|
لمياء والقطة وفتحية بقلم د/ أيمن الجندي
استيقظت «لمياء» في الصباح شاعرة بالبهجة.. فتحت عينيها الجميلتين في كسل.. واستحبت أن تمكث في الفراش الدافئ قليلا ً دون أن يكون لديها ما تفعله.
بعد أن استمتعت بإحساس الاسترخاء أزاحت الغطاء الوثير الناعم ذا الوبرة الكثيفة.. ألقت نظرة سريعة على المرآة فسرّها ما رأت.. طالعتها صورة لامرأة في تمام نضجها كالتفاحة يكمن سرها في الرحيق المعطر.
البيت دافئ ومُعطر ويشهد بحسن ذوق سيدته.. ارتدت لمياء أجمل ثيابها بسرعة.. تزينت لغير سبب محدد.. فقط أحست بأنها تريد أن تتزين وتبدو جميلة!
نثرت قطرات من العطر الفاغم.. ومن خلال النافذة المصقولة شاهد قطرات المطر تنساب كحبات اللؤلؤ.
شعرت لمياء بقلبها يخفق.. قررت النزول على الفور لتشارك الطبيعة مهرجانها الكوني.. وتشعر بقبلات المطر تلثمها على وجهها وشعرها.. من شدة ما أحبت الشتاء تمنت لو كان جميع فصول السنة شتاء!
في اللحظة نفسها كانت «فتحية» تخوض الدرب الموحل.. يداها مثلجتان من البرد القارس.. والمطر يبلل ثوبها الذي كان من الأصل مبللا ً بعد أن تسربت بالأمس مياه الأمطار.
سطح الغرفة التي تقطنها على أطراف المدينة يحتاج ترميما ً عاجلا ً لا تملك منه مليما ً.. أمسكت بيدها جانبها الأيمن بصعوبة وهى تسير متحاملة على نفسها.
أهاج البرد آلام الكلى المزمنة التي ترددت بسببها على المستشفيات الحكومية دون جدوى.. وفى كل مرة يمنحونها أقراصا ً بيضاء تعرف مقدما ً أنه لا فائدة منها.
هي في الحقيقة تعرف علاجها جيدا ً: بيت دافئ له سطح محكم.. ملابس ثقيلة مناسبة.. ولا تضطر للذهاب للشادر في الصباح الباكر لشراء بضعة كيلوجرامات من السمك الرخيص تبيعه في السوق.
سارت فتحية في طريقها إلى مكانها المعتاد في السوق.. تفوح منها رائحة الزفارة البحرية.
ترى هل ستعود إلى بيتها بثمن البضاعة.. مضافا ً إليه بضعة جنيهات هي كل مكسبها؟
أم ستعود بالسمك بعد أن اشتد الفقر بالناس وكفوا عن الشراء؟.
فقراء ينتظرون الرزق من فقراء.. يعانون جميعا ً من برد شتاءٍ يقسو على أمثالهم!
استيقظت القطة متوعكة المزاج بعد أن انهمر المطر طوال الليل.. واضطرت إلى أن تختبئ تحت السيارات المبتلة.. البرد يجمد أطرافها.. والجوع ينهش أحشاءها.
ولولا مخلفات السوق التي تعيش جوارها وأكوام القمامة المبللة لماتت من الجوع.
السماء غائمة هذا الصباح.. والمطر ينهمر فجأة.. جرت بسرعة محاولة الاختباء تحت جدار.. فطردها البشر الواقفون هناك.. احتمت أسفل سيارة وهى تخشى أن تتحرك فجأة.
توقف المطر عن الانهمار وفاحت عن قريب رائحة الزفارة البحرية.. ذهبت إلى حيث تفترش فتحية الأرض تضع سمكها في سلة.. انتفش ذيلها.. انتصب شاربها وتملكتها رغبة جنونية في أن تهجم على السمك.. لولا أن غريزتها علمتها أن الاقتراب خطر.
جلست على قوائمها الخلفية عن قرب من فتحية وهى تموء في استجداء وتنظر لصاحبة السمك نظرة كلها توسل وأمل.
(2)
كانت لمياء تسير وسط المطر وقلبها يخفق "رباه أنا سعيدة!" هتفت لمياء من أعماق قلبها.. لا تدرى لماذا تشعر بالسعادة إلى هذا الحد!
ربما هو الشتاء الذي ارتبط معها بالرقة والرومانسية! .. وربما لأنها كفت عن مخاصمة الحياة ونوت التصالح مع أقدارها! .. وربما لأنها قررت أن تستمتع بكل لحظة مقبلة في حياتها.
وهل هناك أجمل من صباح شتائي؟!
"على كل حال أيا ً كان السبب فأنا محظوظة".. هكذا قالت لمياء لنفسها.. الحمد لله أنا ميسورة الحال.. جميلة الصورة.. ثم إنني أحب الخير لجميع الناس وأتمنى أن أساعدهم.
وفجأة انتبهت لمياء لمشهد قطة بائسة ترتجف من البرد وتقف على مقربة من بائعة السمك.. وتموء في استجداء لصاحبة الكنز البحري عسى أن يرق قلبها.
وقفت «لمياء» تتأمل المشهد مليا ً وتدافعت في عينيها دموع الرحمة.. وتذكرت نفسها.. قصتها المريرة مع "هيثم" الرجل الوحيد الذي أحبته.. لكنه لم يفطن إليها!.. لم يحاول في يوم أن يقرأ عينيها.. إذا لشاهد هذه النظرة المناشدة المتوسلة!.. لكنه لم يقرأها.
أحست لمياء بغصة في قلبها.. واختلطت دموعها بدموع السماء المنهمرة.. لم تتردد.. اقتربت من البائعة البدينة التي لم تكن تدرى حتى الآن أن اسمها "فتحية" .. وابتاعت عددا ً من السمك يكفى القطة وزيادة.
حدجتها البائعة بنظرة متشككة شيء في ملابسها الأنيقة وعطرها الفاغم استفزها.. لذلك طلبت منها ثمنا ً باهظا ً.. لكن لمياء لم تجادل!.. وأعطتها النقود ببساطة تصل إلى حد الاستهانة.. النقود معطرة وجديدة ولامعة.. مثل كل شيء ينتمي لهذه السيدة المترفة.
استدارت لمياء ومضت نحو القطة.. وقفت فتحية ترقب المشهد عاجزة عن التصديق.
لمياء تنحني على الأرض وتضع السمك أمام القطة.. وتشاهد فرحة القطة الفطرية.
لم تشعر فتحية بحقد في حياتها مثلما شعرت في تلك اللحظة.. ولم تكره في حياتها أحدا ً مثلما كرهت هذه السيدة المستفزة.
تذكرت جنبها الأيمن الذي عاد يؤلمها.. وشاهدت بوضوح قطرات المطر تنسكب من سطح بيتها المتهالك! .. وأحست بملمس ثيابها المبتلة.. وشعرت بخدر في ساقيها كالذي يعقب رحلة طويلة منهكة لشادر السمك.. ثم بعد ذلك كله تمنح السمك للقطة!
لو كانت النظرات تقتل لقتلتها نظراتها.. لذلك بمجرد أن ابتعدت لمياء رجمت فتحية القطة بحجارة الطريق فابتعدت وهى تصرخ.. وانقضت فتحية على السمك وأعادته إلى السلة.
في هذه اللحظة استدارت لمياء لتلقى على القطة نظرة أخيرة.. فوجئت بالبائعة تسترد السمك.. رجعت على الفور وقد استبد بها الغضب.. كانت البائعة في الحقيقة تنتظرها وتتمنى رجوعها.
والذي حدث بعدها يصعب وصفه.. ارتطم الشقاء بالشقاء.. وتبادلت كلتاهما كلمات قارصة لا تستحقها أي منهما.
تذكرت لمياء قسوة هيثم.. نسيت بهجتها المؤقتة ولم تعد تذكر سوى أنها تُعامل دائماً بقسوة لأسباب غير مفهومة.
وتذكرت فتحية قسوة أيامها.. ونسيت تماما ً أنها أخذت أجرها وزيادة.. ولم تعد تذكر سوى أنها تُعامل هي الأخرى بقسوة لأسباب غير مفهومة.
وكانت القطة مازالت تجرى ورائحة السمك الضائع تعبق أنفاسها.. تعذبها
الجمعة الموافق
20/ 2/ 1434
4/1/2012
عودة الى قصة قصيرة
|