كنت ابنه فلا آمن أن يكون الشيخ قد هرم وخرف وإني قصدته من أماكن بعيدة لآخذ من علمه, فقال: ويحك إن حملة القرآن لا يخرفون .. ادخل عليه, فدخلت عليه وسلمت وقلت: لقد أتيتك طالبا علمك راغبا في نصحك فقال: سل وأوجز، فقلت: سأوجز ما وسعني الإيجاز إن شاء الله, فقال: أتريد أن أجمع لك صفوة ما في التوراة والزبور والإنجيل والقرآن فقلت نعم, فقال (خف الله تعالى خوفا بحيث لا يكون شيء أخوف لك منه وارجه رجاء أشد من خوفك إياه وأحب للناس ما تحب لنفسك), وفي ليلة العاشر من ذي الحجة سنة ست ومائة أفاض الشيخ المعمر طاووس مع الحجيج من عرفة إلى المزدلفة للمرة الأربعين ولما أدى المغرب مع العشاء وأسلم جنبه إلى الأرض أتاه اليقين فلقيه بعيدا عن الأهل والوطن تقربا إلى الله ملبيا محرما رجاء لثواب الله خارجا من ذنوبه كيوم ولدته أمه بفضل من الله ولما طلع الصبح وأرادوا دفنه لم يتمكنوا من إخراج جنازته لكثرة الزحام فوجه أمير مكة حرسا ليزودوا الناس عن الجنازة حتى يتاح لهم دفنها قد صلى عليه خلق كثير لا يحصى عددهم إلا الله وكان من جملة المصلين خليفة المسلمين هشام بن عبد الملك, رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته.



    عودة الى الذين سبقونا

    قضــايا شرعـــية
    منبر الدعوة
    واحـــة الأدب
    خدمات الموقع