|
في عيد الأم.. أذكر أبي بقلم / منتصر الزيات
قبل أربعة أيام عندما كان الجميع يحتفل بعيد الأم عدت بشريط الذكريات عندما توفيت والدتي وأنا ابن السادسة من عمري.. لا أكاد أذكر ملامح أمي.. رأيت صورا ً قليلة احتفظ بها أبى مما أبقته الأيام.
لا أعرف على وجه القطع سبب موت «أمي».. غير أنه الأجل الذي عنده تنتهي الآجال.. فلكل أجل كتاب.. كما قال المولى سبحانه: «إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ » ماتت مريضة.
أكاد أذكر يوما ً في مخيلتي كأن سيارة إسعاف جاءت إلى بيتنا تحملها ويسترجع مفتاح الذاكرة الفطري صورة أخرى من سرداب الزمن: «والدي» يبكى داخل غرفة النوم المظلمة.. ونحيب لنسوة يلف البيت.. هذه المشاهد تبدو ومضات تسرى في أوتار الذاكرة.
لكنني أذكر «والدي» الناظر الذي تولى تربيتي وأشقائي كانوا خمسة عداى أذكره.. وهو يُعِدُّ لنا أكواباً من اللبن كل صباح ينصحنا بالارتواء منها ويجهز "ساندويتشات" يدسها في حقيبة كل واحد منا.
أذكره بعد إيابنا يجهز لنا وجبة الغداء، أذكره وهو يصطحبنا كل مساء على «كورنيش النيل» الساحر بأسوان.. تلك المدينة العبقرية الطيبة يبتاع لنا قطعاً من «البسبوسة» من عم "هارون" نفرح بها، ونأكلها حتى نرجع نتابع الدروس.
فتحت عيني و«أبى» هو "أمي" هو الذي يحنو على َّ.. يعطيني من فيض حنان حرمتني منه الأيام.. أذكر أيضاً ضرباته التي أوجعتني في مواقف حتمت عليه استخدام القسوة.
كنت ابن ناظر المدرسة.. غير أنى كنت أشعر بها نقمة وليست نعمة.. لم تحقق لي ميزة لدى المدرسين، فقد كان والدي يصفعني أمام زملائي في الفصل إذا عجزت عن "الإجابة".. كانت تعليماته عملية أمام الجميع : عدم التمييز في معاملتي.
تعلمت من أبى الكتابة، فقد كان علامة في اللغة العربية.. وكان صحفياً يعشق الصحافة.. عمل في بلاطها في جريدة «الأخبار» قبل أن ينتقل إلى جريدة "الثورة" التي أنشأها جمال.. وترأس تحريرها «أنور السادات».. وأعنى بها جريدة "الجمهورية" حتى فاضت روحه وهو مدير لمكتبها بأسوان.
تعلمت منه الخطابة.. فقد كان خطيبا ً فصيحا ً أسمعه كل صباح في الطابور.. وأسمعه في المؤتمرات والندوات.
تعلمت من أبى حب الشعر.. فقد كان شاعرا ً موهوبا ً ينظم الشعر.. وهو أمر أتاح لي دخول كلية الحقوق لأعشق المرافعة والمدافعة الشفوية.
تعلمت من «أبى» الكثير والكثير من مناقبه أنه علَّمنا التحاور داخل العائلة في كل الأمور.. وورثت عنه هذه الخصلة وها أنا أعاود الكرّة مع أسرتي وأولادي نناقش كل أمورنا.. وننتهي لقرار موحد في أغلب الأوقات وفي عيد الأم أبعث أرق التهاني إلى أبى الذي رباني.. رحمة الله على والدي وعلى أمي.. رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ً.
الاثنين الموافق:
13جماد الأول 1434هـ
25-3-2013م
عودة الى الذين سبقونا
|