|
حاذ من الفضائل أعلاها.. ومن المناقب أسماها فهو ابن عمة رسول الله...
وهو صهر رسول الله.. فأخته أم المؤمنين زينب بنت جحش...
كان من أشراف مكة وساداتها.. ومن أثريائها وكبرائها أول من عُقد له لواء في الإسلام...
وأول من دعي أمير المؤمنين...
هو صاحب الهجرتين "عبد الله بن جحش"...
ما أن رأت عيناه تباشير الإسلام تلوح...
وما أن أشتم رائحته الذكية حتى اندفع إليه اندفاع الفراش للنور...
فقد كان ذو عقل رشيد.. ورأى سديد...
حمله رجحان عقله.. وصلاح قلبه إلى أن يكون من السابقين الأولين...
فأسلم قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم وتحمل رضي الله عنه من الأعباء الكثير والكثير حتى أذن النبي صلى الله عليه وسلم لجمع من أصحابه بالهجرة إلي الحبشة.
ولم تكن هجرة الحبشة.. فراراً من التعذيب فحسب إذ كان فيها من السادات والأشراف من فيها ممن كانوا بعيدين عن الإيذاء والتعذيب.
ولكنها أيضاً كانت رصيداً للمسلمين.. إذ لو هلك مسلمو مكة جميعهم يكون في الحبشة قوماً ينشرون الدين ويدعون إلى الهدى والرشاد.
فهاجر ـ رضي الله عنه ـ مع بعض أهله وذويه ولما سرت إشاعة إسلام قريش وأهلها كان عبد الله بن جحش فيمن عاد إلى مكة معتقداً إسلام أهلها.
وظل عبد الله بن جحش طيلة سنوات مع النبي الكريم في مكة يدعو إلى دين الله ويواجه مع رسوله ومصطفاه أحقاد قريش وأضغانها حتى أراد الله لهذا الدين أن يسود وينتشر فأذن لنبيه بالهجرة إلى المدينة.
وانظر بعيني قلبك إلى عبد الله بن جحش ذلك الهُمام.. صاحب الهمة العالية والعزيمة الماضية فما أن أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة.. حتى كان من أول الممتثلين فكان ثاني المهاجرين.. إذ لم يسبقه إلا أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
فكما حفظ له التاريخ أنه من السابقين الأولين فقد وعت له ذاكرته أنه ثاني المهاجرين.
فجمع ـ رضي الله عنه ـ أهله وذويه وولده وبني أبيه كباراً وصغاراً.. نساءً ورجالاً..
فقد كانت ديار بني جحش أنهاراً تفيض بالخير وتجود بالنور.
وما أن حملت إبلهم ورواحلهم أمتعتهم وخيامهم.. وأعطوا ظهورهم لديارهم.
حتى حملوا في قلوبهم حزناً دونه كل حزن وأثقلتهم هموم.. دونها كل هم.
فقد كانوا مُحبين لديارهم.. راغبين فيها.
فقد كانت ديار كرم وجود.. وكانت قبلة تُؤم ودياراً تُقصد.
فما أن رحلوا عنها حتى بكتهم الديار وجاثت فيها الرياح الساقيات.
وبدت حزينة كئيبة.. خواء خلاء.. كأن لم يسمر في ربوعها سامر.
وفصلت عير بني جحش عن مكة.. واستقبلوا مدينتهم الجديدة وديارهم المنتظرة.
ومر أباطرة قريش على ديارهم فإذا..
بعد الحراك سكون ... وبعد الصوت صمت
وبعد الخير جفاء ... وبعد النماء جدب
فقال قائلهم وإن ديار بني جحش لتبكيهم.
فقال أبو جهل.. ومن بني جحش حتى تبكيهم الديار ثم وضع يده على دار عبد الله بن جحش فقد كانت أبهى هذه الدور وأنضرها.. وصار يتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم.. حتى إذا بلغ نبأها عبد الله حزن حزناً عظيماً فقد كان عظيم الحب لوطنه عظيم الشوق لداره ومكان صباه.
فهدهد النبي على قلبه وواساه.. وقال.. آلا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها داراً في الجنة.. قال.. بلى يا رسول الله.. قال.. فلك ذلك يا عبد الله.. وطابت نفسه وهدأ فؤاده.
وظل النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن وطأت قدماه أرض المدينة يوطد أركان دولته ويقوي دعائمها ويثبت قواعدها.. مستعيناً بالعظماء أصحاب الهمم العاليات والعزائم الماضيات أمثال عبد الله بن جحش وإخوانه.
وكانت دولة الإسلام لا تزال وليدة في حاجة إلى يقظة وانتباه.. ورجال لا يعرفون للنوم طعماً ولا للراحة معنى.. إذ الأعداء يحيطون بالمدينة من كل جانب ويتربصون بها وعلى رأس هؤلاء قريش التي أرسلت المرة تلو المرة لأهل المدينة.. بأن يُخرجوا محمداً وأصحابه ويُخلوا بينهم وبينه.
وكانت يقظة المسلمين وعبقرية قائدهم فوق كل التحديات فبدأ النبي يبث الدوريات الاستطلاعية حول المدينة والطرق المؤدية إليها.. وكانت هذه الدوريات من المهاجرين الذين ظلوا طيلة ثلاث عشر عاماً دون قتال.. فكان لزاماً عليهم التهيؤ والاستعداد.. ومعرفة المدينة والطرق المؤدية إليها ومسالكها.
وكذا إشعار مشركي يثرب ويهودها والأعراب الضاربين حولها بقوة المسلمين واستعدادهم.. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية فيها عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان وغيرهم.. وقال أؤمر عليكم غداً أصبركم على الجوع والعطش فلما كانوا من الغد أعطى الراية عبد الله بن جحش.. وأرسله على رأس تلك السرية ومعه أثنى عشر رجلاً من المهاجرين.. وكتب له صلى الله عليه وسلم كتاباً وأمره ألا يفتحه إلا بعد مسيرة يومين.
فخرج عبد الله بن جحش ومعه أصحابه من المهاجرين يتعاقبان كل اثنين على بعير في رحلة من أشق الرحلات وأشدها..
وظلوا على ذلك مسيرة يومين تحملهم الوئاد وتحطمهم المهاد..
وما أن تم اليومان اللذان أمرهم بهما رسولهم.. حتى توقفوا وفتح عبد الله بن جحش كتاب النبي الذي أعطاه فإذا فيه:
"إذا نظرت في كتابي هذا فسر حتى تبلغ موضع نخلة بين مكة والطائف فارصد بها عير قريش.. واعلم لنا من أخبارهم ولا تكره أحداً من أصحابك"
وما أن أتم عبد الله بن جحش الكتاب حتى قال سمعاً وطاعة لرسول الله.
وأخبر أصحابه بما في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم.. وقال.. "من أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع.. أما أنا فناهض".
فنهضوا جميعاً إلا سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان كانا يتعاقبان على بعير ضل منهما فتخلفا في طلبه.
وسار عبد الله بن جحش في رجاله العشرة يغّزون السير صوب نخلة.. وما أن وصلوها حتى مرت بهم عير قريش تحمل زبيبا وتجارة.. وفيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل أبنا عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان.
فتشاوروا في أمرهم وقالوا.. نحن في أخر يوم من رجب وهو شهر حرام فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم ليلتهم دخلوا الحرم وامتنعوا منا.
فأجمعوا رأيهم على قتالهم.. فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله.. وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل.. وعند ذلك جمع المسلمون العير وأخذوا الأسيرين وعادوا صوب المدينة يسابقون الريح ويقهرون الصخر ويتحدون الرمال.
وما أن دخل نوفل الحرم فاراً من عبد الله وأصحابه حتى صرخ في قريش بخبر العير وعمرو بن الحضرمي فخرجوا مسرعين لعلهم يدركون بن جحش وأصحابه ولكنهم ما وجدوا إلا قتيلهم والسراب.. فعادوا وهم يعضون أنامل الغيظ ويتجرعون كأس الألم والخذلان.
أما عبد الله بن جحش وأصحابه فما أن وصلوا المدينة حتى أنكر النبي صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال مغضباً "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام".. وتوقف عن التصرف في العير والأسيرين وعند ذلك شعر عبد الله وأصحابه أنهم قد هلكوا لمخالفة أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم.. وكم كان الأمر شاقاً عسيراً له تداعيات وآثار.. فبينما النبي يعمل على توطيد أركان دولته وتدعيمها في شيء من الهدوء المشوب بالحيطة والحذر.. ويسعى في إخراج البعوث والسرايا تُحالف وتصالح وتبرم معاهدات.. وتبث الرعب في نفس من تسول له نفسه التجرؤ على المدينة.. جاءت سرية نخلة وموقف عبد الله بن جحش وأصحابه ليذعر المشركين على النبي ودولته فقد تجسد أمامهم خطر المسلمين الحقيقي.
وعلموا أن المدينة في غاية اليقظة والحذر وأنها تترقب كل حركة من حركاتهم التجارية.. وعلموا أن المسلمين أصبحوا من القوة بمكان ومن المهارة والإتقان.. بحيث يزحفوا ثلاثمائة ميل ويكونوا على مشارف مكة فيقتلوا ويأسروا ويغنموا ثم يعودوا سالمين دون أن تدركهم قريش.. عند ذلك شعر المشركون أنهم وتجارتهم في أخطار حقيقية.. وأن المسلمين في المدينة غير غافلين بل إنهم يستعدون ويتأهبون ويتهيئون.
وبذلك فقد تهيأت قريش لمواجهة أصبحت محتومة.. وعجلت تلك السرية بمواجهات للمسلمين في غير موعدها.. ليس هذا فحسب.. بل إن قريشاً بجهازها الإعلامي النشط استغلت تلك الحادثة وبدأت تروج الإشاعات وتبث الدعايات وتغير الحقائق وتبدل الأحداث.. متهمة النبي وأصحابه بأنهم استحلوا ما حرم الله وانتهكوا الشهر الحرام.. فسفكوا الدماء وأخذوا المال وأسروا الرجال وكانت حملة التشهير تلك لها أسوا الأثر بين القبائل على المسلمين وسمعتهم الدينية.
ومع كل تلك الأحداث والمشاهد التى شوهت وجه الإسلام المشرق.. كان عبد الله بن جحش.. يعيش أياماً لم يُجل بخاطره يوماً أن يعيش أسوأ منها أو أمرّ.
خمسة عشر عاماً أمضاها عبد الله.. منذ أن أطلق الإسلام صرخته الأولى مستقبلاً الحياة إلى أن أصبح للإسلام دولة ذات سيادة وأركان.. كان عبد الله خلالها.. سنداً لرسوله الكريم وعضداً لكثير وكثير من المسلمين..
لم يكن يظن أبداً أن يأتي يوم يكون هو فيه سبباً لوقوف الإسلام موقف الاتهام.. ولاسيما أن النبي أوقف التصرف في العير والأسيرين وظل عبد الله بن جحش على ذلك يترقب قريشاً بحملتها الدعائية الشرسة ويترقب فرج السماء.
وبينما هو على ذلك وقد أشتد عليه الكرب وثقل عليه البلاء.. جاءه البشير يبشره.. أبشر يا عبد الله فإن الله قد رضي عن صنيعك وأنزل فيه قرأناً.. فوالله ما مر على عبد الله بن جحش يوماً هو الأسعد في حياته منذ أسلم إلا ذلك اليوم الذي سمع فيه قول مولاه.. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)[البقرة 217].
وهكذا صرح الوحي بأن الضجة التى افتعلها المشركون لإثارة الشك والريبة في مسيرة المجاهدين ضجة لا مسوغ لها.. فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام واضطهاد أهله.. ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرر سلب أموالهم وقتل نبيهم؟!
فأين كانت تلك المقدسات وهذه الحرمات يوم قتل سمية وتعذيب العشرات من المسلمين وأين كانت يوم أن اجتمعت قريش على باب النبي ليقتلوه.. وأين كانت يوم أن وضعوا سلا الجذور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد أمام الكعبة في الحرم.
فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة فأصبح انتهاكها معرة وشناعة؟!
فلا جرم أن الدعاية التى أخذ المشركون ينشرونها ويروحون لها إنما تُبنى على وقاحة.
وما أن نزلت تلك الآيات المباركات على النبي صلى الله عليه وسلم حتى طابت نفسه.
فأخذ العير وفدى الأسيرين وأدى دية القتيل لأهله ورضي عن صنيع عبد الله بن جحش وأصحابه.. وأصبحت تلك السرية المباركة التى كانت مثار جدل وخلاف مفترق طرق في مسيرة الدعوة الإسلامية آنذاك.
وما هي إلا أسابيع قلائل حتى كانت غزوة الفرقان بدر.
وشهدها عبد الله بن جحش وأبلى فيها بلاءً دونه كل بلاء ونال فيها وسام.
"لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم"
وتناديه الشهادة يوم أحد وتحن الجنة لرؤيته وتشتاق.. فقد خلا يوم أحد مع سعد بن أبي وقاص.. وقال "يا سعد.. آلا ندعو الله.. قال.. بلى.. قال.. فادعو يا سعد.. قال.. اللهم يا رب إذ لقيت العدو فلقني رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده.. أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه.. فقال عبد الله بن جحش.. اللهم أمين. .ثم قال ـ رضي الله عنه ـ وقد اشتاقت نفسه إلى لقاء ربه.. وتاقت روحه إلى الموت في سبيل الله وعظم حنينه إلى الجنان الوارفة.. اللهم أرزقنى رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله فيك ويقاتلني.. ثم يقتلني فيجدع أنفي وأذني.. فإذا لقيتك غداً.. قلت.. فيما جُدع أنفك وأذنك يا عبد الله؟! فأقول.. فيك يارب.. فتقول.. صدقت..".
وما هي إلا سويعات قلائل.. إلا وكان عبد الله بن جحش ـ رضي الله عنه ـ مخضباً بدمائه تفوح رائحة المسك من جراحاته.. وقد مُثل به وعُلق أنفه وأذنه على شجرة بخيط .. نعم.. ويكأن مولاه يسارع له في هواه.
فاستجاب لدعوته وقلده أعظم وسام يوضع على صدر محارب.. وألبسه أسمى تاج يوضع على رأس مقاتل.. (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)..
نعم.. استجاب الله لدعوته وأكرمه بالشهادة كما أكرم بها خاله سيد الشهداء حمزة يومئذ.. فواراهما الرسول صلى الله عليه وسلم في قبر واحد "حمزة وعبد الله" ودموعه صلى الله عليه وسلم تنزف فوق ثراهما المضمخ بطيوب الشهادة.
بقلم... عبد العزيز محمود
عصمت الصـــاوي
عودة الى الذين سبقونا
|