تعليق
بقلم/ محمد بكرى
لا نجافى الحقيقة إذا قلنا إن شرطة دبي تعاملت بشفافية عالية تحسد عليها من خلال هذا الكم من المعلومات الذي كشفت عنه في جريمة اغتيال القائد في كتائب عز الدين القسام " محمود المبحوح " .
ربما لو وقعت هذه الجريمة في عاصمة أخرى – عربية كانت أو غربية - ما كنا نسمع مثل هذه التفاصيل الدقيقة التي كان يدلى بها الفريق " ضاحى خلفان تميم " قائد شرطة دبي لحظة بلحظة في مؤتمراته الصحفية أو حواراته.
لاسيما ما صرح به لقناتي " العربية" و" الجزيرة " فعماد مغنيه مثلاً قتل في وسط دمشق التي تعد منطقة موصدة في وجوه الجواسيس والعملاء من الموساد وغيره وحتى الآن لم تعلن سوريا أي شئ عن العملية ولا حتى عن مجريات التحقيق.
لقد اتصفت شرطة دبي بالشجاعة حينما وضعت دولة كبريطانيا في وضع محرج.. لأنها أصدرت جوازات لعملاء الموساد مما حملها - للحفاظ على ماء الوجه - استدعاء السفير الإسرائيلي.. وكذلك فرنسا وألمانيا وأخيراً أستراليا وهي تثبت أنه بإمكاننا أن نفرض احترامنا على الغير لو توفرت لنا الإرادة والحرفية في العمل.
بل وصل الأمر إلى إعلان قائد شرطة دبي أنه سيطلب من النائب العام في دبي إصدار مذكرات ملاحقة بحق بنيامين نتنياهو.. ورئيس جهاز المخابرات الصهيوني (الموساد) مائير داجان وذلك في إطار التحقيقات الجارية في دبي في قضية اغتيال المبحوح.
ولاشك أن التقنيات التكنولوجية العالية كان لها أكبر الأثر في إيضاح معالم الجريمة خطوة خطوة.. فعندما تزور دبي قد لا تشاهد شرطياً واحداً يتجول في شوارعها مستعرضاً بزته وسلاحه.. فهي مدينة تعتمد على تقنية عصرية لكشف ملابسات الجرائم.. إذ هناك أكثر من 1500 كاميرا للمراقبة موزعة في إرجاء الإمارة وفنادقها ومراكز التسوق.
وبغض النظر عن الرسالة التي تريد الدولة الصهيونية إيصالها.. فلاشك أن للجريمة أبعاداً أخرى غاية في الخطورة تمتد لتشمل كافة الدول العربية وتحديدا دولة الإمارات.. قد تكون مؤامرة خفية ضد دبي حيث كان من المتوقع لدى بعض المراقبين أن تدفع دبي ثمنا غاليا لقفزاتها المتتالية نحو العالمية.
فالجريمة جاءت بعد أسابيع قليلة من افتتاح برج خليفة الذي يعتبر أعلى ناطحة سحاب في العالم.
كما جاءت في أعقاب بداية تعافي دبي من أزمتها المالية .. بل وإعلانها استعدادها أيضا لاستضافة مقر الأمم المتحدة في نيويورك على أراضيها.. وهو الأمر الذي من شأنه في حال حدوثه أن يغير خريطة الاستثمار والوضع الاقتصادي للمنطقة لاسيما الإمارات.
لكن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة :
أين كانت شرطة دبي عند وقوع هذه الجريمة إذا كانت تملك هذا القدر العالي من التقنيات التكنولوجية ؟
هذا هو السؤال المثير للجدل.. والذي يتكرر بإلحاح.. لاسيما أن مدينة دبي تقع في منطقة غارقة في التحديات "الجيوسياسية" وهناك نيات لدول إقليمية ومنظمات وجماعات مسلحة لتحويل المنطقة إلى كتل من النار والفوضى والاضطراب.
يعلق على ذلك دافيد يانج مدير عام شركة الأمن العالمية (تيك 4جى ) :
" إن الاستخدام السليم والذكي لنظم الأمن الحديثة التي تم تزويد فنادق دبي بها كان من شأنها أن تعرقل اغتيال المبحوح.. أو أن تحدد خلية الاغتيال قرب الموعد المحدد لتنفيذ العملية وليس بعد مرور 24 ساعة على الاغتيال "
وهل أصبحت دبي مسرحاً للتصفية الجسدية لغير المرغوب فيهم .. مثلما حدث مع القائد الشيشاني السابق سالم ياماداييف الذي اغتيل بإطلاق الرصاص عليه في مرآب للسيارات في دبي قبل سنوات.. وهو ما اعتبر حينها جريمة من تدبير الاستخبارات الروسية بسبب معارضة ياماداييف للرئيس الشيشاني الموالي لموسكو رمضان قاديروف.. وكذلك قضية اغتيال اللبنانية سوزان تميم ؟؟
نعم لقد قرر قائد شرطة دبي منع الصهاينة من دخول الإمارات، حتى ولو كانوا يحملون جوازات سفر أجنبية.
وهو يشكل ضربة قوية للجهود التي تبذل لبناء علاقات بين إسرائيل ومنطقة الخليج.. لكن في الوقت ذاته يرى البعض أن دبي لو فرضت التأشيرات على القادمين فسوف تختنق اقتصاديا.. وستعود إلى عهد الرمال والصحاري والعشش وبيوت الصفيح.. لأن الأجانب هم من بنوا وأنعشوا وساهموا بشكل رئيسي في ازدهار دبي.
لكن هل يكفى ذلك ؟؟!! وهل يصبح أمن الدول رهينة لمشاريع إستثمارية يعرف الجميع من المستفيد منها ؟؟!