·فالجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام .. وهو أعظم الأعمال وأزكاها .. وهو أيسر الطرق إلى رضوان الله تعالى والجنة .. ولقد تواترت الآيات والأحاديث التي تدل على عظيم فضل الجهاد .. وسمو مكانته ورفعته .. والتي تحث عليه وترغب فيه .. قال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .. وقال تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ).
·وإن من شرف الجهاد وعظمته أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم في شأنه: (لولا أن يشق على المسلمين .. ما قعدت خلاف سرية .. والذي نفس محمد بيده لوددت أنى أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل) .. ولا غرو في ذلك فللجهاد في سبيل الله أجر عظيم وفضل عميم ورضوان من الله أكبر .. فعن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟! قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله .. قال: ثم أي؟! قال: مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره) .. وفي حديث أبى هريرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى: اللون لون دم .. والريح ريح مسك).
·لقد خاضت الأمة معترك الجهاد في سبيل الله .. فرفرفت على الكون راية عزها وسؤددها .. وكان جهاد الأمة صفحة ناصعة من صفحات تاريخها الطويل .. فلقد كانت لسيوف المسلمين عيون تبصر موضعها ولقد كانت لسيوف المسلمين أخلاق عظيمة .. وضوابط حكيمة .. فلم توضع في موضع يسيء إليهم أو يشينهم .. ولم ترق الدماء في غير ما ميدان .. ولم يكن جهاد المسلمين لاستعباد الشعوب أو استنزاف الثروات .. وإنما كان جهاد هداية ورشاد .. كما كان أبلغ الأثر في دخول هذه الشعوب في دين الله أفواجاً.
·ولما كان الجهاد بذلاً لأعظم وأنفس ما عند المؤمنين ألا وهي أنفسهم .. يبذلونها دون خوف أو تردد ولما كان فيه من بذل الأموال وترك الزوجات والذريات وهجر المساكن والأوطان .. فكان حرياً بالشارع الحكيم أن يضع له أعظم الضوابط وأقوى الأحكام حتى لا تراق الدماء في كل واد وسبيل .. وحتى لا يختلط الحابل بالنابل .. فلا يدرى القاتل فيم قتل .. ولا يدرى المقتول فيم قتل!!، خاصة وأن دماء المسلمين هي أعظم شيء عند الله عز وجل .. وفي الحديث: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم).
·فكان من أهم الضوابط التي وضعها الإسلام للجهاد في سبيل الله ـ رغم عظيم فضله وعلو مكانته وسمو منزلته ـ أن جعل الجهاد وسيلة لا غاية .. فالجهاد لم يكن يوماً من الأيام هدفاً في ذاته ولا غاية .. فلم يشرع الإسلام القتال من أجل القتال وإنما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة إلى حفظ الدين وإعزازه .. وإعلاء لكلمة الله تعالى .. فهو وسيلة من ضمن الوسائل العديدة لتحقيق الأهداف العظمى والآمال السامية .. وليس غاية مرادة لذاتها.. يقول العز بن عبد السلام ـ رحمه الله ـ (وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد تلو الإيمان لأنه ليس بشريف في نفسه وإنما وجب وجوب الوسائل) .. لقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته العملية يعامل الجهاد في سبيل الله معاملة الوسائل لا الغايات.
·فكان صلى الله عليه وسلم تارة يقاتل وتارة يصالح .. وأخرى يحالف .. ورابعة يرجع من غير قتال .. رأيناه صلى الله عليه وسلم يوم الطائف يحاصر حصنهم حتى إذا استعصى عليه مدة ليست باليسيرة .. ووقع في صفوف المسلمين قتل وجراحات .. وعلم أنه لا مجال لفتحه ولا جدوى من الاستمرار .. اتخذ قراره الحكيم بالتوقف وعدم الاستمرار في قتال لا يجدي .. وقفل راجعاً بعد حصاره له أربعين يوماً .. وفي هذا الصدد يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ : (إن الإمام إذا حاصر حصنا منيعاً .. ولم يفتح عليه ورأى مصلحة المسلمين في الرحيل عنه لم يلزمه مصابرته وجاز له ترك مصابرته .. وإنما تلزم المصابرة إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها).
·فإذا تقرر أن الجهاد وسيلة لا غاية .. جرت عليه ما تجرى على الوسائل من أحكام .. فيجب الجهاد ويلزم إذا ما توفرت الشروط والأسباب وانتفت الموانع .. كما قد يحرم إنفاذ الجهاد إذا لم تتوافر مقتضياته أو شروطه أو وجد المانع منه أو كان إنفاذه سينجم عنه أضرار أخرى بمقاصد الشريعة أهم وأولى.